الأزمنة الذهبية القديمة حيث حبّ المغامرة وأسرار الفراعنة

حجم الخط
0

 

ستبقى مصر محط أنظار الرحالة والمستكشفين والباحثين عن الدفائن التاريخية والكنوز الملكية، والحضارات الأولى التي تشكلت في تلك الأرض النيلية، وشكلت معالم حضارية لا تنسى، تجلتْ في كل أنسقة الحياة، لتبنيها لبنة لبنة، في اتساق جمالي وعلمي ومجتمعي، مع التاريخ الحضاري لوادي الرافدين بشِقَّيه العراقي والسوري. وربما تلاقحت هذه الحضارات البانية مع أخوات لها، مثل الكنعانية والفينيقية التي أسست لمعالم تراثية وفنية وتعبيرية في الأراضي العربية التونسية واللبنانية والفلسطينية والأردنية، وكذلك السبأية في اليمن والحجاز، لتنهض فيما بعد الرؤى الجامعة وتنبثق في سيرورتها الزمنية متكافلة مع عوالم الحضارة الإسلامية الجديدة، وهذا ما بهر الغرب في المعمورة العربية التي تنام على أرث حضاري متَّسق ومتَّصل مع حضارات العالم القديمة والحديثة .
لعل مصر الملكية، مصر المفتوحة، متعددة الهُويات والقوميات والأديان فيما مضى، ينضاف إليها البناء العصري الذي جرى في عهد الخديوي إسماعيل للقاهرة، أثناء شق قناة السويس، والاستعانة بالعمارة الإيطالية وطراز البناء الحديث المتماهي مع المدينة الجديدة، ذات الضفاف المشرفة على العاصمة، هو ما جلب هذا العدد الكبير من الجائلين والبحّاثة وأساتذة الأركيولوجيات والصحافيين والجواسيس والكتاب الفضوليين الناشدين للتغيير، عبر مسألة ما يعرف بسحر الشرق وترف مناخه وطبيعته وطيبة شمسه النحاسية التي تدبغ الوجوه البيضاء لتحولها بعد فترة قليلة سمراء، وذات بشرة ذهبية، ولا سيما للأوروبي القادم من البلدان الباردة كبريطانيا وفرنسا وهولندا وألمانيا وكندا وغيرها من البلدان الأجنبية ذات الطبيعة الباردة والثلجية، تلك التي تتسم بفصل واحد طوال العام هو الشتاء.
في ظل هذا السياق الجمالي والمعرفي والتاريخي توافدت نسوة أجنبيات إلى مصر منذ مطلع القرن التاسع عشر، وحتى منتصف القرن العشرين. خلال عقد ونصف العقد زارت مصر ولأسباب مختلفة، روائيات وطبيبات وسائحات وصحافيات ومعلمات وباحثات في الأركيولوجيا والأنثروبولوجيا والسوسيولوجيا والعلوم الجمالية والفنية والتاريخية، وهناك ممثلات وشاعرات ورسامات قصدن مصر وكذلك حاجَّات، كنَّ يمكثن فيها قليلاً، من أجل الذهاب بعد ذلك لزيارة القدس الشريف والحج إليها .
يُقدِّم الكتاب الذي أعدّه الكاتب عرفة عبده علي، وهو استاذ متخصص في تاريخ اليهود في مصر، وتاريخ القاهرة ومعالمها، وله خبرة في أدب الرحلات، قراءة لرؤية ست عشرة كاتبة وأديبة وباحثة اجنبية لمصر وتاريخها القديم والحديث .
معظم الذين كتبوا عن مصر كتبوا عنها بحب كبير، وصدق جلي وتفان واضح، كتبوا عن العادات والتقاليد المجتمعية والطقوس المصرية التي لم تزل ماثلة منذ الفراعنة وحتى يومنا هذا، طقوس العبادة وتقديم الأضاحي، المناسك اليومية لشعب حيوي، متحرك وناشط في حقول عدة مثل الفكر والأدب والمعرفة عامة، فضلا عن شؤون الزراعة في أرض واسعة وخصبة تمتد فيها الغيطان والحقول، دلتا النيل والنماء المتحول في الأراضي الزراعية، وكتبوا عن الصناعة في بدء مشوارها، الصناعة اليدوية والميكانيكية، وكتبوا عن المهن والحرف الشعبية، وكذلك أرّخوا للموسيقى والغناء والشعر، وللتقاليد الفرعونية التي تسود سواد مصر، ونجوعها والتخوم، فالفراعنة وكنوزهم وآثارهم منتشرة على كامل الأرض المصرية.
ومن هنا رأينا المستشرقين يغزون أرض مصر، مستكشفين، باحثين ومتسائلين عن المستور والخفي من الكنوز العظيمة التي تحبل بها أرضها، وكذلك تدفق حتى الضباط والمهندسين البريطانيين ورجال بحرية متقاعدين وشبان أثرياء ومغامرين ودبلوماسيين أوروبيين ورجال دين ودولة، دفع بهم حب الكشف والمغامرة والاستطلاع والسمعة المميزة لمصر، والمتجسدة في طيبة أهلها ومناخها وسحر تراثها، إلى زيارتها مرات ومرات، مما أكسب تلك الزيارات نوعاً من البهجة والحب والاستزادة من الأسرار المتداخلة مع الحضارة الفرعونية .
لذا وجدنا بعض الرحالة ينزلون الإسكندرية، فهي ميناء الوصول الرئيسي، ومن هناك ومن ترعة المحمودية، يستقلون المراكب والدهبيات والمعديَّات الذاهبة إلى القاهرة. في القاهرة يتجولون في الشوارع والعطفات والأسواق الشرقية، مستكشفين كل زاوية فيها، ثم من هناك يتم الرحيل الى أسوان والأقصر وتل العمارنة وابيدوس وبني حسن، كما حصل للكاتبة البريطانية مسز كاري التي سجلت انطباعاتها ومشاهداتها وجولاتها في كتاب «رحلة إلى مصر»، ناقلة بعين مستبصرة ورائية، كل ما صادفته هناك خلال شتاء عام 1863 مبهورة بما رأتْ وأحسَّت وشعرتْ به من تراث متراكم، فرعوني، روماني، إسلامي، فسجلت تأملاتها حول قلعة قتيباي، وسحرها المتجلي في أسلوب البناء، وصوَّبتْ صوب تنوُّع الجنسيات والأديان، وتعدد الملامح والأزياء واللغات في مصر، وأبدتْ أعجابها وهي في الحي الغربي، بجمال المشربيات والطرز الشرقية، ولمَّحتْ إلى وجود يونانيين وأتراك وإيطاليين وأتراك وأرمن، وأغلبهم يرتدي الطرابيش، وتجولتْ في ميدان محمد علي باشا،
وزارت حدائق «النزهة» مصوِّبة بصرها على الأماكن الظليلة والمشجَّرة والوردية، ومنها عرَّجتْ إلى عمود بومبي لرؤيته تحت سماء بدتْ لها ذهبية وقت الغروب، ومن هناك انعطفتْ للتجول في «شارع فرنسا» الموجود في «الحي التركي» ذي البيوت الحجرية المتكونة من طابقين، وهي مزدانة بالنوافذ الشرقية، حيث تكثر إلى جانبها الحوانيت والمقاهي الشعبية وورش للصناعات المحلية، كالأرابيسك، وكذلك صناعة المشغولات الذهبية والفضية، ومن هناك نهدتْ إلى سوق السمك، متمتعة بشاطئ الأنفوشي الذي يعد لوحة مليئة بالصيادين والأشرعة والمراكب المسافرة وسط سماء دلتاوية .
أما الكونتيس دي روبرسا، فقد كتبتْ بأسلوب أدبي رفيع، عن أشياء كثيرة في كتابها المعنون «مصر الشرق ـ يوميات رحلة»، وقد لفت انتباهها على نحو كبير أثناء زيارتها في عهد الخديوي اسماعيل، فندق «شبرد»، فقد تفننت في وصفه، كمكان راق ونزْل بهيج، وارستقراطي من الطراز النبيل، فدوَّنتْ مثل كاتب بارع، لا تفوته واردة وشاردة إلا وسجّلها، وسلط عليها أنوار يراعه، فيه تصف بدقة متناهية وباهرة ومشوِّقة، تفاصيل حياة فندق شبرد، ولكأننا حقاً نعيش داخل رواية من الطراز الباروكي التي تحسن سرد الدقائق والأشياء الصغيرة، لزمن ملكي ساحر ومنير، فيه تسجِّل ما رأتْ من زهو ارستقراطي وامبراطوري وملكي يرفل بالمجد والجمال. كان «شبرد هوتيل محور الحياة في القاهرة، وزواره عندما يجتازون مدخله الرئيسي، يُنحُّون جانباً كتب الدليل السياحي، فهنا كل تفاعلات الحياة القاهرية، حيث تتألق في ممراته رؤى الحياة الباريسية، نبلاء، تجار مرسيليا، أثرياء لندن …. وترى النزلاء يتحلقون حول الموائد، فهذا ركن الخبراء بشؤون السياسة الدولية، وركن للمصورين، وآخر للعلماء، وذاك ركن الكتَّاب والمراسلين الصحافيين».
بينما الليدي لوسي جوردون، جاءت إلى مصر في عام 1862 باحثة عن الدفء والشمس والمناخ المذهل الذي تتمتع به، فهي جاءت مصابة بداء السل، والأرض المصرية المليئة بالحنان الرباني، ستحتضنها لتعيش فترة أطول من المقرر من مدة مرضها الذي يؤدي إلى النهاية والهلاك، ولكن أهل مصر كما تصفهم بأنهم أناس في منتهى الطيبة والمثالية والانفتاح على الآخر، وستُسعد وهي ترى إلى الفنون الإسلامية ومعالمها التي تجسَّدتْ لها، وهي في وهلتها الأولى لزيارة مصر، فاندهشتْ لوسي بفنون العمارة الإسلامية كجامع الأزهر وجامع ابن طولون، وجامع عمرو بن العاص، ومدرسة السلطان حسن جوهرة العمارة الإسلامية، مما أثر ذلك فيها، وجعلها ولكأنها تعيش في أجواء ساحرة من عوالم غابرة قد اطلعت عليها في كتاب «ألف ليلة وليلة» .
بُعيدَ ذلك رحلت إلى الأقصر، لتقيم في «بيت فرنسا» المبني على ربوة تُطل على النيل، وتواجه «مسجد أبي الحجاج» .
داخل هذا البيت الكبير عاشت لوسي، واجترحت العيش المشترك مع الناس والاختلاط بهم، فاندمجت مع البسطاء من الفلاحين والمزارعين، ولكونها طبيبة أيضاً، فكانت تعالج المرضى من دون مقابل، فأحس أهل القرى من الفقراء والمعدمين بجمال قلبها المثالي الذي تحمله، حتى حازت على مكانة مرموقة بينهم، فسمُّوها أو لقَّبوها بـ»نور على نور».
وحين نخرج من حياة لوسي جوردون في مصر، سنلتقي ببريطانية أخرى، هي الليدي آن بلنت، وهي كاتبة أدب رحلات وأديبة، مجتمعها البريطاني مجتمع مخملي، ارستقراطي، فيكتوري. هذه السيدة تصل عام 1880 إلى القاهرة، لتنزل في «فندق النيل» وهو مكان باذخ ومستنير لكتَّاب أدب الرحلة العالميين، أن لم يكن مقراً لهم. والليدي آل بلنت هي أول امرأة تقتحم مسار صحراء النفود الرهيبة، فتقطعها لتصل إلى نجد، مارة بدمشق. وقد شهدتْ رحلتها أهوالاً وعجائب، إذ في دمشق ستلتقي بصديقتها البريطانية التي تجيد تسع لغات من ضمنها العربية، وهناك ستلتقي بالشيخ عبد القادر الجزائري، وبشيوخ قبائل سوريا، وسترى أيضاً مراعي الجياد السورية التي ستؤلف فيما بعد كتاباً عنها.
إن كتاب الكاتب المصري عرفة عبده علي يُعد مرجعاً للأزمنة الذهبية القديمة، ودليلاً ليس سياحياً، بل جمالياً وفكرياً، يُدل ويُشير ويُضيءُ بجاذبية جلية، طبيعة تلك العقود العربية المنصرمة .
عرفة عبده علي:
«مصر بعيون نسائية أوروبية»
الهيئة العامة لقصور الثقافة، مصر،2017
183 صفحة.

الأزمنة الذهبية القديمة حيث حبّ المغامرة وأسرار الفراعنة
عرفة عبده علي يبحث عن «مصر بعيون نسائية أوروبية»:
هاشم شفيق

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية