من الصعب جدا ان تملأ هذا العامود المخصص للأحداث الرياضية، حروف وكلمات عما يدور في عالمنا الترفيهي الرياضي، في حين ان هناك حلما يتكسر أمام أعيننا، وسرقة تتم بالعنوة والقوة والخذلان.
لن يكون اعلان فوز كريستيانو رونالدو بالكرة الذهبية الخامسة او تأهل مانشستر يونايتد والريال والسيتي والبارسا في دوري الأبطال أهم من القدس… بل ليس هناك ما يشغل البال سوى اعادة الساعة الى الوراء للبحث عن خبر مفرح ليس فقط عن القدس بل عن كل فلسطين، ويا ليت العقارب تستجيب.
في السنوات الاخيرة عكفت على دراسة تاريخ أرضي، تاريخ الفلسطينيين، الذين هم في وجودهم وذكرهم في التاريخ أقدم من سيدنا ابراهيم، الذي خرجوا من نسله اليهود، وكانوا الفلسطينيون موجودين الى جانب شعوب أخرى، بينها اليبوسيون الذين يعود اليهم بناء مدينة القدس او جوروزاليم او أورشاليم، وطبعا هذه الشعوب انخرطوا معا على مر السنوات ليشكلوا الشعب الفلسطيني، حتى كان بينهم يهود ومسيحيون وطبعا مسلمون. وعندما أدرس تاريخ نهائيات كأس العالم لكرة القدم، فانني افتخر بوجود اسم فلسطين بين الدول التي خاضت تصفيات كأس العالم في 1934 و1938، وهي سبقت في ذلك دول عريقة وكبيرة اليوم، ليتشبع يقيني بأن جذور هذا الشعب عميق الى أقصى حدود.
كان مؤلما ان أسمع تهميش فلسطين شعبا وأرضا في سنوات غربتي الأولى في لندن في 1987، حيث كانت الفكرة السائدة ترسيخ احقية شعب اليهود في دولة اسمها اسرائيل، علما ان كثيريين من الشعوب الأوروبية، ولن أقول الساسة والمسؤولين، ينفرون من اليهود في معاملاتهم اليومية، بل تطلق عليهم النكات المرتبطة بالبخل والاستعباد، لكن سرعان ما تيقنت ان ما يشكل الرأي العام في الغرب هو الاعلام المملوك لهؤلاء اليهود، وأن أي فكرة أو رأي أو خبر يدينهم بشيء يمحى ويشطب فوراً، بل لم يتوقف الأمر عند ذلك، بل استحدث قانون «معاداة السامية» رغم انه قانون صرف يجرم من يهين او ينتقد اليهود، لكت بدهاء معتاد، لم يستحدث قانون «معاداة اليهود» بل «السامية» كي لا ينالهم المزيد من النقد على استثنائهم من الانتقاد من دون خلق البشر. طبعا هذا كان كله مؤلم، لكن في الاسابيع الاخيرة بدأت أسمع نغمة جديدة من الاشقاء والاقرباء، بل من نخبهم ومثقفيهم، لا تقل تجريحا من نغمة اليهود أنفسهم. طبعا لهم كل الحق بأخذ قراراتهم وابداء أرائهم، لكن أتمنى ان يصبوا كل تصريحاتهم وأرائهم على تجميل صورة حليفهم وجارهم الاقتصادي الجديد الذي ستزدهر معهم بلادهم، وكأنهم لم يتعلموا بعد مما حدث. فقط اذكروا محاسن أصدقائكم الجدد ولا تتبلوا علينا بشيء كي تقنعوا شعوبكم بأوهامكم. نعم القدس ليست لنا وحدنا، كمسلمين ومسيحين، ولكنها ليست لهم وحدهم أيضاً، ومثلما حكم ملوكهم منها، حكم سلاطيننا وقائدونا أيضا منها. ومعلومة مهمة للذين يدعون خلو هذه المنطقة من الفلسطينيين، فان ملكهم الأشهر داود (ديفيد) عندما كان يسعى الى الاستيلاء على الحكم، لجأ الى الفلسطينيين هربا من بطش ملكهم حينها شاؤول، لمدة تزيد على سبعة شهور، مثلما لجأ مئات الآلاف هربا من بطش الاوروبيين في الثلاثينات والاربعينات.
قد نرى شرقا أوسط جديدا في المستقبل القريب، وقد نرى علاقات علنية لم نتخيلها بين بعض الدول، لكن الفلسطينيين سيبقون فلسطينيين، لان ليس هناك ما يخسرونه. في الواقع كنت مرتابا في السنوات الماضية كلما تخيلت فكرة اقامة حل الدولتين، لان هذا قد يعني نسيان الكثيرين لكامل فلسطين، وأنا رجل من قرية صفورية من قضاء الناصرة، ولا أرى سوى كامل فلسطين مثلما بات يراها اليوم بعد اعلان ترامب جموع أكثر من اي وقت مضى.
twitter: @khaldounElcheik
خلدون الشيخ