لم تعد الرياضة مجرد هواية في عالمنا الحديث، بل لم تعد مهمشة ولا متابعتها مضيعة للوقت ولا العمل على تغطيتها مهنة من لا مهنة له، بل على مدى العقدين الماضيين تعاظمت أهميتها وسرقت البساط من تحت حقول السياسة والاقتصاد والفن، وبات نجومها الاكثر تداولا على مواقع تواصل الاجتماعي، لتلهب عقول وأحاسيس الشباب والفتيات بل والكبار أيضاً.
لكن خلال العام 2017، تنحى رونالدو وميسي ورفاقهما جانبا للأحداث السياسية الملتهبة، غير المسبوقة، في عالمنا العربي، ففي حين كان المقاتلون والمتناحرون في سوريا يوقفون صراعاتهم وهجماتهم وشراستهم لمتابعة أحداث الكلاسيكو الاسباني بين برشلونة وريال مدريد في السنوات الاخيرة، على صوت البندقية وغارات الطيران على صوت الجماهير داخل الملاعب خلال الشهور الـ12 الماضية. فلم تعد مشاكلنا في سوريا وليبيا واليمن والعراق تكفي لكي أجسادنا بنار الحرقة خلال السنوات الست الماضية، ورغم محاولة التداوي بغض الطرف والهروب الى ساحات المعارك الاوروبية، التي تختلف فيها انواع الأسلحة ولا يوجد فيها ضحايا بلون أحمر، بل أقصاها دموع حسرة على خسارة مباراة او ضياع هدف، فان 2017 جاءت بخيبات وأزمات وصراعات زادت علينا بلة على طيننا، فاختلف الاخوة الخليجيون وتخاصموا، وجاء ترامب رئيسا لأكبر شركة اقتصادية وتجارية في العالم، اسمها الولايات المتحدة، ولا يفهم الا لغة المقايضة وعقد الصفقات، فاشترى منه الكيان الصهيوني عاصمة فلسطين الأبدية، القدس، رغم رفض عالمي لخطوة نقل سفارة ترامب الى قدس يهودية. لكن هذين الحديثين في النصف الثاني من 2017، كانا كفيلين لنقل أمزجة الشبان الالكترونيين على «تويتر» و»فيسبوك» وغيرهما من مواقع التواصل، من صراعات «الليغا» و»البريميرليغ» و»البوندسليغا» و»السيريا آه»، الى صراعات «المقاطعة» و»الحصار»، ومن قدس فلسطينية عربية اسلامية، الى هواجس ذباب الكتروني بأنها يهودية، في أوصاف وهمية لا تمت الا الى مخطط مبرمج يسير الى هدف معين مرسوم له مسبقا، بعقول مطبعين سريين يريدون ان يصبحوا علنيين.
لكن كانت أيضاً هناك فرحة رياضية اجتاحت عالمنا العربي، بتأهل 4 منتخبات للمرة الاولى الى نهائيات كأس عالم، ولا يهم من هي، ولا دور بلدانها في صراعاتنا، ومدى مساهمتها في تفكك أمة، أعشق أن أحلم بتوحدها وتجمعها في يوم من الأيام، فأنا سأشجع صلاح وزياش والمولد والعكايشي في كأس العالم في روسيا الصيف المقبل، ولا يهمني من يرأس مصر والمغرب والسعودية وتونس.
ورغم الاحداث السياسية الملتهبة في 2017، الا ان صيف هذا العام كان الاكثر حرارة في سوق انتقالات اللاعبين، بعدما حطم باريس سان جيرمان الرقم القياسي العالمي في قيمة بدل الانتقال، عندما ضم البرازيلي نيمار من برشلونة في مقابل 222 مليون يورو، ليكون حدثا ناقشه السياسيون والاقتصاديون، في محاولة منهم لفهم كيف يمكن ان تكون صفقة ضم لاعب واحد بهذه القيمة الخرافية، ناجعة للنادي الباريسي.
وتدخل الساسة أيضاً في العالم الرياضي، عندما برز وجه العنصرية القبيح مجددا في ايطاليا واسبانيا، ونال اللاعبون سمر البشرة الكثير من الهتافات البذيئة والعبارات الكريهة من قلة عنصرية، مثلما وقف العالم مشدوها يضرب أخماسا بأسداس، عندما قرر اقليم كتالونيا ممارسة حقه بالانفصال عن اسبانيا، عبر استفتاء شعبي، لكنه لم يرق للحكومة المركزية في مدريد، لكن الخشية كانت على مصير نادي برشلونة… أين سيلعب؟ هل يبقى ميسي معه؟ هل يختفى من ساحة البطولات الاوروبيىة؟
لكن في النهاية سنجد أن الاقتصاد هو الجامع الأول لكل الاحداث السياسية والرياضية، وفقط الخبير الاقتصادي هو الذي سيعطينا اجابات وافية عن سبب عدم ولاء نيمار لبرشلونة، وأيضاً سبب اعلان ترامب المشؤوم.
كل عام وأنتم بخير وبحال أفضل من 2017
twitter: @khaldounElcheik
خلدون الشيخ