حسناً… ماذا تبقت من الكلمات كي نصف ما يحدث مع النجم المصري محمد صلاح في الاسابيع والشهور الاخيرة، فهو لم يعد فاكهة العالم العربي فحسب، بل حديث كل العالم الرياضي، فبعدما كانت شهادتي به تأخذني الى منحى التعظيم والتبجيل، كنت أستوقف نفسي كي أراعي مهنيتي، لاستدرك انني أجامله وأحابيه في كتاباتي وتصريحاتي وتغريداتي، فأسعى الى ان أكون منصفا حتى لو كان نجما عربيا، لكن وجدت نفسي محقا بكل كلمات الاشادة، بل شعرت بانني مقصر عندما أقرأ الصحف والمواقع البريطانية على لسان محللين وناقدين ونجوم سابقين وحاليين وعشاق لكرة القدم، تصفه بـ»القيصر» و»ملك مصر» بل «ملك ليفربول».
أجمل ما قرأت بعد انتصار ليفربول الرهيب على روما يوم الثلاثاء الماضي، كان تعليقا لمعلق المباريات آلان غرين الذي يعمل لـ»راديو 5 ـ مباشر»، بعد تعليقه على المباراة قائلا: «أشعر بالعار لأنني سأتقاضى مالا على عملي في التعليق على هذه المبارة لان بعد رؤية صلاح الليلة يتعين علي أن ادفع مالا لمشاهدته… شكرا لك».
هذه الاشادات قادتني الى التفكير عميقا، بأن صلاح لم ينجح حتى الآن في الفوز بأي لقب مع ليفربول، بل كل انجازاته وأرقامه القياسية هي شخصية، في حين أن النجم الجزائري رياض محرز أحرز لقب بطولة الدوري، بل حققه في احدى أكبر مفاجآت الكرة الانكليزية في تاريخها باحراز اللقب مع المغمور ليستر، وبعدها أحرز جائزة افضل لاعب في الدوري الانكليزي، كأول لاعب عربي يفعلها، ومع ذلك، لم تتغن الجماهير باسمه، ولم تنشد الشعر، ولم تقلده الفتية في المدارس ولم يشبهه المعلقون بميسي او رونالدو، ولم تطرح حتى احتمالية فوزه بالكرة الذهبية، على عكس صلاح الذي اعتبره اسطورة ليفربول ستيفن جيرارد بانه «أفضل لاعب على كوكب الأرض في الوقت الحالي».
أتفهم تاثير صلاح على الشعب المصري، حيث بات مثل اليد الحنونة التي طبطبت عليهم، في ظل قسوة المعيشة، فأنساهم معاناتهم وأعطاهم أملاً في المستقبل. وأتفهم تأثيره على الشباب العربي، الذي مثل لهم قدوة ونموذجا يحتذون بها، خصوصا انه بدأ مسيرته الكروية في حارات وأزقة بلداننا، على عكس نجوم برزوا مثل محرز الذي نشأ وترعرع في فرنسا، فصار أملهم كبيراً بأن الموهبة والانضباط والسلوك الاحترافي، والاهم العزيمة والاصرار، يقود الى قمة الهرم الكروي. وأتفهم تأثيره على المسلمين، خصوصا الجالية التي تعيش في الغرب، التي عانت في السنوات الاخيرة من حماقات الكثيرين من المتعصبين، ليلطخوا صورة المسلمين ويضعوا السيدة الام والاخت والابنة المحجبة تحت رحمة المتعصبين من الغربيين، فجاء صلاح ليقول بسجداته بعد تسجيله كل هدف: «أنا مسلم أيضاً»، لكن الامر المدهش حقيقة هو سرعة وصوله الى قلوب الانكليز، وتأثيره عليهم بغرابة، الى درجة كتابة أهازيج واغان تتودد منه، بل تقول انهم على استعداد للذهاب الى المساجد والصلاة مثله، حتى ولو مجازيا.
ربما سنعرف الفارق بين صلاح ومحرز، اذا ذهبنا الى الملعب وشاهدناهما يلعبان، فمع كل لمسة لصلاح نسمع صيحات و»آهات» وحبس أنفاس وكأن شيئا سحريا سيحصل… يجب أن يحصل، لكن محرز وكون ناديه ليستر لا يحظى بشعبية ليفربول، وغيابه عن المنافسة، واخفاق محرز في البروز في الموسم التالي لانجازه الخرافي، لم يساهم في صعود أسهمه، ولهذا غضب بعد رفض انتقاله الى مانشستر سيتي في الشتاء الماضي.
ورغم ان صلاح ومحرز، يتمتعان بشخصيتين متشابهتين، فهما خجولان ولا يحبان الأضواء ويتفاديان وسائل الاعلام ان أمكن، الا ان صلاح نجح أيضاً في نأي نفسه عن كل من يحاول استغلال صورته من رجال السياسة والدين والفن والترفيه، بل أنه لم يمانع عندما قرر ناديه ليفربول الاحتفاظ بحقوق صورته ومنعه من الظهور على هواه في أي برامج او قنوات تلفزيونية بدون اذن مسبق، لكن الفارق الاكبر بين النجمين العربيين، ان صلاح كلما كبرت التوقعات فانه يرفع السقف أعلى ولا ينظر خلفه، فيما اكتفى محرز بالاحتفال بروعة انجازه في عام المفاجآت في 2016، وعانى كي يستعيد سحره. وفي حين كانت «دايلي ميل» تنشر موضوعا كبيرا عن طبق «الكوشري» المفضل لصلاح، مستعينة بخبير طهي لذكر فوائده، كان محرز يدرس ويفكر في كيفية الخروج من سجن ليستر.
twitter: @khaldounElcheik
خلدون الشيخ