«العائش في السرد» للناقد المصري رضا عطية: نجيب محفوظ الساكن في الدراما

حجم الخط
0

 

لم ينل روائي عربي مكانة رائدة وموقعاً بارزاً وحفاوة نقدية مثلى، كالتي نالها الروائي والأديب العربي نجيب محفوظ، مؤرخ الحارة المصرية، وسارد حكاياتها، ومبتكر شخصيات نادرة وواقعية ورمزية وسحرية من واقع الأرض المصرية، سابراً عبر ذلك فلسفات المكان والزمان في التاريخ المصري، منذ بداياته الأولى التي سجلها في روايات البدايات، مسترفداً الميثولوجيا المصرية في مسارد شخصية، حوَّلها وحرَّرها من أسطرتها ومثالها الأسطوريين إلى واقع موضوعي وحسي ويومي، صانعاً بذلك معادله الشخصي، مُحرِّراً الأسطورة من مثاليتها إلى واقع عياني تجسَّد في روايته الأولى، مثل «كفاح طيبة» و «ورادوبيس»، أو الناحي منحى وجودياً في تساؤلاته الفكرية والفلسفية والوجودية، تلك التي سجلها في أول رواية له «عبث الأقدار». ولعل دراسة نجيب محفوظ للفلسفة، قد عزَّزت لديه جانب الاستغوار الباطني للكائن البشري، مما دفع بشخصياته لأن تكون متمتعة بدفق درامي، ذي صبغة فلسفية، مُمرَّغة على الدوام بلمحات ذات رؤى وجودية، تبحث في الغالب عن مصائرها في مسار حياتي متقلب، غير مستقر، قلقة ونزقة، كبطل « اللص والكلاب « على سبيل المثال، أو شخصية منقسمة على ذاتها، تعيش حياتين مختلفتين، كشخصية عبد الجواد في الثلاثية، أو شخصيات هائمة وحائرة ومتحوِّلة، مدفوعة بهاجس صوفي ومثالي ورغبوي، كما تجسَّد في «أولاد حارتنا» وغيرها من الروايات التأسيسية، روايات أسَّست لأفق عربي روائي، سينهض لاحقاً، ليغدو مصدر الهام لكتاب ظهروا ضمن أجيال أدبية عربية، متنوعة المنازع والدوافع والأشكال، والأساليب الفنية السردية الروائية.
من هنا شهرة نجيب محفوظ، هذا عوضاً عن جائزة نوبل التي أضافت لشهرته الأدبية العربية، شهرة عالمية، كونه الأديب العربي الوحيد الذي نال هذه الجائزة التي تُعدُّ الأرفع والأشهر والأميز على الصعيد العالمي .
كتب نجيب روايات لافتة ولامعة، تُعدُّ الآن علامات في مسار الرواية العربية وتاريخها القريب، وهو الروائي الأوفر حظاً، والذي لاقت رواياته رواجاً قرائياً، ومن ثم حُوِّلتْ الى أفلام سينمائية عديدة، كـ «الثلاثية» و»اللص والكلاب» و «الطريق» و»ميرامار» و «الكرنك» و «القاهرة الجديدة» وغيرها، هذا فضلا على أن نجيب محفوظ كاتب سيناريو أيضاً وكاتب قصص غزير، ناهيك عن كتابته للعمود الصحافي اليومي، ونشره لرواياته وقصصه في جريدة «الأهرام»، أيام كان القراء ينتظرون صدور الجريدة، ليقرأوا روايات محفوظ وهي تنشر على شكل سلسلة في الصحيفة القاهرية الأشهر حتى يومنا هذا، يوم لم يكن ثمة إنترنت ووسائل للتواصل الاجتماعي، وأخرى للميديا المنتشرة الآن بأشكال متعددة، هذي التي هيمنتْ على منابر القراءة، كبديل للصحف وللتقليد القرائي وإجراءاته الرومانسية، عبر طريقة اللمس والتحسُّس المادي للصحيفة.
كتب كثيرة ظهرت عن التجربة الروائية لنجيب محفوظ، صاحبتها دراسات وأبحاث وكتابات وبحوث لا تحصى، متناولة مساره الروائي ومحطاته الأدبية والفنية والحياتية، كان آخرها كتاب «العائش في السرد» للناقد الشاب رضا عطية، القدير والمتمكن، أدبياً وثقافياً ونقدياً ومهنياً من استشراف واستجلاء التجارب الكتابية المحفوظية، في أبرز وأهم أطوارها الفنية والإبداعية، مُقسِّماً كتابه إلى فصول في غاية الإمتاع، حيث التحرِّي الدقيق لمنجزه الجمالي، ومن ثم التتبع النقدي العميق والمستقصي لعموم تجربة نجيب محفوظ الروائية، النادرة والمثالية والعملية في آنٍ، والتي ما زالت تشغل القلم العربي، في تقصِّي نثرياته وسردياته وأصداء سيرته التعبيرية والحياتية والذاتية، بغية تسليط الضوء على المخبوء والمنسي والمختفي من خيوط أعماله الكثيرة، أعمال اتسمت بالغزارة على صعيد القصة والرواية والسيرة، المتمازجة والمتشابكة في أمشاج عدة، ومختلفة في سياق كتاباته الصحافية والأدبية وأدب السيناريو والعمود اليومي، أو الأسبوعي الذي يسرد فيه رؤيته الفنية من خلال ملاحظاته اليومية عن الحياة المصرية .
هنا في اعتقادنا «تكمن فرادة أدب محفوظ وعبقريته، في أنه يقدم أدباً متعدِّداً في طبقاته الدلالية، لا يقف عند مستوىً سطحي، للحكي الدرامي، فما يلبث أن يحلق في آفاق رمزية، فهو أدب يحلق في آفاق الزمان والمكان، ليقوم بتخليق النماذج الكونية الكبرى وحكايات الوجود فيستعصر جوهرها» .
في مبحثه الأول من الكتاب والموسوم بـ «سرديات الأصوات المتعددة» يتناول الناقد الدكتور رضا عطية روايَتي «ميرامار» و «يوم قُتل الزعيم» ليَسِمَهُما بأنهما روايتان تمتلكان تعدُّد الأصوات، كونهما لا تحتكران الرواية لراوٍ واحد، بل تتداخل في ثناياهما ونسيجهما الشبكي، عدة اصوات من أجل إشراك القارئ أيضاً في عملية السرد والحكي الدرامي المتواتر، فرواية «ميرامار» حسب الناقد» تعتمد رواة أربعة للسرد، يمثل كل منهم جيلاً خاصاً، ويحملون اتجاهات مختلفة، لكل منها رؤيته الخاصة في الحياة، ولكل منها معتقده الأيديولوجي .
غب ذلك يتقصى الكاتب عمليتي الزمان والمكان في كلتا الروايتين، فرواية «ميرامار» تدور أحداثها ووقائعها في مدينة الإسكندرية، وهي مكان مهجوس بالعالمية، أي أنه مكان كوزموبوليتي، تعج فيه أقوام من شتى المشارب والجنسيات، استوطنته، واتخذتْ لها في نواحي المدينة موطناً، ولكنه غير دائم، فمعظم من سكنه من أقوام يونانيين وإيطاليين وغيرهم سيهجرونه ويرحلون عقب ثورة يوليو في مطلع الخمسينيات. والحكاية في «ميرامار» تنطلق من بنسيون ميرامار، فهو مكان لملتقى بعض الشخصيات المصرية والأوروبية التي حطتْ رحالها في الإسكندرية، أو تلك التي وفدت للإقامة أو السكن المؤقت في هذا النُّزُل.
في الفصل الثالث يتناول المؤلف كتاب «أصداء السيرة الذاتية»، وهو كتاب متنوع في نسقه التعبيري، إذ ينطوي على أساليب كتابية متغايرة، فتتداخل في سطوره متعة السرد الشعري، والتلوُّن في طعم الحكاية بإلباسها تقنيات أجواء قصيدة النثر، عبر دائرية في المسار اللغوي. ثمة قص متشذر ونثير، ينحو نحو التكثيف الشعري، حين يتجاذبه المجاز والرؤى الشعرية الوافدة من الأجواء الحلمية، حين يمتزج الموحي باليومي، والمتخيَّل بالواقعي، عبر يوميات غير عادية، وسرد لسيرة ذاتية، مفاجئة كانت للجميع يوم ظهورها في كتاب، أو يوم نشرها في ملحق خاص بها، عبر إحدى المؤسسات العربية حينها. وهي لم تكن سيرة بالمفهوم التقليدي، بل بوح شاعري، مأنوس وراقص، تموج بأصداء حاضرة وماضية، وتشي كتابتها بوقع مستقبلي لكتابة مختلفة حيث « تتوالى أصداء السيرة المحفوظية على هيئة مقطوعات متموجة من مقطوعات قصية وشذرات سردية يغلب عليها القِصَر بالنسبة لرقعتها القصصية، إذ ان أكبر مساحة لا تتعدى أكثر من صفحة واحدة، ويبلغ بعض مقطوعاتها من القصر، مدى لا يجعله يتجاوز بضعة أسطر…. فتأتي الأصداء المحفوظية بالغة الاكتناز ومتناهية الدقة، بما يخلع عليها فرادة من حيث قالبها الكتابي»، إذ التفكيك هو منهجها المتواري في متون الكتابة، لا تسلسل كرونولوجي يجمعها، ولا رابط منطقي يأخذ في ترتيب نسقها، ذلك النسق المتعارف عليه عموماً خلال كتابة السيرة الذاتية .فهي، وحسب الناقد صلاح فضل، ليست إلا «شذرات بارقة من ذكريات عَلقت بجدار النفس، وتقطرت في لفتات مركزة، تحمل بالفعل أصداء واضحة لطرف من سيرته الذاتية الغائرة في أعماق وعيه، لكنها لا تنتظم في سردية متوالية، ولا ترتبط بفترة زمنية واحدة، كما أنها لا تخضع لأي نسق، بل تمضي عفوية ومنتثرة».
ويلحق المؤلف رضا عطية مجموعته القصصية «صدى النسيان» بهذا النوع من الكتابة، ويدرجها كأنموذج عملي وتطبيقي للكتابات التي يتجلى فيها الإيجاز والاختصار الفني، واللغوي والنسقي، كما توافرت عليه سيرته الذاتية ذات البناء الدائري المحمول على نفحات شعرية وترديدات إيقاعية، قابلة للحفظ والتمثل بالأمثولات التي تكون كمادة حِكمية، مأثورة تعبر الأزمنة، لما تحتويه من كثافة للمعنى، وللصورة الواضحة في مبناها، علاوة على حيزها التعبيري، شديد الاختصار والكثافة، وشديد التقطير كعمل نثري ينحو لتسجيل ذكرى ما عبرت أفق حياته وتجربته ومسيرته الجمالية الطويلة في مسار الكتابة الروائية .
أما الباب الثالث في الكتاب فنراه يختص بعوالمه الحالمة وكتاباته حول الأجواء الحلمية، فنجيب محفوظ كما عهدناه كاتب وناثر وروائي حالم، لديه عالم سحري يطفو على سطح الواقع، عالم المتخيَّل الساحر والحالم، ويقابله كمذهب جدلي عالم الواقع، عالم اليوميات والتفاصيل الحياتية البسيطة، فهو كما رأيناه في كتاباته مزيج من هذين النسقين الباهرين، نسق الحلم والواقع، لكن الطاقة الحلمية في داخله تتغلب أحياناً على واقعه المرير، أو تدحر الديستوبيا التي يعيشها فيفر إلى البراري والأصقاع الحالمة مواصلا حلمه ومستأنفاً رحلته الخيالية .
المؤلف رضا عطية يسميها هنا «سرديات الحلم» وهي تدور حول كتابيه «رأيت فيما يرى النائم» و»أحلام فترة النقاهة»، وهي كتابات جديدة حملت أساليبها معها، غير المكرورة في الأعمال السابقة، ذلك أن نجيب محفوظ كان قد توقف عن الكتابة لبضع سنوات بعد منجزه الشهير «الثلاثية»، فود عبر ذلك اجتراح طريقة أخرى للكتابة، لا تحيِّده في مكان معين، وأسلوب واحد، ونسق بعينه. ويرى الناقد عطية أن مشوار نجيب محفوظ كان «تطوافاً، إذ تنقل بين عدة مراحل كتابية، بدءاً من الواقعية التاريخية كما في رواياته الثلاث الأولى، ثم ما لبث أن انتقل إلى مرحلة الواقعية الاجتماعية النقدية، حتى غادرها محلقاً في أجواء الملحمية الرمزية تخليقاً للنماذج الكونية الكبرى في أطر اسطورية، كما في أعماله الكبرى ـ أولاد حارتنا ـ الحرافيش ـ وإلى جوارها كتب الواقعية النقدية السياسية، كما في ـ الكرنك ــ يوم قتل الزعيم. كما كتب الواقعية السحرية المستلهمة من التراث الشفاهي، كما في ـ ليالي ألف ليلة وليلة ـ ويجرب أيضاً في مطلع الثمانينيات تجربة ارتياد مناطق اللا وعي الباطن وتفحص بؤر اللا شعور الإنساني المتمثل في الأحلام وتهويماتها».
صفوة القول إن كتاب الناقد الدكتور رضا عطية، هو من الكتب المميزة في منهجها والدقيقة في بحثها، والواضحة في رؤيتها النقدية، وكذلك المستشرفة لأهم أعمال محفوظ الإبداعية، مستخدمة منهجها الخاص، في سبر عوالم نجيب محفوظ السردية، ذات البعد الجمالي النافذ إلى مخيال القارئ، ومشاعره وأحاسيسه، مفككاً بدراية غير مسبوقة، أمشاج وشبكات وخيوط العملية الإبداعية لدى كاتب كبير ومؤثر في عالم السرديات مثل نجيب محفوظ، ساعياً في الوقت عينه إلى بناء نهج سلس، شفاف، غير معقد، ومستعصٍ وملتبس، كما هو معهود لدى بعض النقاد البنيويين.

رضا عطية:
«العائش في السرد»
الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 2016
271 صفحة.

«العائش في السرد» للناقد المصري رضا عطية: نجيب محفوظ الساكن في الدراما

هاشم شفيق

كلمات مفتاحية

اشترك في قائمتنا البريدية