انطلقت منافسات المونديال، وتجيش المناصرون حول العالم في حملات تأييد لمنتخبات بلادهم، ولمنتخبات يعشقونها، رغم ان البداية كانت مؤسفة لمنتخباتنا العربية الثلاثة، فجاءت الخسارة السعودية كارثية، والمصرية كئيبة، والمغربية قاتلة ومميتة للمعنويات.
خيبة المنتخبات العربية داخل الملعب، سبقتها خيبة أخرى خارجه، عندما أخفق المغرب للمرة الخامسة للحصول على شرف استضافة المونديال بخسارة ملف استضافة مونديال 2026 امام الملف الامريكي المكون من الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، رغم انه، واقعيا، مونديال الولايات المتحدة التي ستسضيف غالبية المباريات، وهي 60 مباراة من اصل 80، بينها المباراتان الافتتاحية والختامية. طبعاً حزن المغاربة امتد الى وصف الاخفاق بانه «خيانة» من «الاخوة» العرب، بتصويت 7 دول عربية للملف الامريكي، رغم انني أضحك ساخراً من الاعتقاد في يومنا هذا من مصطلح «العروبة» و»الاخوة» في عصر شرذمة هذه الامة، على الاقل سياسيا بين حكامها، رغم بقاء غالبية الشعوب ملتصفة بهويتها وعزة انتمائها، ولهذا أقول لأخوتي المغاربة، ان الجميع يبحث عن مصلحته الخاصة، وان من صوت ضدكم من العرب، لم يخسركم فرصة الحظي بالمونديال، بل ان من صوت لكم من العرب، لم يكن بسبب «الاخوة» بقدر ما كان نفوراً من التهديدات الامريكية، ورفضا لها. ومع ذلك أقول ان المغرب خسر شرف الاستضافة هذه المرة، لانه فشل في قراءة المعطيات الجديدة، فعندما حل السويسري جاني انفانتينو رئيسا للفيفا بدل مواطنه جوزيف بلاتر في 2016، كان واضحاً كيف يفكر وما هو محور اهتمامته، وهو زيادة مداخيل الفيفا، وأبرز ما فعله في مطلع قراراته كان رفع عدد الفرق المتأهلة الى مونديال 2026 من 32 الى 48، وهو مؤشر واضح الى بحثه عن زيادة المداخيل وبالتالي بحثه عن اكثر من مستضيف مشترك لهذا المونديال، والهدف أيضاً زيادة المداخيل. وهنا لعبت السياسة دورها، فانفانتينو استدرك الخطأ الذي وقع فيه سلفه بلاتر بتهميش الولايات المتحدة، التي قادت حملة عالمية تكاد تكون احادية لهز أركان الفيفا، وقادت غالبية أعضائه الى السجون بتهم الفساد، واوقفت رموزه عن ممارسة أي نشاط في اللعبة، بحجة نخر الفساد في هذه المؤسسة العالمية. لكن انفانتينو اقترح ايضاً ان يكون الملف مشتركاً، رغم انه بالاسم فقط، لان عملياً الولايات المتحدة هي المستفيدة الاكبر من هذا المونديال.
ولطالما حارب الفيفا تدخل الحكومات السياسية بالاتحادات الكروية الوطنية، وسعى الى استقلالية المنظومة الكروية كي لا ترزح تحت رحمة السياسيين، وعزل الكرة عن السياسة، بل كان قاسياً مع من يقع في هذا الفخ، فدفعت الكويت ومعها السودان ثمناً لهذا في السنوات الماضية، بتجميد نشاطهما الكروي، وحرمان انديتهما ومنتخبيهما من المشاركة في المسابقات القارية والعالمية، لكن ما يثير الدهشة انه عندما يصدر رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب تهديدات صريحة الى كل من سيصوت للمغرب وضد الملف الثلاثي في الاقتراع، فان انفانتينو اختار غض الطرف عن تدخل سياسي بجح في شأن كروي يديره الفيفا، ولو كنت مكان المغرب لطلبت النصيحة القانونية لمقاضاة الفيفا على هذا النفاق والكيل بمكيالين. في الواقع عمل المغربيون بدون كلل او ملل في الترويج لملفهم في الاسابيع والشهور التي سبقت التصويت، وكانوا أنشط كثيراً من نظرائهم في الملف الثلاثي، بل أن بعض الخبراء اعتقدوا قبل أيام من اجتماع «كونغرس» الفيفا، بان فرصة المغرب لا تقل عن الملف الثلاثي في الفوز بشرف الاستضافة.
لا يمكن للفيفا ان يعتبر ان كل ما حصل كان نزيها وبعيدا عن السياسة، فنحن معشر الكرويين، نبغض تدخل السياسيين في اللعبة، فالمنتخب الارجنتيني زادت شعبيته بعدما رفض اللعب في القدس واقحام نفسه في مسألة سياسية، لكن تظل فينا هذه الغريزة التي تربط بين ما تفعله الآلة العسكرية الروسية ومنتخبها الكروي، وبين مخططات ايران ومنتخبها وبين المنتخب الانكليزي وتاريخ بلده الاستعماري، رغم ان احد نواب برلمانه رفض رفضا قاطعا طرح فكرة الانسحاب من المونديال بسبب الخلاف السياسي مع روسيا قائلاً: «كرة القدم لن تكون ساحة لخصوماتكم السياسية… لان الشعب يعشق كرة القدم ويكره السياسة».
twitter: @khaldounElcheik