الروائية التركية إليف شَفاق في «حليب أسود»: ذكريات الأمومة وتحولاتها

حجم الخط
0

 

لم يكن أحد ليعلم أن الكاتبة الشابة إليف شفاق ستحقق تلك الشهرة الفائقة، لتقف في مصاف المبدعين الكبار كعزيز يسين ويشار كمال وأورهان باموك، لتطير شهرتها، وتترجم أعمالها لأكثر من أربعين لغة عالمية، ومن بينها العربية، فلقد تُرجمتْ لها حتى الآن روايات لافتة وذائعة، من أبرزها «قواعد العشق الأربعون» و»لقيطة اسطنبول» وآخرها «حليب أسود»، التي تعتني بكل تفصيل دقيق صاحبها ونشأ معها أثناء فترة نبوغها، حتى مرحلة الزواج ثم فترة الحمل والإنجاب، وما رافق هذه الفترة بالذات، وأعني فترة الحمل من تحولات في شخصيتها، حيث انعكس كل ذلك على الجندر وعلى مناقب الجنوسة، وعلى الترددات السايكولوجية ـ الإكلينيكية، تلك التي قد تنحرف بالمعنى الداخلي للإنسان، صوب الاكتئاب الحاد وتدهور القوى المعنوية للشخص الذي يتعرض لمثل حالة إليف شفاق، تلك الكاتبة والروائية، المفعمة نشاطاً كتابياً والمتخمة بشخصيات حائرة وملتبسة وجذابة أحياناً في رواياتها العديدة. ذلك أنها فتاة عزلة ووحدة وانشغال شخصي منذ صغرها، مذ كانت طفلة وجدت أمامها عالماً كبيراً يحيطها، تتحرك في مدينة حلمية، واسعة ومديدة، ومتمدِّدة سابقاً، بتاريخ امبراطورية ملكت أكثر من نصف العالم. هكذا وجدت نفسها أمام عاصمة ذهبية، تطل على الشرق والغرب، وتُنعم بأجواء حالمة وشبه أسطورية، أيام كانت تخطو خطواتها الأولى، نحو التفتح تجاه حياة مبهمة وغامضة، أيام انفصال أمها عن زوجها، لتعيش هكذا وحيدة في عالم واسع وكبير، منزوية في ركنها الجمالي، باحثة عن معنى لهذه الحياة المفاجئة، بتفاصيلها المحزنة ولما تزل طفلة متأملة لغد سوف يشغلها بالكثير .
تقول إليف شفاق: أنا كاتبة، أنا مترحِّلة، أنا عالمية، أنا مُحبَّة للصوفيَّة، أنا سلمية، أنا نباتية وامرأة في الوقت ذاته، هكذا كنت أعرِّف نفسي، حتى بلغت الخامسة والثلاثين من عمري ذلك ما كنت أحياه، وما نويتُ أنْ أكمل عمري عليه، لو لم يحدث بعدها ما لم أحسب حسابه قط، حدثٌ مُعجزٌ ومذهل ـ الأمومة ـ لقد غيرَّتْ كل شيء، حولتني، رمشت أجفاني أمام دوري الجديد، مرتبكة كخفاش فاجأه ضوء الشمس فأيقظه، فيوم عرفت أنني حامل ارتعبت المرأة الكاتبة بداخلي .
داخل محراب هذا التناقض، بين الأم الحامل بطفل، والكاتبة الحامل بكتاب تتبدى هذه اليوميات، وليس المذكرات أو السيرة، فعمل « حليب أسود» ينتمي إلى عالم السرديات، والمدوَّنات اليومية، أكثر مما ينتمي إلى عالم المذكرات المعروفة بدقة تفاصيلها التي ترسم حياة شخصية ما أو كاتب ما أو شاعر وروائي معروفين ومنتشرين. إننا حقاً نجد أعيننا أمام سيرة ناقصة، ومذكرات مبتورة، وذكريات مجتزأة، لا تخضع إلى طابع كرونولوجي، بل هي مختصر يوميات عن حالة الأمومة وأزمة ما بعد الولادة، وهي كتابة موجزة عن علاقة الكاتبة إليف شفاق بالكاتبات اللائي قرأت لهنَّ، وبذا فالكتاب مجزأ إلى قسمين، عن قضية اكتئاب ما بعد الولادة، وعن الروائيات اللواتي مررن بتجارب حياتية مريرة مشابهة إلى حد ما لشكل أو تفاصيل تجربتها الحياتية والنفسية والتعبيرية، كتجارب سلفيا بلاث، وسيمون دي بوفوار، ودوريس ليسينغ وتوني موريسن، وسالومي، وأليس والكر، وهنا تحاول الكاتبة أن تجد جسراً وصيغاً وهموماً مشتركة، بينها وبين حياة الكاتبات الأخريات. ثمة مقايسة ومقاربة تتبدى للقارئ، وهو يطالع انشغال هؤلاء الكاتبات بالحياة العامة، عمل وأمومة ومشاغل يومية، إلى جانب الشهرة والذيوع والنجومية المصحوبة بالعمل الكتابي الصارم والمنضبط، والتفاني والكدح المتواصل من أجل كتابة صفحة أو ثلاث إلى عشر صفحات من فصل لرواية، تتطلب العمل والتدقيق والضبط والتنقيح الدائم واليومي، بغية الوصول إلى سطور روائية قليلة، تحاول الاقتراب من الكمال والدقة، والنشوة التي تسعى إليها أيّ كاتبة أو روائية بغية إبلاغها وإيصالها إلى قارئ ما.
تقول إليف شفاق: «ازدهار مهنتي كروائية مرهون بالعزلة، فنحن نقضِّي الأسابيع، والأشهر وأحياناً سنوات بأسرها، منكفئين على الرواية التي نكتب، نستلقي داخل هذه الشرنقة البصرية محاطين بأبطالٍ متخيَّلين، نكتب الأقدار ونحسب أننا آلهة، هكذا ننتهي بسهولة، ونحن ننسج خيوط الرواية، مضيفين تحولات صادمة، لهذا نجد أنفسنا عشاقاً بائسين وأسوأ من ذلك، زوجات وأزواجاً تعيسين، الكُتَّاب بالدرجة الأولى، ليسوا اجتماعيين» .
تبتكر إليف شفاق لمسردها أو مدوَّنتها الشخصية هذه، شخصيات خيالية، ناتجة من متخيَّلها عن حياتها وهي حامل بطفل، وعن الهزة العاطفية ونكستها المدوية التي أحدثت لها هذا الشرخ النفسي، لوقوعها في شرك الكآبة، ومن ثم العقم الذي رافقها في توليد الكلمات، لقد توقف قلمها عن إنجاب الكلمات، أو استيلاد الفصول الروائية، لقد توقف قلمها عن الجريان ونشف فيه الحبر، ليتحول إلى حليب أسود، حتى حليبها لم يكن حين ولدت طفلتها كافياً لتغذية رضيع، حينها أُصيبت بالهلع وراجعت طبيبها النفسي، فكان الطبيب يراعي ويدل ويشير إلى مواطن الخلل والنكوص في حالتها النفسية، وكيف عليها تخطيها ومن ثَمَّ مجاوزة ما تمر به من صعاب، في مشوارها اليومي وهي حامل، ثم في حالة النِفاس. كآبة عالية حاصرتها، ولذا وجب عليها وهي الكاتبة الروائية، ابتكار شخصيات نسائية موازية لها، مشتقَّة من المرأة الداعية للسلم والمرأة النباتية، والمرأة الكاتبة، والمرأة المسافرة، والمرأة المحبة للصوفية، وهنَّ نساء جميعهن، ولكنهنَّ صغيرات وحجمهنَّ بحجم الأنامل في الكف، صغيرات يتناقشن مع بعض، ويتجادلن من أجل إكمال مشروع المُدوَّنة والسير بها قُدماً نحو طريق مبتكر وجديد، وغير مسبوق في كتابته من أحد قبلها، والحال خلق شخصيات لهذه اليوميات الذاتية، عن حياتها في الكتابة وحياتها كزوجة وحياتها كأم.
أولاء النسوة الصغيرات، واللواتي هنَّ بحجم الأنملة، والمُشتقَّات من الذات المتعدِّدة لإليف شفاق، يساعدنها في ترتيب موضوعاتها اليومية، وأيضاً يشوِّشن عليها، فكل واحدة تريدها لها، وتريد منها أن تنفذ رغباتها، فواحدة مع حملها، والأخرى ضده، واحدة مع أسفارها الكثيرة، وأخرى تطلب منها التريُّث، والارتكان إلى بيت الزوجية، والالتفات إلى حالتها وهي حامل، مما سيؤدي ذلك في نهاية المطاف إلى قلب كل حياتها، والبدء من جديد بعالم آخر.
كل هؤلاء الصغيرات يدرن في ذهن إليف شفاق اليومي، والمتشظي إلى أنواتٍ مختلفة، الذات وتفككها إلى حالة مرضية، عقم الكتابة، والتوقف عنها وجفاف القلم، وثمة الوليد الجديد الذي يحتاج إلى رعاية، وهناك الزوج، فهو أيضاً رجل شرقي، ولكنه كان يعي مأزق زوجته، فوقف إلى جانبها في محنة توقفها عن الكتابة، وهبَّ لمساعدتها، في توفير مدبِّرة للمنزل ومربية تساعدها في بعض شؤون الأمومة، ولكنها لا تنسى أيوب أيضاً الرومانسي الذي أحبته وهو شخص مثقف، وقريب جداً من عالم الكتابة، فهي ستعود في أحد الفصول لتذكر بتلك المعرفة، وبدايات الصداقة التي تحولت إلى علاقة حميمة، علاقة أصولية، علاقة ارتباط على الطريقة الشرقية والإسلامية، لضمان حياة كلا الطرفين، فتذكرنا بأيوب الطيب والشفاف، والحساس الذي لم يجرح مشاعرها مرة، فهو المُقدِّر لاسمها ولدورها الإبداعي ونشاطها الثقافي والاجتماعي داخل المجتمع التركي، فهي ليست كاتبة روائية محض، بل كاتبة عمود يومي في صحيفة، وناشطة في مجال حقوق الإنسان ومدافعة بشراسة عن حقوق الأكراد ومنافحة أصيلة ضد المجازر التي لحقت بالأرمن على يد الجندرمة التركية، مما عرَّض نشاطها المحموم هذا إلى استدعائها أمام القضاء ، وهي حامل بمولودها الأول، بغية المساءلة والتحقيق، والطعن بهويتها التركية، تلك التي تصدَّت من خلالها للتشهير بالمواقف القومية للنظام الحاكم، وكذلك تهديد مبادئ وقيم وأسس الأمة التركية .
وعن لقائها بأيوب تقول: «مشيت نحو طاولة أصدقائي، أعرف الجميع، عدا شاب بشعر داكن ومتموج، وابتسامة خافتة، يحتل الكرسي الواقع في آخر الطاولة، قدَّم نفسه باسم أيوب، أعرته اهتماماً طوال السهرة، كنت أنظر إليه بحذر أولاً، ثم بفضول متعاظم، كلما طال إنصاتي لحديثه، كلما زاد إدراكي بأنه تجسيد لكل ما أقصيته في حياتي وابتعدت عنه، الصبر الصافي، التوازن المحض، العقلانية المتزنة، الهدوء الشفاف، التناغم الأنيق، أنه صيّاد سمك بالفطرة، لم يكن يعجبني وحسب، وجدت نفسي أسقط رأساً على عقب في حبِّه، لكنني قرّرت بألا أدع أحداً على هذه الطاولة وهو على الأخص يعرف ما أكنَّه، لا أريد أنْ يرى أحد ذلك» .
بينما هي في مستهل مشوارها الإبداعي وحتى منتصفه، وكانت شهرتها تتزايد في الذيوع، واسمها يلمع في كل مكان، كانت مضربة عن الزواج، وقد قررت بينها وبين نفسها ألا تتزوج لكي تتفرغ للإبداع، متخذة منه عشيقاً وحبيباً وزوجاً، لكن الحب إن أتى سيكون عاصفاً ويقلب كل شيء رأساً على عقب، كحب إليف شفاق لأيوب الذي ستتحدث عنه طويلا في هذه اليوميات .
ولكي تبرِّر ما فعلته أخيراً في حياتها، وهو الاندفاع باتجاه الحب، ثم الزواج، وثم الإنجاب، ستتطرق إلى النساء الكاتبات اللواتي عشن حياة مزدوجة، حياة الأمومة والإبداع والمضي في آفاق الكتابة. فتشير إلى سلفيا بلاث كأم ومربية مثالية لطفلين، ولكن مرضها النفسي لم يمهلها لكي تستمر في مشوارها الإبداعي الذي أنهته بطريقة لافتة، ومحزنة ومؤثرة على صعيد الرأي العام الذي تلقى طريقة انتحارها وتركها لطفلين بعدها للمجهول. ثم تعرِّج على توني موريسن التي لديها طفلان أو أكثر، لتعمل في دار للنشر كقارئة ومثمنة قيمة العمل، وكذلك تعمل على إبداعها بالنهوض فجراً من أجل الشروع في الكتابة الإبداعية، حتى نالت على أعمالها المهمة والمبتكرة في طريقة كتابتها وأسلوبها ورؤيتها الجمالية جائزة نوبل تقديراً لمنجزها، وتمر كذلك على ك.ج . رولينغ والتي عرفت بكتابتها لسلسلة هاري بوتر الشهيرة، والتي سطع من خلال هذه السلسلة اسمها ككاتبة مُلهَمة ومثيرة في عالم الخيال الإبداعي، وقد أدت شهرة أعمالها الموجهة إلى الفتيان والناشئة والمراهقين، إلى الانتشار المذهل والصاعق في عالم النشر وسوقه العالمية، مما أدى إلى اغتناء الكاتبة الفقيرة لتصبح من أصحاب الملايين، فتلفت بذلك إليف شفاق إلى دوافع نجاح رولينغ لأمومتها قائلة: «بدأت ج. ك. رولينغ بكتابة سلسلة روايات هاري بوتر بعد ولادة ابنها، وأهدت ما لحق ذلك من كتب إلى ابنتها الرضيعة، تقول إن الأمومة هي مصدر إلهامها».
في الختام، لا يسعنا ونحن ننهي هذا الكتاب الجميل، إلا ونثني على الكاتبة إليف شفاق التي وجدت طريقة ما للسرد، مغايرة لما عُرف بالمذكرات، لتقص علينا يوميات أمومتها وحبها وكذلك عشقها للكتب وللكتَّاب وللكاتبات من أمثالها .

إليف شَفاق: «حليب أسود»
ترجمة أحمد العلي
دار مسكيلياني، تونس 2016
410 صفحة.

الروائية التركية إليف شَفاق في «حليب أسود»: ذكريات الأمومة وتحولاتها

هاشم شفيق

كلمات مفتاحية

اشترك في قائمتنا البريدية