رواية «الصيف الجميل» للإيطالي بافيزه: عالم رومانسي مسرود بشاعرية مؤثرة
قرأته باكراً في نهاية السبعينيات، كشاعر قلق، ومهموم ومؤثر، ذلكم هو الشاعر والروائي والناقد الإيطالي تشيزره بافيزه. كافح مثل أبناء جيله ضد الفاشية، وحين وضعت الحرب أوزارها انخرط مناضلاً في صفوف الحزب الشيوعي الإيطالي، ذلك الحزب الذي ضحى وقاوم بضراوة لا تلين فاشية موسوليني، حتى انتهى موسوليني كنظيره هتلر، نهاية دموية تليق بفاشي وطاغية وعاشق حروب.
يُعد بافيزه أحد الشعراء المؤسسين للغة شعرية بارعة، وكان يقف في الطليعة كرائد ومُطوِّر لأسلوب جديد في حركة الشعر الإيطالية والعالمية، وهو بذلك يكون حسب رؤيتي الشخصية، أحد الأقطاب الفاعلين والمؤثرين والبانين لعمارة شعرية إيطالية عالية، مع معلمين آخرين مثل مونتالي وأونغاريتي وكوازيمودو، وهو كبنّاء كبير، بدت علاقته مع الإنسان كبيرة ومتشعّبة ومستبطنة لعالمه الداخلي. هَمُّ بافيزه وتشاؤمه وقلقه ورؤيته المتشككة، كل هذه العوامل مجتمعة هي التي دفعت به إلى رسم تلك النهاية المأسوية لحياته ومعاناته اليومية، لينتهي منتحراً في أحد فنادق مدينة تورينو الإيطالية.
لعل عمق مشاعره ورهافة أحاسيسه، وسنوات نضاله الذي تعرّض خلاله إلى الاعتقال والسجن والملاحقة، وضياع الأمل في التحقق الحالم بالنسبة إليه، قد فاقم من أزماته النفسية لتعلو وتيرتها، وتودي به إلى الرؤى السديمية والأفكار السوداوية، والتطلع المناخولي للحياة، ما أدى به إلى النكوص وفقدان البوصلة وهو في مطلع الخمسين من عمره، وفي ذروة تألقه الأدبي والإبداعي والشعري، وليس هذا حسب، بل كان ناقداً محترفاً وروائياً وكاتباً للقصص، وقد خلف ثلاثية روائية مائزة، وها نحن نتناول في هذا الحيز جزءها الأول وهو بعنوان «الصيف الجميل»، وهي رواية شاعرية وسلسلة، ومرهفة، وغنية بالحياة ومشتقاتها، من عمل وسهر وسفر وحب وعشق، مصحوبة بمقاه وحانات وسينما، وتطلعات نحو الأدب والفن والرسم والانشغال الدائم بالتفاصيل اليومية للحياة وما ينتج عنها من مصادفات ومطبات ومسرات وأحلام وآلام، كل هذا سنصادفه في هذا الجزء وهو يبني عالماً رومانتيكياً لا يخلو من الدهشة والفتنة والسحر، المترع بغرام عاشقين، يحاولان اختطاف القبل عبر رسومات موحية، لأجساد تتعرى أمام إزميل وفرشاة وألوان فنان، عالم ملون ذاك الذي يرسمه تشيزره بافيزه، مما يدفع بنا إلى الحيرة والاستنباط السايكولوجي المتسائل: أبعد كل هذا الحب، والعشق والتفاني في سبيل الآخر، والغرام البريء لعاشقين وعاشقات، وسط عالم بسيط وغير متكلف، تنتهي حياة صاحب هذا العمل الجميل بالانتحار ووضع حد لحياته بكل هذه السهولة، غير أن الكتابة على ما يبدو شيء والحال المستعصية والإكلينيكية، ذات العلامات الموحية بالرهاب والفوبيا والذعر المتواصل من الخلائق شيء آخر.
تنفتح الرواية بصيفها الجميل على عالم رومانسي، تحف به البهجة والأحلام والتطلعات لعبور البكورية، بكل تجلياتها ونزوعها ومشاعرها الأسيرة لعالم الصبا والطلوع ومغادرة سن المراهقة، من أجل الولوج في عالم البالغين والكبار والعارفين بعمليات العشق الثنائي والشبق السيار والتجاسد مع الآخر، حيث الذوبان في مسار النشوة والتلاحم والتلاشي الكلي في يد المحبوب، كل ذلك هو ما تحلم به الفتاة الشابة جينيا، وهي فتاة ساذجة، قليلة الخبرة، تخشى عالم الكبار، عالم الحانات والمقاهي والسهر الليلي، خجلى تنطوي على أسرار جسدها، تحاوره وتحلم بالفتى الذي يليق به، بالفتى الذي يقدر أنوثتها وشغفها للحب، غير المبتذل والمتداعي، كما هو متجسد لدى صديقتها أميليا، تلك الفتاة التي تحمل من التجارب الكثير، تجاربها مع جسدها، كعلامة للجمال والخيال والدهشة البصرية، كمحاولاتها في الجلوس كموديل أمام الرسامين الذين يسعون إلى المكاشفة، عبر لغة الجسد وتموُّجاته، الجسد الذي ينطق دون كلام، كجسد أميليا المتحدي ذي العنفوان، أميليا المتشاوفة، تلك التي تعمل تارة وتنقطع تارات، وتحدثها دائماً عن جماليات الجسد الأنثوي، الجسد الذي فيه نوع من الفن والكلام المومئ والمُغري والفاتن للرجال، حتى لو كانت المرأة أمام الرسام بكامل ملابسها، فهي تحمل إغراءها معها في الداخل، فجسد المرأة بحسب أميليا هو هويتها، وهو محط أنظار الفنانين، والنحاتين الذين بلغوا الشأو الجبار في تدوير جسد المرأة فنياً، ولكن هذا الجسد المُغوي والمُحيِّر ظل عصياً على التعبير الكلي، فدائماً هناك اكتشافات لدى الشغوفين به، والمأخوذين بسحره، كالشعراء والرسامين والنحاتين، والموسيقيين الذين حاولوا سبر غور الجسد، بشكل نغمي وإيقاعي، في استشفاف بواطنه ولواعجه وقلقه الفيزيائي، ودراسته من خلال تفاصيله الإنسانية وتركيبته البشرية.
من هنا خوف وذعر جينيا الشابة قليلة التجارب، والمنطوية على سحر جسدها الذي بدأ ينطق لديها، ويحدثها عن الوله والرغبة والغموض الكامن في الحب، والتجارب التي ستخترقها، وهي تحمل هذا الفن في ملامح ورموز جسدها المتنقل مع أميليا، في الحانات والمقاهي والسهر الليلي. فجينيا فتاة شبه فقيرة، ملابسها محدودة ومصروفها أيضاً محدود رغم عملها كخياطة في معمل، تأخذ منه القليل لتعيل نفسها وتعتمد على يديها في العمل، لم يكن لديها أحد سوى أخيها سفيرينو العامل أيضاً في مكان ما، وهي كأخت شبه شرقية، تطبخ له وتغسل ملابسه وتهيئ له الطعام، قبل ذهابه للعمل أو بعد مجيئه منه، على أنها لا تنسى تطلعاتها إلى الخارج وعالمه المحموم، عالم أيام الخمسينيات من القرن المنصرم، العالم الذي ودع الحرب العالمية الثانية، تلك التي دفع البشر أثمانها غالياً، ودَّعها ليعيش حياة السلم والتآخي بين شعوب العالم.
تحت هذا الجو الهادئ، والمفعم بالبساطة والتقشف والممكنات الرومانسية، تندفع جينيا إلى أجواء الليل، والسهر والانخراط في أجواء الفن، والرسامين الذين يسعون إليها، ولكنها في الظاهر كانت تتمنَّع، بينما في دخيلتها كانت تسعى ومن خلال التمني إلى اللقاء بهم ورؤية جسدها فنياً، لكي تصل عبره إلى حالات من الهيمان والانخطاف والتجلي المصحوب بالنشوة الأنثوية.
إذاً «منذ ذلك الحين، صارت أميليا تمر باستمرار لاصطحاب جينيا معها والخروج سوياً، كانت تدخل الغرفة، وتتكلم بصوت عال، فتحرم سيفرينو النوم».
تُفصح الرواية عن تقنيات كلاسية، في البناء المتقن، والمعمار المحكم في من خلال رسم الشخصيات بطريقة بسيطة، لا رتوش حولها، ولا ماكياج ثقيل يعيق ظهور الملامح والجو الروحي الداخلي للشخصية، ليس ثمة شخصيات مركزية سوى جينيا، ومن حولها مثل روزا صديقتها في العمل، أو أميليا الموديل، وسيظهر في سياق العمل غويدو، ذلك الرسام الشاب الذي ستقع في حبه جينيا، بعد تردد في كشف عالمها السري، لجسدها المرسوم والمتخيل سابقاً من قبل غويدو الذي كان يرميها بالنظرات، ويلاحق خطواتها وجسدها الناحي صوب النضوج والاكتمال الأنثوي، في ذلك الصيف الجميل، الصيف الذي ألهب أولئك الفتيات الساعيات إلى العمل، والحب والبحث عن ملذات الحياة، في كأس شراب أو مشاهدة فيلم، أو قضاء ليلة في مرقص يقع في الهضبة، كما حدث لجينيا وأميليا في الليلة السابقة من ذهابهما إلى المرسم.
مكان الرواية كما يبدو هو تورينو، وزمانها يوحي بفترة الخمسينيات، يوم فصل صيفي من تلك الأيام التي أعقبت مآسي الحرب العالمية الثانية، ومن هنا يتعاضد الزمان والمكان والحلم والزمن المُتخَّيل على صناعة تلك الشخصيات الرقيقة، مثل جينيا وأميليا، وغويدو وغيره من الرسامين الذين باتت تتردَّد عليهم أميليا وجينيا، كالعجوز باربيتا الذي رأى جينيا فرسم لها أربعة بورتريهات لوجهها، بطريقة فنية وغائمة، وفيها الكثير من التدريب على تفاصيل الوجه الأنثوي الذي لم يرضِ جينيا كثيراً، كون تلك الرسمات ستُحفظ مع الرسومات العارية لموديلات باربيتا، ومن ضمنها صديقتها أميليا التي اقشعر بدنها وهي تفكر بالتعري أمام الرسامين، هؤلاء الذي ربما حسب جينيا لديهم مآرب أخرى.
قضَّت جينيا أياماً مع أميليا في الذهاب لشرب كؤوس من النبيذ، وتذكر الأصدقاء والحديث عن الرسامين، أو اللقاء بأصدقاء مثل ماسيمو صديق شقيق جينيا الذي كان يلاعبها عندما كانت طفلة، وها هي الآن في عز أنوثتها ولكن جينيا الخجلى تعلقت بغويدو، الرسام الذي صارت تغير عليه من أميليا وتفكر في دواخلها هل رسمها عارية؟ هل نام معها فوق هذا السرير في المرسم الذي تتمدد عليه الموديلات؟ رغم أن أميليا لديها رسام آخر، ولها علاقة معه هو رودريغوس، وهي لا تهاب ما يحكى أو يلفت النظر، فهي لديها حريتها وأنوثتها رغم أنها بدأت تتقدم في السن، ولكنها من ناحية ثانية كانت تعرف كيف تلبس، وكيف تضع الماكياج، وكيف تُسرِّح شعرها لإثارة ولفت نظر الرجال إليها.
بعد أن تتأكد جينيا من أمر صديقها غويدو، بعدم النوم مع صديقتها أميليا ستفتح له الأبواب، وتيسر له الطريق في فض بكوريتها، وستكون موديله الدائم، وكان قد حدث ذلك، بعد تردُّد ومكابرة، وحين تأكدت من هذا الحب الجارف جاءته طواعية لتكون بين يديه، لتحقق هذا الحلم، وهذه الرغبة، وهذا الشغف الواضح، المتجسد بين فرشاة وألوان وهيام هذا الفنان بها.
كانت أميليا تفكر بطريقة مغايرة بها، تفكر بجينيا الواثبة تواً للحياة، الناهدة والمرهفة والرقيقة، وحين مرت عليها في ظهيرة أحد الأيام في بيتها «كان سفيرينو جالساً مع جينيا إلى الطاولة، لذلك لم يتحدثوا عن أشياء مهمة، وحينما خرجتا إلى الشارع قالت أميليا انها كانت عند رسامة في الصباح، وقد وعدتها بالعمل معها، ثم طلبت من جينيا أن تأتي معها، لأنّ تلك الرسامة البلهاء تريد أن ترسم لوحة لامرأتين متعانقتين، وهكذا بوسعهما العمل سوياً».
وفي إحدى المرات وهما تتنزَّهان، وتحت ظل بوابة سحبتها أميليا وقبلتها ولم تبد جينيا حينها أي مقاومة، لقد وقعت أميليا في حب جينيا، وقد قالت لها ذلك علانية «أنا مغرمة بك يا جينيا».
غير أنّ جينيا حققت حلمها مع الشاب غويدو الذي أحبته وتفانت من أجله، في عرض جسدها أمامه، لتكون موديلاً منسجماً دون عوائق.
تشيزره بافيزه:«الصيف الجميل»
ترجمة كاصد محمد
دار المتوسط، ميلانو إيطاليا 2017
143 صفحة.
هاشم شفيق