انغمس الفيلسوف الفرنسي الأشهر، رينيه ديكارت، بتفكيك علم اللاهوت، وردِّه إلى الأصول الميتافيزيقية، معتمداً في تحليلاته وتأويلاته ومناهجه الفكرية والفلسفية، على صيغة المجهول والمخفي وغير المعلوم، وهو التأويل التوحيدي الذي شمل أبرز الأديان السماوية، اليهودية والمسيحية والإسلامية. وآية ذلك تجلى في إشاراته ومسوِّغاته وأفكاره، حين أشار إلى الصيغة المتوارثة عبر التاريخ عن فكرة الله، وهي وجود قوة عليا، تتحكم بالكون وتُسيّره، وتُنظم عمله، وترسم طريق الإنسان على الأرض، وتُحدِّد مصير البشرية جمعاء، ألا وهي موضوعة الوجود غير المادي للإله، ذلك الذي يتحكم بعقولنا ومسيرتنا داخل حياة، تبدأ منذ الولادة وحتى النهاية الحتمية لكل إنسان، والمختومة بالموت والفناء.
انطلاقاً من هذه الرؤيا، ومن هذه المفهومة الماورائية، وغير المادية التي دحضها أعظم مفكري العصر الحديث كارل ماركس، حيث أرجع ثيمة الخلق والكون والعالم إلى منطق الطبيعة وتطورها المادي والملموس على الكوكب الأرضي. والعلم قد أثبت حقا أن الكون يتحرك وفق منظومة علمية، مادية محورها الإنسان، كونه رأسمال هذه الحياة الوحيد، فهو الخالق والصانع والمبتكر والمُطوّر لآفاق الحياة بكل تاريخها الماضي والراهن والمستقبلي .
غير أنّ ديكارت الذي سبق كارل ماركس وإنجلز بثلاثة قرون، ويُعد أباً للفلسفة الحديثة، كان قد أرسى عوالم فلسفته العقلانية وفق مبدأ الشك والتأمل والمنهج، وقد استنبط نظرياته الفلسفية عبر مشروع طويل من التوغل في الفلسفات الإغريقية وحتى العربية، إذ ثمة تأثر ملحوظ وبارز، يظهر في بعض أعماله الفكرية والفلسفية، بفلاسفة، منهم أفلاطون وأرسطو والغزالي، هذا ناهيك عن تأثره بعلم اللاهوت الديني، وكذلك بالفكر اليسوعي الذي نادى به اغناطيوس اللوايولي، وهو الذي يقر بأن الإنسان كائن مخلوق من قبل الله. على أن هذا التأثر أو الاستغوار والنفاذ إلى فكر الأقدمين، مكنه من أن يقدم طروحاته هو، وقرائنه ودلائله وحججه، في صيغ ارتدت لبوساً فلسفياً، ديكارتياً، قادراً على الدحض والمحاججة والتدليل. فهو فضلاً عن كونه فيلسوفاً، فإنه أيضاً عالم رياضيات، وعلوم طبيعية، ورائد ومؤسس لها، وأنه يعتبر الرياضيات هي المفتاح إلى المعرفة، والتفكر في الكون بطريقة تأملية، تؤدي إلى الوضوح والتميز. وقد استخدم ديكارت نظرية الخلق المستمر في مجال الفيزياء، من أجل أن يُميّز بين الحركة المحدَّدة هندسياً، وبين القوة المُحركة، وهي التي يرى ديكارت ان مصدرها هو الله.
ومن هنا يظهر التأثر الجلي بفكرة بارزة ورئيسة، وهي من أهم تجليات أفكار وعقائد الكتاب المقدس، ولا سيما حين ترد في “سفر التكوين” الفكرة القائلة عن استمرار الله في الخلق والحفظ، وهي أُس ولُباب الفكر المسيحي .
وقد أشار إلى ذلك ديكارت، في غير مكان ومنهج ورسالة ونظرية، ففي إحدى رسائله إلى الفيلسوف مرسين، مؤرخة في نيسان/أبريل من عام 1630 يقول: “إن القوانين الرياضية للطبيعة أسسها الله”. ثم يستطرد في مكان آخر، فيرى أن الأعمار والحياة في يد الله، وهو الوحيد القادر على تغذية الكون بالكائنات، وتجديدها، ومن ثم إماتتها ووضع حدّ لحياتها بالنهايات، والأجل المحتوم كقوله: “آجالنا في حياتنا كافية لإثبات وجود الله”.
لكن من جهة ثانية، تنبغي الإشارة إلى أن رينيه ديكارت، المفكر والفيلسوف وعالم الرياضيات والعلوم الفيزيائية، قد أرسى أيضاً نظرية الشك وتخطى في مفهومه اليقين والراسخ والثابت في الدين والعلم والمعرفة، فهو صاحب القول الشهير: “أنا أفكر، إذن أنا موجود” تلك النظرية التي خلخلت المفهومة العامة وجعلت الكثير من البشر يلحدون ويشكون، دون علم منه، فنظريته التي بناها حول الفلسفة العقلانية والقائلة بأن الفكر الذي أحمله ويجعلني أفكر، هو هبة وجودية من الخالق، لهذا العقل المفكر الذي يجعلني أفكر بأنني موجود، أي أنني كائن حي يحيا حياته على هذا الكوكب الأرض، بينما العلم الحديث الذي جاء بعد ديكارت، وتطور كثيراً على يد فلاسفة لامعين، جاءوا بعده، وصولاً إلى الحداثة ومشتقاتها وتطوراتها الطبيعية، يكشف أقنعة ديكارت الميتافيزيقية، اللاهوتية، فيتصدى لها أكثر من فيلسوف وباحث ومفكر عالمي، وذلك تجلى بظهور نظريات تدحض الفكر الديكارتي كنظرية غاليلو حول سقوط الأجسام، تلك التي يردّها العلم الحديث إلى القوانين الطبيعية للطبيعة، وتخالف نظرية ديكارت التي وضع لها ثلاث قواعد هي:
ـ القاعدة الأولى: كل شيء يبقى على حاله ما لم يغيِّره شيء .
ـ القاعدة الثانية: حفظ كمية الحركة .
ـ القاعدة الثالثة: الحركة المستقيمة .
هنا بالطبع يُسهب ديكارت في الشرح لكل قاعدة، ليثبت للعقل الإنساني، أن الإله هو العلة الأولى للحركة، وهو الحافظ لكمية الحركة في الكون .
بيد أن الدكتور يحيى هويدي في الكتاب ذاته حول الكوجيتو الديكارتي يرى “أن ديكارت وصل إلى حقيقة الوجود، وحقيقة الله عن طريق اكتشافه لنظريّتين هامّتين، نظرية الحقائق الأبدية، ونظرية الخلق المستمر، وكلتا النظريتين قد أوصلتا ديكارت إلى الاعتراف بوجود الله”.
أما الفيلسوف البريطاني الشهير برتراند رسل، فيرى في فيلسوف الوضوح والتميز والعقلانية الخالصة “أن في ديكارت ثنائية لا تحل، بين ما تعلمه من العلم المعاصر وبين النزعة المدرسية، تلك التي أدت به إلى تناقضات ذاتية، ولكنها جعلته أكثر غنى من أي فيلسوف منطقي… وهذا التناقض جعله منبع مدرستين في الفلسفة هامتين، بيد انهما متباعدتان، فالثنائية الديكارتية هي التي أحدثت انشقاقاً في الوعي الأوروبي”.
ويصف المفكر العربي حسن حنفي ديكارت، بأنه تمساح هائل، له فك صاعد للأعلى وفك نازل للأسفل، وهو وصف يُراد به الإشارة إلى ثنائية ديكارت الفلسفية .
وقد أعطى ديكارت لعلومه النظرية وأفكاره الفلسفية طابعاً نبوئياً، وأن مناهجه ودراساته وتحليلاته الفكرية والنظرية، هي التي فتحت له خزائن الأفكار وخزائن العلم والمعرفة، و”أنه قد حدث له هذا الأمر في رجفة أو نوبة من انهيال الرؤى عليه في نوفمبر من شتاء عام 1619 حين كان جالساً إلى جوار المدفأة حين حصلت تلك الهزة الفلسفية والفكرية لجسده وعقله، وقد أرجع ديكارت هذا الأمر إلى وازع ديني كان قد وهب له هذه الأحلام والرؤى الفلسفية، وقد وعد نفسه بالحج إلى نوتردام أحد الأماكن المقدسة لدى الطائفة الكاثوليكية والمحببة لديهم، وقد سمى ذلك دون تردد بأنها رسالة من روح الحقيقة التي وعدته بفتح خزائن العلوم جميعاً”.
وقد ساد الخلاف بين الباحثين والدارسين والناهلين من فلسفة ديكارت ونظرياته، حول ما إذا كانت هذه الخزائن حول نظرية قواعد المنهج أم الكوجيتو الديكارتي، أم الهندسة التحليلية أم وحدة العلوم، أو كتاب التأملات، وتجاربه الفلسفية الأخرى الكثيرة التي عالج فيها المصائر الوجودية للإنسان ومحنته أمام عالم الخلق والتكوين، عالم الموت والولادة، والتحولات التي تطرأ على الكائنات الحية و من ضمنها الطبيعة .
ومثل كل الأديان الثلاثة التي تجسِّد ثنائية الخير والشر، فالخير في مفاهيم الأديان التوحيدية الإبراهيمية هو الله الهادي والصادق والمُحب، والثاني الشر الذي يجسّده الشيطان، المُضل للإنسان.
وتأسيساً على ذلك فالله في نظر ديكارت هو الصادق الذي لا يخدع ولا يُضل، وهو أيضاً أرحم الراحمين حسب قوله، وانطلاقاً من هذه الرؤيا، تجعل الديانة المسيحية عقيدتي الإله والشيطان ركناً أساسياً من أركانها وفي صُلب عقيدتها الدينية، وهو الحال نفسه نجده لدى بقية الأديان السماوية التوحيدية، وكلمة شيطان في العربية يقابلها في العبرية ساتان وهنا على القارئ أن يُمحِّص بمدى قرب الكلمتين بمعنييهما اللفظيين من بعضهما، وثمة كلمة دوبليس اللاتينية ـ اليونانية، وهي نفسها تلك التي تحمل المعنى الثاني لكلمة الشيطان ألا وهي ابليس العربية .
أما ديكارت “فقد افترض وجود الشيطان باعتباره كائناً شخصيّاً غير مرئي في حد ذاته، ولكنه يظهر بعمله، أو بتأثيره، وله القدرة على تضليل حواسنا وخداع ادراكاتنا…. وهو لا يُضلل حواسنا فقط بل يتلاعب بعقولنا”.
وبذا يجد المؤلف د. محمد عثمان الخشت، أن ديكارت قد وقع أسير الرؤيا الدينية، وهو الفيلسوف الشكاك رافع لواء العقلانية. ولهذا تسقط أقنعة ديكارت العقلانية التي تقنَّع بها عبر مذهبه الفلسفي، حيث الحضور الطاغي للمفاهيم اللاهوتية .
وفق هذا المنظور، يكون قد ألقى المؤلف المزيد من الضوء على تجربة فلسفية رائدة، وواسعة التفكير ومُلهمة في نظرياتها وطروحاتها الفكرية ورؤيتها وتطلعاتها الحديثة التي شغلت العالم حتى وقتنا الراهن.
د. محمد عثمان الخشت: “أقنعة ديكارت العقلانية”
الهيئة العامة لقصور الثقافة، سلسلة الفلسفة، القاهرة 2016
90 صفحة.