“أمريكا-أمريكا” أنطولوجيا جيل البِيْت الأمريكي الشعري رفض للحروب والتمييز الاجتماعي والوقوف مع المهمشين

 هاشم شفيق
حجم الخط
0

لجيل البِيت Beat الشعري، ليس في أمريكا فحسب، بل في العالم كلّه، صيته المدوّي، وشهرته التي طبقت الآفاق منذ انطلاقته في أواسط الخمسينيات، عَقِب الحرب العالمية الثانية.

إنه الجيل الجديد، الغاضب، والرافض للحروب والجوع والقهر والتمييز الاجتماعي والطبقي، جل هذا الجيل كان ميالاً إلى اليسار، ويقف بالضد من المكارثيات التي حاربت المُثل اليسارية، المنادية بالحق والعدالة والتماثل الاجتماعي.

كان ماركس إله هذا الجيل الجديد، وبالأخص لدى أبرز قادته وممثليه: ألن غينسبرغ، وأدريان ميتشيل ولورنس فرلنغيتي، ولا سيما في بداياتهم، هؤلاء المختلفون والمغايرون حتى فيما بينهم، فجاك كيرواك المؤسس الأبرز، والرائد لهذا الجيل، ومعه غريغوري كورسو وغاري سنايدر وويليام بوروز كانوا الأقرب إلى العدمية والفوضوية وحياة المغامرة، والمقامرة بالعمر، أمام الجواذب التي كان يسعون اليها، وينادون بها، ويجسّدونها في مسيرتهم اليومية، كالامتثال إلى الحياة البوهيمية، والانغماس بالملذات المشاعية، الجنس والمخدرات والكحول، يقابلها تقديس بوذا على غيره من الآلهة، وتفضيل شعر الزن دون غيره، وموسيقى الجاز والبلوز، والتوهان الفني، على غيره من فنون المسرح المنهجي، والشعر التقليدي، والرسم الواقعي، والرواية النمطية والتسجيلية والوصفية، فهم بطبعهم أقرب إلى مسرح العبث، والشعر الدادائي، العفوي والصريح، وغير المنطقي، شبه الهذياني والنهلستي والضدّي، المُهاجم، والعنيف لفظياً، وصورياً، وتمثيلياً، وكذلك المؤدّى، والمقروء، والمُعَبَّر عنه بالحركات، والإيماءات، والمشاهد المُمسرحة والتمثيلية، وكذلك كان الأمر مع الرواية، فهي عندهم  الرواية الملتبسة، والمتدفقة، والمخترقة لكل التابوات، والمحظورات، والخطوط الرقابية، كون لغتهم التي يكتبون بها، هي لغة تدميرية، ناسفة، وتفجيرية في بعدها اللغوي، والنفسي، والفني، فرواية جاك كيرواك “على الطريق” هي خير تجسيد لهذه الرؤى والأخيلة، والأبعاد الحالمة، الساعية إلى كل غريب، ونافر، ومدمر، لغة الشك، والتفكيك، والإدانة الصريحة والمباشرة، وخير دليل على ذلك في حقل الشعر، هي قصيدة “عواء” لغينسبرغ التي ترجمها في البدء منتصف الستينيات الشاعر العراقي سركون بولص لمجلة “شعر” اللبنانية، وترجمها غيره بـ “جعير” وها هو ذا الشاعر والمترجم التونسي الحبيب الواعي يترجم له قصيدة “أمريكا ـ أمريكا” في كتابه المُعَنون هكذا عن جيل البِيْت الشعري، والكتاب ـ الأنطولوجيا الشعرية، هو مدار حديثنا في هذه القراءة .

تبدأ الأنطولوجيا الشعرية بأبرز ممثلي هذا الجيل وأنشطهم، وأكثرهم حركة، وتنظيراً، ونشاطاً تعبيرياً، كما يُعد في الوقت ذاته الأكثر شهرة، والأكثر تميّزاً، والأرفع موهبة، مقارنة مع رفاقه من الشعراء الناشطين، والمثابرين، والعارفين لطريق هذا المسار الشعري الوعر، والصعب، والمختلف، ألا وهو ألن غينسبرغ، الذي ألقى الشعر في الأماكن العامة، في الساحات، والشوارع، والحدائق، والميادين، ومدارج الجامعات، كما درّس الشعر، وحاضر فيه في أغلب الجامعات، والبلدان الأمريكية، والعواصم العالمية.

ولِد الشاعر ألن غينسبرغ 1926 في مدينة “نيو جيرسي” الأمريكية، ويُلاحظ هنا تاريخ ميلاده المُوافق لتاريخ ميلاد الشعراء العراقيين رواد الشعر الحديث، بدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي وبلند الحيدري.

تميّز شعر ألن غينسبرغ بالقلق، والاختلاف، والضديّة، وقف إلى جانب المهمّشين، والطبقات الدنيا، وفقراء المجتمع، دافع عن الحريات العامة، وانحاز للأقليات، منافحاً، وناشطاً من أجلها ومُعبّراً عنها، وناضل ضد الفاشيات، والحروب، وقاد تظاهرات في سبيل ذلك، وحارب السياسة الأمريكية، ومثلها الإمبريالية، حاز جوائز عدّة، وترجمتْ أشعاره لمختلف اللغات الاجنبية، ومنها نختار:

” أمريكا

متى سننهي الحرب على الإنسانية

انكحي نفسك بقنبلتك الذرية ….

أمريكا لماذا تمتلئ مكتباتك بالدموع

أمريكا متى ترسلين بيضك إلى الهند ….

أمريكا عندما كنت في السابعة من عمري

كانت أمي تصحبني إلى اجتماعات خلية الشيوعيين،

كانوا يبيعوننا الحمّص، حفنة للتذكرة الواحدة”.

ثمة شاعر انكليزي معروف هو أدريان ميتشيل، ينتمي إلى جيل البِيْت الشعري، وهو شاعر يساري، مناهض للحروب، له قصائد تدين الفاشيات، والقوى المتسلطة، ورؤوس الأموال، والمتحكّمين بالمسار الحياتي، والاقتصادي للعالم.

ولِد أدريان ميتشيل عام 1932 في هامستد شمال لندن، تخرج من جامعة اكسفورد، وترأس كرسي الشعر فيها، عمل ميتشيل في الميديا البريطانية صحافياً، ومراسلاً إذاعياً، ونال جوائز أيضاً، صدرت له دواوين عديدة، أبرزها “قهوة زرقاء” و “قلب على اليسار” و “قصائد حب للحرب العالمية الثالثة” وقف مع حركات السلم، ودافع عن الحريات الشخصية، ودان الاضطهاد والسجون والحرب، في قصائده، ولا سيّما الحرب الأمريكية ضد العراق، وقد كتب أدريان ميتشيل إلى جانب الشعر، في المسرح والرواية، والمقال الأدبي، وكتب أيضاً حكايات، وقصائد للأطفال. ومن أشعاره:

” دهَسَتني الحقيقة

ذات يوم

ومنذ وقوع الحادث

أصبحت أمشي بهذه الطريقة

لذلك ثبّتْ ساقيَّ في الجبس

قل أكاذيبَ حول فيتنام…

لذلك املأ أذني بالفضّة

ثبّتْ ساقيّ في الجبس…

إطلِ عينيَّ بالزبدة”.

كان جيل البِيْت يقوم على أربعة أقطاب أدبية فاعلة، تنشر أفكار الجيل، وتعمل الدعاية الأدبية، والإعلامية الصِّرفة له، ألا أن أبرزها هو القراءات الشعرية، والصخب الذي يرافقها، ومن ثمّ التظاهرات المؤازرة للإنسانية، والحقوق البشرية، فالأقطاب الأربعة البارزون هم غينسبرغ، لما يتمتع به من موهبة، مؤثرة وقوية، ووليام بوروز لما يمتلكه من ثقافة ورؤيا تنظيرية، وجاك كيرواك، لما يصنعه من صخب، وفوضى، وجنون في قلب الجماعة، وهناك القطب الرابع والمهم لورنس فرلنغيتي، الشاعر، والمثقف البارز، والداعية، والمؤلف، والناشر الأبرز لهذا الجيل، والمروّج له في المحافل الإعلامية، وفي سوق الكتاب، ودور النشر، والميديا التي كانت تعتمد على الصحافة، والمجلات الأدبية، والثقافية، ولقد أسس فرلنغيتي دار نشره الشهيرة ” أضواء المدينة “، تلك التي ساعدت الجيل في نهضته، ليتخطى حاجز المنع، والرقابة، والتابوات المكارثية الكثيرة، تلك التي كانت توضع أمام هذا الجيل الشعري الغاضب، من هنا نشر فرلنغيتي لأغلب شعراء الرفض، والاحتجاج هؤلاء، وجُلهم شعراء متمردون، ومتخطون بعنفوان للأعراف والتقاليد، وللسائد الشعري، مثل الشاعر غريغوري كورسو، الذي كان من الصعب نشر قصائده العنيفة، تجاه الواقع الذي عاشه، وهو طفل في الميتم، وسَوّق ما تعرّض له، من أفعال مدمّرة بحق وجوده وهو في سنّ صغيرة، لم تعِ ما يدور حولها، وكذلك هو الأمر مع قصائد غاري سنايدر، وأميري بركة، وغيرهم من الملتفين حول هذا الجيل، والمنطوين تحت لوائه الشعري الثائر دائماً ضد كل ما يصدر من سلطات المال، والكولونياليات والبورصات، والمتلاعبين بالحياة العامة للكائن البشري. وها هو ذا فرلنغيتي الناشر الشاعر يقول في قصيدة “لباس داخلي”:

” لم أنم ليلة البارحة بما فيه الكفاية

قضّيتُ الليلة أفكر باللباس الداخلي ….

أمريكا في اللباس الداخلي

تصارع من خلال الليل،

اللباس الداخلي يسيطر على كل شيء في النهاية،

خذ مثلاً المشدّات

إنها حقاً أشكال فاشية

لحكومات سريّة

تجعل الناس يصدقون كل شيء

سوى الحقيقة”.

أما ويليام بوروز وهو أكبرهم سناً والمولود في عام 1914، فهو ملهمهم، وفاتح الرؤى لهم، وناشر الأخيلة والمتاهات، والجنوح الذهني، باتجاه الغامض، والنائي، نشر قصصاً وحبكات فانطازية، عاش تحت تأثير المخدرات، وأصاب في لحظة جنون، صاحبته بطلق ناري، من خلال لعبهم العبثي، وتوهانهم الخارج عن الحدود والقوانين، لذا هرب إلى طنجة، وكتب خلال سِني حياته رواياته ” المُدمن ” و” الآلة الرخوة ” و” الغذاء العاري” الذائعة، حيث أجواء الفاقة، والحرمان، والتشرد، والضياع في متاهات فقدان الوعي، والهروب نحو أقانيم اللاشعور، واللاجدوى. وها هو ذا يقول في قصيدة “عيد الشكر”:

“شكراً للديك الحبشي البرّي

للحمام المُهاجر الذي كُتب عليه أنْ يُصرف مع الغائط

خلال الأحشاء السليمة لأمريكا

شكراً للقارة التي تشجع النهب والتسميم

شكراً للهنود الحمر الذين وفروا القدر اليسير

من التحدي والخطر

شكراً للقطعان الكبيرة من الثيران الأمريكية

المسخرة للقتل والسلخ

شكراً للحلم الأمريكي من أجل الفحش والتزييف

حتى تلمع الأكاذيب العارية ….

شكراً لأمة من المُخبرين”.

اشتمل الكتاب على مقدمة، وتعريف كشاف بكل شاعر، ضمته الأنطولوجيا التي شملت ستة وعشرين شاعراً، وهم من أبرز وأنشط وألمع الشعراء في هذا الجيل الذي تحوّل إلى ظاهرة عالمية.

“أمريكا-أمريكا”: أنطولوجيا شعرية جيل البِيْت

اختيار وترجمة: حبيب الواعي

مؤسسة أروقة للدراسات والترجمة والنشر، القاهرة 2020

289 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية