من المدهش أن تسمع وجهة نظر إيرانية داخلية مخضرمة – اشتغلت في مفاصل السلطة – لزعيم يُقيِم الذكرى الأربعين للثورة في بلاده، بعد أن قاوم بنفسه نظام الشاه، وتسنم منصب أول رئيس للجمهورية الإسلامية في عهد الخميني.
فقد استضافت قناة «روسيا اليوم» أبو الحسن بني صدر، في برنامج «قصارى القول»، الذي يقدمه الزميل سلام مسافر، معلنا أن الثورة أكلته، كما أكلت الثوار الآخرين، الذين ساهموا في صنعها، أما عن طريق السجن أو الطرد أو الإقامة الجبرية.
تحدث الرجل بصيغة العارف، كيف ألبس النظام الحالي الخلافات ثوبا دينيا، وقال إن تلك كذبة كبيرة، وما جرى ويجري هو صراع نفوذ ومصالح ليس أكثر، فقد أعطى الخميني لنفسه ومن بعده سلطة مطلقة تسيطر على المجتمع، تماما كما كان الوضع في أوروبا الشرقية والاتحاد السوفييتي. والأطراف المطالبة بالحقوق المدنية تمت تصفيتهم.
الرجل وهو يفكك معضلة الدولة الإيرانية، كان يتحدث بصراحة، دون أن يدري، عن بنية غالبية الدول العربية.
كشف كيف قام نظام بلاده بإعادة بناء رموز الاستبداد، ضاربا عرض الحائط بعدم اعطاء الحقوق المدنية للمجتمع، الذي ثار من أجلها الشعب الإيراني.
وأرجع المشكلة الى الجذر الخميني وولاية الفقيه، حين غير الرجل رأيه خمس مرات، بدءا بالولاية للشعب وليس للشاه، ثم تحويل الولاية للفقيه، الذي حولها بدوره لنفسه والى سلطة مطلقة بلا منازع أو إمكانية التغيير.
وتندر الرجل على الشاه قائلا، لو أجرى بعض الإصلاحات لما وصل الى هذا المصير المحتوم، الذي سيصل اليه النظام الحالي عاجلا أم آجلا: «البلاد كانت حينها في حاجة لثورة ضد نظام غير قابل للإصلاح، لو أصلح نفسه حينها لم يكن ممكنا الثورة عليه، والثورة كانت مسألة وقت فقط».
الرجل أرخ واقع إيران، وهي مقابلة لو كنت في موقع عربي مسؤول لاستمعت لها بانصات وتعلم، فالثورة هي حركة خروج من الحلقة المغلقة للسلطة المطلقة، التي تسجن المجتمع، وهي نزاع بين الحق والسلطة، دون فلسفات واسقاطات وتجيير وأكاذيب.
وهذا هو حالنا في البلاد العربية كلها، التشخيص واضح، والعلة مزمنة، لكن كل الأنظمة تتعامى عنها، وحين تريد الإصلاح تصل متأخرة جدا وتعمل بعد فوات الأوان وفي الوقت الضائع.
أكثر ما يلفت النظر في ما قاله الرجل هي إشارة قوية للدول العربية، التي تتكالب للتقارب مع إسرائيل على حساب شعوبها ومصالحها، حين كشف كيف استثمر الشاه أموال الإيرانيين ودعم سرا برامج تل أبيب النووية، فأخذوا أموال إيران منذ ذلك الوقت ولم يعيدوها ولا هم أوفوا باتفاقهم، الذي يقضي بتقديم التقنية النووية لطهران.
الخلاصة أن النظم الاستبدادية لا يمكن أن تكون يوما مستقلة أو حرة أو تتمتع بالشرف، وقد يطيل التهديد الخارجي عمر النظام، هنا أو هناك، لكن البديل الأبدي هو نظام ديمقراطي يحكم بالارادة الشعبية ويؤمن بالحقوق المدنية والسياسية للمجتمع، فهل هي معظلة معقدة الى هذه الدرجة؟!
بين «الماع ع ع» السوري وتفوق نور إبراهيم
انضم النجم باسم ياخور إلى قائمة الفنانين السوريين، الذين يحاولون انتقاد الأوضاع المعيشية في البلاد بسخرية وجرأة وتندر، بعد أن قسمت الحرب معشر الفنانين، كما المواطنين بين فسطاطين متحاربين.
ياخور نشر مقطع فيديو على صفحته في فيسبوك، لرجل يلتهم العشب بحيوانية ويثاغي كالغنم لينتهي به الحال وهو يستبدل الكلام بثغاء الغنم. في مشهد يختصر الواقع السوري هذه الأيام، ومن نخب فنية التزمت الصمت طوال الأحداث.
وكان عنوان المشهد (ماع ع ع ) «فيديو نادر جداً للمواطن المثالي، برافو أخي المواطن والله يكتر من أمثالك». ما أثار ردود أفعال مختلفة من متابعي وسائط التواصل، فعلق أحدهم «في ظل هذه الأجواء الحميمية بين حكومة النظام والمواطن، هيك رح تكون أخرتنا».
بينما يستهزء آخر «هذا هو المطلوب منا، بكرا بتلاقي هذا المواطن صار عضو في مجلس الشعب».
وكان المطرب شادي أسود، أحد الموالين للنظام سبق ياخور قائلا: «نحنا مالنا غنم، وإذا قالوا امشوا على طريق السفر نحن جاهزين»!
ويحيلنا ثغاء المواطنين في الداخل الى قصة الطفلة السورية نور ليث إبراهيم، حين خرجت من البلاد، والتي وصفت بالأذكى في العالم، بعدما حصلت على المركز الأول في مسابقة الرياضيات العقلية، والتي أقيمت في العاصمة الماليزية. فقد تمكنت وهي تبلغ 12 سنة من حل 235 مسألة علمية في وقت قدر بـ 8 دقائق فقط.
نحن بين مثلين سوريين، ماذا بعد؟ الجميع يدأب على توصيف الأحوال في البلاد، لكن ليس هناك من يضع الحلول، ولو نظريا، نعم نحن في عصر «الماع» الآن شئنا أم أبينا، لكننا بحاجة الى خريطة طريق والى حلول لا توصيفات شبعنا منها!
فلة تدعو شعبها لمنع ترشح بوتفليقة
لم يُعرف عن النجوم في المغرب العربي، الذين شكلوا حالة فريدة في الفن الحديث التدخل في السياسة، كما كان الحال دائما في مصر والمشرق ودول الخليج العربية، حيث كان هؤلاء ركنا أساسيا في تثبيت زعامات وقيادات هذه الدول، وفي كثير من الأحوال كانوا وقودا لتصفيات سياسية ليس لهم فيها دخل، سواء عن طريق المنع أو الترحيل أو النفي عن وسائل الإعلام، والى غير ذلك مما تحمله الذاكرة الفنية العربية.
ما يغير هذا النهج غير المكتوب ما أثارته يوم أمس الفنانة الجزائرية فلة، حينما طرحت فيديو تدعوا فيه جيش بلادها الى منع «العهدة الخامسة» للرئيس عبدالعزيز بوتفليقة.
الفنانة، التي وصفت مباشرة بأنها تمر بانهيار عصبي – لعزلها جماهيريا – تدعو إلى انتفاضة «سلمية» تقودها النخبة المثقفة في البلاد، قائلة «جاء اليوم دوركم أيها الدكاترة والمحامون لتنقذوا بلادكم من منزلق خطير».
وبدت المطربة الجزائرية ساخطة في الفيديو، الذي تم حذفه من صفحتها على إنستغرام، لكنه انتشر عبر مختلف مواقع التواصل الاجتماعي.
لم نسمع من قبل أن فنانا من دول المغرب العربي، لعب دورا، حتى لو كان متواضعا في سياسة بلاده، ولعل فلة تدشن عهدا جديدا في التاريخ الفني المغابي.
وانتشار الفيديو بتلك السرعة وهذا الاتساع، ليس بالأمر العادي، وهذا يؤكد الدور الذي يمكن أن يلعبه الفنانون والفن في إلهام الناس ومساعدتهم على التغيير. فحتى الآن كان دور الفنانين الترفيه والقوة الناعمة، في كل الدول العربية، فقط في خدمة الأنظمة السياسية، وليس العكس.
٭ كاتب من أسرة «القدس العربي»