أي مستقبل لمجلس التعاون الخليجي؟

الدوحة - "القدس العربي":
حجم الخط
0

عندما تم تأسيس “مجلس التعاون الخليجي” قبل حوالي 40 سنة، كانت الأهداف الاستراتيجية، فضلا عن مواجهة مخاطر الحرب العراقية – الإيرانية، هو إرساء التعاون السياسي والإقتصادي بين دول الخليج، ومواجهة التحديات الأمنية والعسكرية التي من شأنها أن تّعرض أمن الخليج ووحدته إلى خطر. ليأتي الخامس من يونيو/حزيران 2017، ويوقع شهادة رسوب في تحقيق هذه الأهداف، وتفكك أحد أنجح مشروعات التكامل الإقتصادي في العالم.

لم يكن أحد يتوقع أن مجلس التعاون الخليجي الذي صمد منذ عام 1981 أمام تحديات كثيرة مرت بها المنطقة، يمكن أن يصل إلى هذه المرحلة من التصادم الذي بلغ ذروته بفرض ثلاث دول خليجية حصاراً شاملاً برياً وجوياً وبحرياً، على دولة عضو في هذا التجمع الذي كان مثلاً يحتذى به في الإنسجام والتجانس بين أعضائه. فمن بين مشاريع التكامل التي تم إنشاؤها في المنطقة، على غرار إتحاد المغرب العربي ومجلس التعاون العربي، فقط مجلس التعاون الخليجي الذي تمكن من البقاء ومواجهة الأزمات السياسية والاقتصادية. لكن الأزمة الخليجية ضربت هذه الهيئة الخليجية في العمق، فعندما تم تأسيس هذه المنظمة كان الجميع منشغلاً بهاجس واحد هو كيفية درء المخاطر والإعتداءات التي يمكن أن تأتي من خارج مجلس التعاون، الذي نجح في إدارة اثنين من أشد الأزمات تعقيداً، الحرب العراقية – الإيرانية وغزو العراق للكويت.

لم يكن أحد يتوقع في الخليج أن يأتي التهديد من داخل البيت الخليجي، وهو الأمر الذي أربك كل اللاعبين السياسيين في المنطقة، كما أثار دهشة وتنديد العديد من المنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية.

أضرار بالشعوب

وقد وصف العديد من الملاحظين أن الأزمة الخليجية بأنها أزمة “استثنائية” وغير مسبوقة ليس في تاريخ العلاقات الخليجية – الخلجية، وإنما في تاريخ العلاقات الدولية أيضا، حيث ضربت الأزمة استقرار المنظومة الخليجية في عمقها وهددت أمن الدول الخليجية وقدرتها على التأثير في محيطها، وتركت آثاراً جانبية انعكست سلباً على الشعوب أكثر من الأنظمة، وأثرت على التواصل بين الأسر في قطر ودول الحصار الخليجية، كما أدت إلى فقدان الثقة ليس بين الدول الخليجية فحسب بل أيضا بين الشعوب، فقد أخرج الحصار المفروض على قطر منذ سنتين كل الرواسب الإجتماعية الكامنة وحرك النزعات القبلية الضيقة، وكأن الذي أشعل فتيل الأزمة خطط لأن تصل إلى هذا المستوى من الإضرار بالشعوب، لتعقيد إمكانية تجاوز تبعاتها في المستقبل.

تعرض المجلس لعدة هزات داخلية وخارجية من قبل، لكنها لم ترق فعليا إلى مفهوم الأزمة بالمعنى الدقيق للكلمة

ومع ذلك، وعلى الرغم من أن مجلس التعاون لم يرتق إلى مستوى الطموح كمنظمة إقتصادية وسياسية وأمنية مشتركة بين دول الخليج، ولم يكن له دور فاعل وكبير في تسوية الخلافات الخليجية – الخليجية والخليجية – العربية المستمرة منذ عقود، إلا أن تجدد الصراع الخليجي – الخليجي على الساحة العربية، مرشح لأن يطيح بهذا المجلس إلى الأبد.

لقد تعرض المجلس لعدة هزات داخلية وخارجية من قبل، لكنها لم ترق فعليا إلى مفهوم الأزمة بالمعنى الدقيق للكلمة، إلا أن الإختلاف السياسي والإيديولوجي وصراع النفوذ بين السعودية وقطر مؤخراً، فاقم الوضع السياسي الخليجي وأدى إلى تأزيم الوضع بشكله الحالي، وهذا بدوره أنعكس سلباً على العلاقات الخليجية – الخليجية بشكل عام، وأدى إلى تجدد الخلافات وتهديد مجلس التعاون الخليجي بالإنهيار التام.

وتبدو الأزمة الحالية التي يمر بها المجلس، مختلفة كثيراً عن الأزمات التي مر بها على مدار السنوات الماضية، إذ أنها انبثقت من داخله وتثير مخاوف وجودية عليه ككيان سياسي، فمنذ اندلاعها قبل سنتين وهي تراوح مكانها وتبدو يوما بعد يوم في وضع أسوأ.

ليس كتلة واحدة

ويبدو المجلس حاليا منقسما بصورة واضحة، إذ تبدو قطر في جانب واحد، في مواجهة حلف يشمل السعودية والإمارات والبحرين، بينما تبدو كل من الكويت وسلطنة عمان في حالة أقرب إلى الحياد، وهو ما يعني في نهاية المطاف أن المجلس لم يعد من وجهة نظر العديد من المراقبين كتلة واحدة. بل أن البعض أصبح يطرح فعليا هذه الأسئلة : هل حان الوقت لإنهاء مجلس التعاون؟ ما جدوى استمرار مجلس التعاون في ظل هذه الأزمة؟ هل انهار مجلس التعاون بعدما انقسم أعضاؤه في أول أزمة حقيقية تهز أركانه؟

تبدو كل من الكويت وسلطنة عمان في حالة أقرب إلى الحياد

وإذا تُطرح مثل هذه الأسئلة حول مصير مجلس التعاون بعد سنتين من الشلل والجمود، فإن الأمر يتعلق أساسا بسقوط كل الرهانات على الآمال التي كانت معلقة على هذه الهيئة لتحقيقها لفائدة الشعوب الخليجية. فانهيار مجلس التعاون يعني سقوط الرهان على تحقيق الوحدة الاقتصادية، فلا عملة خليجية موحدة ولا سوق خليجية مشتركة ولا تعاون اقتصادي ولا تبادل تجاري.. وأكثر من ذلك مزيد من تقطيع لأواصر العائلات، وتضييق لحرية السفر، وتكميم للأفواه، وتصعيد للتراشق الإعلامي، ومنع للتواصل الثقافي والرياضي والإجتماعي.

وعليه فإن الخطوات المقبلة التي تخص مجلس التعاون الخليجي، ستكون من دون أدنى شك، متعلقة بظروف وملابسات الانسحاب التدريجي من عضوية هذه الهيئة، التي لم يعد لها وجود فعلي كمنظمة خليجية.

 

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية