أُفٍّ في العربية هو اسم فعل مضارع وهو بمعنى أتضجّر فمعناه مقترن بالبرم بالغير أو بالنفس وإبداء التضجّر الصريح منهما. ونحن نجد في القرآن هذا الاستعمال ففي سورة الإسراء (23 ) يقول تعالى: « فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّۢ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلا كَرِيما». يعتبر ابن كثير في شرحه لعبارة (أفّ) في هذه الآية إنّ التأفيف هو أدنى مراتب القول السّيئ؛ محجّر قوله للوالدين فاشتقّ المفسّر من الاسم مصدرا (التأفيف) وسمّى به أدنى مراتب القول السّيئ، الذي ينهى عن قوله بحضرة الوالدين. ويبدو التأفيف نقيضا للقول الكريم الذي يأتي في سياق الآية نفسها. فالتأفيف هو إصدار أصوات للتذمّر، وهذه الأصوات الساذجة الدالة يصدرها الإنسان وتدلّ بالطبيعة على المعاني كأن يسعل المرء فيفهم منه أنّه مريض، أو يَشْخِر فيفهم منه غير المنتبه إليه أنّه نائم؛ أو يصدر عند الألم صوتا يفهم منه أنّه يتألّم. فقول القائل (أفٍّ) كقوله (أحْ) عند الألم أو (أَخْ) عند النوم.
هذه هي مرحلة الأصوات الطبيعية التي ناقش النحاة العرب القدامى دلالتها فذهبوا إلى أنّها، على النقيض من الكلمات اللغوية تكون دالّة بالطبع لا بالوضع، ولذلك أخرجوها من حدّ الكلمة فهي أصوات ساذجة طبيعية، وليست كلمات دالّة. يبدو أنّ الشرّاح والمفسّرين لم يفصلوا بين (أفّ) بما هي صوت طبيعي، يمكن أن يصدره الإنسان عند الضَّجر، أو للتنفيس، و(أفّ ) بما هي كلمة متواضع عليها، أو اسم فعل يعامل في التركيب معاملة فعل فيقال (أفّ منّي وأفاّ منك). فصوت (أح ) عند الألم أو (أخ) عند النوم يصدر بغير قصد التواصل، لكنّ (أفّ) يصدر بقصد التواصل، ولذلك يعامل في النصّ القرآني على أنّه فعل واع يعيّر بمعيار الأفعال المنهيّ عن الإتيان بها. إنّ قول (أفّ) هو في سياق الآية فعل قول كامل كما نقول اليوم في البراغماتية، أي أنّه قول له وظيفة في التواصل وله لازم يؤدّي إلى إغضاب الأبوين، ولذلك نُهي عنه. حين يقول الولد (أفّ) للوالدين فإنّهما يكون قد أنجز فعلا بهذا القول، كما ينجز المادح مدحا والهاجي ذمّا العاشق غزلا. فإذن (أفّ) ليست صوتا طبيعيّا، كما قال ذلك النحاة العرب لا وعي فيه ودلالته تكون بلا، ولا قصد إنّها أكثر من لفظ كامل فهي قول يقال يرمي منه قائله إلى التأثير في الكون لنقل إنّه يرمي من ورائه إلى أن يبدي ضجره وانزعاجه من أبويه اللذين سببا له ما يزعج. أن تزعجني فتأفف ردّا على إزعاجك فهذا ردّ فعل لكنّ قياس ذلك الفعل بمقاييس الأخلاق الدينية هو ما رمى إليه النصّ.
ومن جهة أخرى، فإنّ اعتبار (أفّ) اسم فعل مضارع بمعنى أتضجّر فيه شيء من التأويل، الذي قد يصيب مرّة لكن ليس كلّ مرّة. التوفيق في باب اسم الفعل هو أنّ النحاة أوّلوا الأسماء بالأفعال التي تناسبها، ويمكن أن تحلّ محلّها في الإسناد. يعني النحاة أنّك بدلا من أن تأتي بالفعل (أتضجر) فإنّه من الممكن أن تعوَّضه باسم هو أكثر تجريدا منه، هو ليس مصدرا من نوع (تَضَجُّر) بل هو اسم له من القوة التعبيرية والاستبدالية ما لا يمكن أن نجده في الفعل فبدلا من أن تقول (أنا أتضجّر منك) تقول (أفّ منك) وبدلا من أن تقول (أنا أتضجّر من نفسي) تقول (أفّ منّي) وهذا ما نجده عند أبي العلاء المعرّي إذ يقول عن الساسة في عصره وعن نفسه: (يسوسون الأمور بغير عقل/ فينفذ أمرهم ويقال ساسه// فأفّ من الحياة وأفّ منّي / ومن زمن رئاسته خساسه). فاستعمل المعرّي اسم الفعل تعويضا واستبدالا من الفعل أتضجّر، واسم الفعل أقوى في معنى التضجّر من الفعل نفسه، لأنّه كنّى عن الشعور ولم يسمّ، ورمز ولمّح وما صرّح.
وذكر أنّ من العرب من ينصب أفّا يحمله على سحقا وبعدا وهي إلى اللعن أقرب. لقد ذهبنا في (أفّ ) مذهبا نحويّا يحملها على التضجّر، لكن ماذا لو حملناها على ما حملته عليه لغات أخرى في أصوات مشابهة. ففي الفرنسيّة فإنّ Ouf هي من الأصوات التعبيرية الدالة على التعجب، وتدلّ على الارتياح.
لكن ماذا لو استعملنا بدلا من أتضجّر فعلا مشتقّا من (أفّ) مثل (تأفّف) وهو صيغة فعليّة مستعملة رديفا لتضجّر؟ في هذه الحلة يكون لـ(أفّ) طابع إنشائي ليس للفعل (تأفّف). للأسماء المولّدة من الأصوات هذه القوة الإنشائية التي ليست في الأفعال المولدة منها، فللأفعال قوّة إخباريّة في الأصل ففي قولك (أنا تأفّفت) ضرب من وصف كون واقع أخبر عن وقوعه، لكنّ في (أفّ منك) قوة قول ليست هي وصف التضجر، بل الشكوى، أو التنفيس، أو التنبيه، أو غير ذلك من المعاني التي تصاحب قولك (أفّ). بعبارة أخرى لا توجد (أفّ) واحدة تفيد التضجر، بل توجد معان كثيرة معنى التضجر، هو واحد فقط منها والقرآن قصد ذلك المعنى المقامي دون غيره. فمن الممكن أن يقول الولد أمام والديه (أفّ) في سياقات كثيرة كشكوى الزمان، أو الإنسان، أو كلم الوجدان يريد من الأبوين أن يعيناه. لا تقل لهما أفّ تفهم في هذا السياق المنبوذ، بمعنى لا تجعلهما مصدر انزعاجك ليس هذا فقط يضاف إلى ذلك أنّك تصرّح لهما بأنّهما مصدر الانزعاج. أن تتضجّر من شخص فذلك إنساني، وأن تتضجّر من قريب أو حبيب فذلك ممكن لكن أن تصارحه بأنّك متضجّر منه هو ما يرتب في الأخلاقيّ لأنّه سيكون قاسيا عليه.وأن تصف لشخص أنّه منبع ضجرك أقلّ قسوة من أن تتأفف منه بحضرته. الصوت أكثر إيلاما من القول، لأنّه لا يصف بل ينشئ، ولا يجعلك طرفا في رسالة، بل يجعلك مثارا لغبارها.
ونحن نجد في شرح الطبريّ أنّ أف كلمة تطلق على كلّ مشين من الكلام (كلّ ما غلظ من الكلام وقبح) فهي في هذا المعنى يمكن أن تكون في معنى اللعنة، أو الشتم أو غيرهما. وذكر أنّ من العرب من ينصب أفّا يحمله على سحقا وبعدا وهي إلى اللعن أقرب. لقد ذهبنا في (أفّ ) مذهبا نحويّا يحملها على التضجّر، لكن ماذا لو حملناها على ما حملته عليه لغات أخرى في أصوات مشابهة. ففي الفرنسيّة فإنّ Ouf هي من الأصوات التعبيرية الدالة على التعجب، وتدلّ على الارتياح. وفي الفرنسية توجد عبارة مسكوكة تعني أنّ المرء لم يجد الوقت ليقول أفّ بمعنى لم يجد الوقت لينطق بأيّ كلمة، أي ليفصح ويبين ويدلّ على بعض ما استكنّ في نفسه. وفي اللغة الإنكليزية تستخدم عبارة التعجب phew القريبة من العبارتين العربية والفرنسية للتعبير عن السعادة، التي تعتور قائلها لأنّ شيئا مكدّرا قد مرّ وكان موشكا على الوقوع.
لا نريد أن نقول من خلال هذه المشابهة إنّ الأصوات المتشاكلة يمكن أن تستعمل ثقافيّا في التعبير عن المعاني المختلفة؛ بل إنّ الثقافة يمكن أن تعيّن الصوت من وجهة نظر مختلفة، فمن المحتمل أنّ من يتأفّف أو يقول أفّ قد يكون من وجهة نظره هو باحثا عن تنفيس بقطع النظر عن كون ذلك التنفيس لأمر يثقل عليه أو يؤرقه؛ لكنّ تسمية الاسم بفعل التضجّر هي قراءة تميل إلى جعل المتأفف أميل إلى الشكوى منه إلى التنفيس . حين تقول أفّ أنت تتضجّر لكنك تطلب بالصوت راحة مثلما أنك حين تتألم تطلب بالصوت راحة لكنّنا حين نتواضع على هذه الأصوات نميل ثقافيّا إلى ضرب من الترجيح فإمّا أن نكون إزاء هذا المعنى، أو إزاء آخر مجاور له: إزاء أنّك تتألم أو إزاء أنك تنفّس عن ألمك بصوت، وبين الرؤيتين قراءتان من وجهتي نظر مختلفتين: طلب الراحة أو إفشاء الصراحة التي هي في هذا السياق عنوان وقاحة.
أستاذ اللسانيّات في الجامعة التونسيّة