إنْ لم تَتِيهُوا اليوم… فغدا!

أمر غريب يحدث لمن أراد أن يربط بين الكلم اشتقاقيّا؛ سيجد نفسه يرحل من معنى إلى آخر بعيد عنه وهو لم يغادر بعد الأصل الحرفي الواحد الذي يربط بين تلكم الكلمات، والذي يسمّيه الدارسون الجدد الجذر، وسمّاه النحاة القدامى الأصول أو الحروف الأصول. لنأخذ على سبيل المثال الفعل (تَاهَ) فإنّ له علاقة دلالية معقولة مع (تائه ومتاهة وتوهان وتتويه) وغيرها من العبارات الدالة على الضياع في المكان، أو في الزمان، أو في الوجدان.
يحتاج باحث اللسانيات اليوم، أو لغويّ الأمس، أن يبيّن ما المعنى الأصلي الذي انبنت عليه بقية المعاني، أو «تطوّرت عنه». اعتمد القدامى في إثبات المعنى الأصلي على المعنى الحقيقي أو المادّي أو المحسوس، واعتبروا المجاز تطورا عنه، وهذه فكرة يمكن أن نجد لها ما يفسّرها إدراكيا.
اللسانيّون العرفانيّون اليوم نهجوا في ترتيب هذه المعاني على ما سمّوه المعنى الطرازي، أو على أجود أمثلة المعاني وبنوا عليها غيرها قربا أو بعدا. ونحن سنعود في هذا المقال إلى الرأيين القديم والحديث، بالعرض والتفصيل اعتمادا على معنى (تاهَ) في العربية.
الأقرب إلى تفكير العرب أن معنى الضياع في المكان هو المعنى الأصلي لهذه الكلمات التي ترتبط اشتقاقا بالجذر (ت. و. ه) لأنّه المعنى المحسوس والمادّي، وبقية المعاني التي يفيدها الجذر نفسه وهي، الحيرة والجنون والهلاك، هي مجازية مبنيّة عليها وأغلبها تطوّر مجازي للمعنى الأصلي. في المعاجم ما يدلّ على أن (تاهَ) وما اشتق منها من الأسماء أو ما انشعب عنها من الأفعال المزيدة قد يدلّ على المعاني البعيدة عن معنى الضياع والضلال ففي تاه معنى استدامة البصر والحيرة واضطراب العقل والجنون والتكبّر والهلاك. الذين يجعلون الأصل في الدلالة ما كان لمعنى محسوس، عادة ما يرتكزون على أن اللغة استعملت لأغراض حسيّة مادّية قبل أن تتطوّر المعاني، وتصبح مجرّدة متعقَّلة فينصرف المعنى إلى المجاز كالمتباعد التائه عن معناه الأصليّ. لكنّ هذا التصوّر ليس عليه دليل. فمن قال مثلا أن الإنسان عرف معنى الضياع قبل أن يعرف معنى التكبّر حتّى نقول إن (تاه) في المعنى الأوّل أصليّة.
فمن الممكن أن يكون الإنسان تائها بنفسه معجبا بها في لحظة لا علاقة لها بضياعه في المكان، بل إن الضياع في المكان نفسه معنى عقليّ دالّ على فقدان الذهن مساره الذي تعقّله أوّل مرّة ونسيانه. ولا حجة غير الحجة الذهنية تعتمد في تمييزنا بين شخص يمشي بلا ضياع، وآخر ضائع إلاّ أن يعلن هو بنفسه ونتيجة لمراجعة ما، أنّه قد ضاع أو أن نعلن نحن عن ضياعه، بل أن ما في النصوص المقدّسة وفي الأساطير ما يدلّ على أن الخلق البشري مرتبط بالتيه والكبر، بدءا من قصة خلق آدم في القرآن وصولا إلى أسطورة نرسيس الإغريقية. فبناء على المصدر القرآني فإنّ إبليس رفض أن يسجد لآدم، لأنّ به تيها وكبرا جعله يرى عنصره أفضل من عنصر آدم. قال تعالى في سورة الأعراف (12) ﴿ قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ ﴾. إن الشعور بالأفضلية هو ضرب من التيه والاعتداد بعنصر الخلق ومادّته، فالتيه الذي يمكن أن يحمل على أنّه تطور من الضياع في المكان هو أكثر علاقة بقصة الخلق الأولى، بعبارة أخرى عرف الإنسان التيه والكبر قبل أن يعرف كيف ضاع. الأمر نفسه يقال في أسطورة نرسيس بديع الجمال الذي سجد عند ساقيه كل البشر، وكان عاشقا لجماله فتَاهَ بصورته المنعكسة في الماء حتى قضى نحبه. أنت ترى أن معنى مات التي قد تبدو لك معنى متطورا في تاه هي متطورة سببيّا لا من ضياعه في المكان، فهو ملازم بحيرته العاكسة لوجهه، بل مرتبطة بمعنى تاه التيه والإعجاب بالنفس.

يقول بعض الدارسين العرفانيّين، إنّنا نفكرّ بالإحالة على نقطة مرجعيّة عرفانيّة، يعني بذلك أن المرء يفكّر باستحضار كيان بارز ونموذجي بالنسبة إليه هو الطراز. وبناء عليه نحن نؤسّس لاتصال عقلي مع عناصر أقلّ منه بروزا.

قد يعتقد من يقرأ كلامنا هذا أنّا نخلط بين ترتيب الأفعال من جهة حقيقيّة ومجازيتها، وترتيب وقوعها في حدث من الأحداث. جوابا عليه نقول إن سيرورة الأحداث في قصّة قرآنيّة أو أسطوريّة أو واقعيّة هي دليل على أن حاجة الناس إلى المعاني ليست مرتّبة الترتيب الذي يريده له أصحابُ الحقيقة والمجاز. لو صدقنا أن المعاني تتطوّر من حقيقة إلى مجاز لاقتضى منا جدلا أن نصدق أن الإنسان كان أوّل عهده حسّيا، ثمّ صار عاطفيا، أو عاقلا فانتقل من طور الحسّ الحركيّ إلى العقليّ، وهذا لا يمكن تصديقه لأنّ معالجة الإنسان لأنشطته بما فيها معالجته لنشاطه اللغوي تجمع بين الإدراك العقليّ والتصوّر؛ وأنّ عمل الذهن يكون بمُدخلات يمكن أن تكون حسّية ويمكن أن تكون بمعطيات يجردها العقل ويبنيها من غير ارتكاز على الحواسّ اللاقطة. وأنت تسير في اتجاه لا أحد يعلم أنّك تائه ولا يمكن أن يقرّر الإنسان أنّه ضاع في المكان، إلاّ إذا وعى بأنّه فقد الطريق الصحيحة. أمّا قبل ذلك فإنّ وعيه يقوله له إنّه يسير في الطريق الصواب. إن التباس المعنى الحقيقي بالمعنى المجازي يجعلنا لا نسلّم بهذا المسار في القول بتطوّر المعاني.
يقول بعض الدارسين العرفانيّين، إنّنا نفكرّ بالإحالة على نقطة مرجعيّة عرفانيّة، يعني بذلك أن المرء يفكّر باستحضار كيان بارز ونموذجي بالنسبة إليه هو الطراز. وبناء عليه نحن نؤسّس لاتصال عقلي مع عناصر أقلّ منه بروزا. في ثقافتي أربط بين شجرة الزيتون التي هي طرازية، وشجرة الموز التي ليست موجودة في بيئتي بشجرة الزيتون يمكن أن أفهم شجرة الموز. وفي سياقنا الحاليّ ينبغي أن أفهم معنى الموت مثلا الذي في التيه من معنى الضياع أو التكبر. لكننا لا يمكن أن ننطلق من النقطة المركزية نفسها، ففي ثقافة الملوك الذين يكون الكبر عنصرا من عناصر ثقافتهم اليوميّة، يمكن أن تفسّر لهم معنى الضياع في المكان وليس العكس.
بناء على ذلك نقول إنّنا نربط بين المعاني التي للأسرة الاشتقاقية الواحدة حتى خارج نطاقات البحث اللغوي، لكنّنا نفعل بالنسبة إلى نقطة مرجعية عرفانية. إنّ بين معاني تاه التي ذكرناها نسبا كبيرا يحيلنا على عبقرية العقول التي جعلت بعض المعاني رافدا لبعض، وهذه هي عبقرية المتكلمين التي لا عبقرية تضاهيها. يمكن أن يكون معنى التيه في الأرض معنى مرجعيّا يمكن أن يشرح لنا الربط بين معنى الضياع والكبْرِ(أنظر المائدة 26) صحيح أن الضياع لا يوصل إلى معنى الكبر، لكنّه يمكن أن يفسّر على أنّه فقدان للبوصلة فمن أضاع المكان فقد البوصلة التي تهديه إليه، ومن تاه كبْرا أضاع بوصلة الإنسان السويّ المعتدل الذي لا يمشي في الأرض مرحا، لكن لا يمشي فيها ذلاّ وهوانا.
هناك عند البشر مسارات معلومة وعلامات تدلّ عليها، فإن تسير شرقا يعني أنك تسير في مسار طلوع الشمس، وإن تسير بلا كبر يعني أنك تسير في غير وجهة نفسك، التي تعجبك ففي المعنيين بوصلة واتجاه إن ضاع تاه المرء. والتيه في البصر واستدامة النظر تعني تيها له وهذا بالنسبة إلى الناظر يعني ضربا من شرود الذهن. فالبصر علامة على شروده أي منبّهة إليه، رغم أن النظر يكون ثابتا ولا يقول شيئا، فإنّه بثباته قد أضاع عادته، وهو أن لا يثبت وأن تتحرك العين فذلك حالة أصليّة في نشاطها أصليّة. ضياع الذهن بين ثنايا التفكير الكثيرة هو كضياع من بدّد السبل وحار بينها: أيّها يسلك؟ وأخيرا فإنّ الضياع في معنى الموت هو معنى لا يتعلق بمن مات بل بمن فقده: قد يضيع الحيّ فنرسل في أثره من يجده وقد يضيع البصر فننبّه صاحبه إلى شروده؛ لكن أن يضيع المرء بالفناءِ فلا رادّ له ولا بوصلة تهديه. تيه الحياة حقيقة فهي متاهة كبرى تقول لنا: يا بني البشر إن لم تتيهوا اليوم.. فغدا..

أستاذ اللسانيّات بالجامعة التونسية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية