كُتب الكثير في الصداقة والصديق فلا تنتظر مني أيها القارئ الكريم أن أحدثك في هذا الموضوع من جديد، فقد تكون موجوعا ملتاعا فيكفي ما بك من هم الصداقة وحكاياتها؛ وأما إن كنت سعيدا بمن تصادق فأسعد وازدد.
يشدني وأنا أسمع مقطعا مغنى من «رسالة من تحت الماء» لقباني يقول: (إن كنت صديقي.. ساعدني كي أرحل عنك) فشدني كالعادة ما يشد اللغوي من مسائل لا تدور بخلد غيره من المستمعين المستمتعين. ظللت أقلب الجملة حتى استقرت بي التقليبات عند (إن كنتَ صديقي.. حَارِبْنِي) وشرعت أنظر في الجامع بين البنية الأصلية وهذه البنية الهدف من تناسب وتدافع.
لا شك أن التناسب يكمن في أن البنيتين تنتميان إلى تركيب الشرط التلازمي الذي يتألف مما يسميه النحاة العرب القدامى جملة الشرط (إنْ كنت صديقي..) وجملة الجواب (ساعدْني..) . في كلام نزار قباني، وهو البنية المصدر، تناسب دلالي بين جملتي الشرط والجواب وهو في التلازم بين الصداقة والمساعدة: شرط من شروط الصديق أن يساعد صديقه. تصنع تركيبة الشرط سيناريو مفترضا لا يحال فيه على الواقع أو على المرجع، بل على عالم افتراضي تترابط فيه معطيات ترابط المشهد بموجده الضامن افتراضا لتحققه. لكن العالم الافتراضي الذي في جملتي الشرط وجوابها لا يُبْنى مُستقلا عن العالم الذي يوجد فيه المتكلم وهو عالم الواقع أو الفضاء المرجعي. فنحن نجد في الفضاء المرجعي المتكلم وصديقَه وعلاقة الصداقة التي تجمع بينهما وكانت في الكلام غير محققة، بل مقدرا لها أن تكون. وبما أن هذه العلقة في محل شك فإنها تحتاج للحديث عنها عالما افتراضيا هو الذي بُنى لغويا بالتلازم الشرطي بين الجملتين. وسنسمي هذا الفضاء بالفضاء الافتراضي الذي يجمعه بالفضاء المرجعي أو الواقعي عناصر موازية، ففي الفضاء الواقعي يوجد المتكلم والصديق المشكوك في صداقته والعلاقة، لكن يوجد رهان يطلب تحققه في الواقع هو أن يساعد المخاطب المتكلم إن كان صديقه فالمساعدة هي برهان صداقة.
في نظرية الفضاءات الذهنية لفوكونياي، أن هذا المفهوم الذي ينشأ عند التكلم والتفكير يساعدنا على أن نبني عوالم متوازية، أو متشابهة أو ذات علاقة ما، مع العوالم التي نصفها. هذه الفضاءات تستطيع أن تمكننا من أن نرى أنفسنا أو غيرنا من عوالم أخرى غير التي نحن فيها فعلا أو التي تحيل علينا فيها اللغة باعتبارات كيانات مرجعية فعلية، فعلى سبيل المثال أستطيع أن أصف زيدا بأنه صديقي فأقول (زيد صديقي لأنه يساعدني) في الحقيقة ليس هذا الذي وصفت واقعا، بل هو اعتقاد في واقع ولهذا يمكن أن أستبدل القول السابق بأن أقول (أعتقد أن زيدا صديقي فهو يساعدني) فبعض الأقوال التي تبدو لنا محيلة على وقائع، ليست في نهاية الأمر إلا اعتقادات أو بلغة فوكونياي هي فضاءات ذهنية بنيناها أثناء الكلام وتصورنا أنفسنا فيها وغيرنا على هيئة أو علاقة معينتين. شيء مهم في بناء الفضاءات الذهنية أثناء الكلام أو التفكير هو تنظيمها. فمخاطبة المتكلم في نص قباني، شخصا يحاجه في صدقية صداقته بني بشكل يخضع فيه ذلك البناء إلى تنظيم بواسطة الاعتماد على حقل إدراكي أساسي، هو حقل الصداقة المجرد وحقل المساعدة الخطاطي، لكن هذين الحقلين المجردين تخصصا بالنسبة إلى المتكلم (صديقي/ ساعدني). ووراء هذين الحقلين المجردين، حقل يبنى عليهما اقتضاء هو حقل الاختبار الذي يجمع بين توفر المساعدة وصدق الصداقة بعبارة أخرى حتى تكون صديقي عليك أن تساعدني، وإلا فإن ما يجمع بيننا شيء آخر ليس هو الصداقة، لكن المساعدة التي تنكشف بمواصلة الاستماع إلى كلام قباني هي مساعدة على الفراق (ساعدني كي أرحل عنك).
الشرط الذي في البنية الشرطية معجز لأنه بتوفره ينتهي مفهوم الصداقة: الصداقة في مفهومها الاجتماعي مبنية على المساعدة على الحضور وعلى تمتين درجة الاتصال والتقارب وتكثيف اللقيا. هذا هو حقلها الذي تنتظم حوله في الثقافة المحيطة بنا، أو في ما يسمى بالحس المشترك.
الشرط الذي في البنية الشرطية معجز لأنه بتوفره ينتهي مفهوم الصداقة: الصداقة في مفهومها الاجتماعي مبنية على المساعدة على الحضور وعلى تمتين درجة الاتصال والتقارب وتكثيف اللقيا. هذا هو حقلها الذي تنتظم حوله في الثقافة المحيطة بنا، أو في ما يسمى بالحس المشترك. في العوالم الممكنة لا توجد ماهيات ثابتة ولا توجد تجارب متواضع عليها وفي العوالم الحقيقية أيضا يمكن لأي كان أن يضع شروطا خاصة للصداقة كهذه التي تنسف أصلا وعمقا معناها المتواضع عليه. حين تكون صديقي و»أسألك الرحيل» فهذا يعني أني شقي بصداقتك أحتاج منك مساعدتك على أن تتركني، حين تتركني أشعر بجحيم الفراق، لكنه جحيم في تقديري وفي تصوري في هذا العالم المفترض يكون أقل استعارا من رفقة حارقة. الفضاء الموازي الذي صنعه الشرط لا يبني معنى شعريا مثلما يعتقد، إذ لا وجود لفضاء شعري مبني بحقول خاصة إنما الفضاء الذي بناه الشرط هو فضاء يصف علاقة حيوية تبدو غريبة إن نحن قيمناها بوسائل تجربتنا العامة، ومألوفة إن نحن نظرنا إليها بمنظار يطل على التجربة من الموضع نفسه الذي أطل منه الشاعر المتكلم المتألم من لظى الصداقة. إن الفضاءات الذهنية التي نبنيها بالشرط، تعيد بناء المعارف التي بنيت مسبقا بشكل آخر، هي لا تقوض القديمة التي نعرفها والتي قد تنتج جملا من نوع (إن كنت صديقي ساعدني كي أقرب منك، كي أستفيد منك، كي أصعد على كتفيك..) هذا الفضاء الشرطي هو فضاء أساسي تقع بالنسبة إليه الأقوال التي من نوع (ساعدني كي أرحل عنك، كي أشفى منك) إن تكسير البناء الماقبلي للمعرفة العامة هو سمة هذا المعنى. في الحياة هناك أقوال تبني من حقول تنتمي إلى خلفياتنا المعرفية الثقافية المألوفة، التي تبنى سلفا في تجاربنا اليومية، لكن توجد أقوال أخرى تنتمي إلى خلفيات معرفية ليست مألوفة هي نادرة تشكلها تجاربنا القاسية وغير المألوفة كتجربتنا مع الحب الفاشل والصداقة الهدامة والحظ المنكود. هي تجارب معروفة، لكن صياغتها المألوفة تسند إليها صفات تخرجها من دائرة الرسوخ أو الثبات، وتضعها في دائرة الفشل. لكن الشعري الحقيقي في قول قباني إن الصداقة استبدلت مفرداتها وظلت صداقة ولم تغادر حقولها لكنها أنبتت المعاني الجديدة فيها، صارت المساعدة تنبت عونا على الفراق وعلى الشفاء من الصداقة نفسها.
في هذا السياق نفسه يكون عنواننا (إن كنت صديقي.. حاربني) الصداقة حرب هي شكل من الأشكال التي بها نبني تجربتنا القريبة في التواصل. ليس هذا من نوع الحب حرب، والتي نجد فيها استعارات من نوع رمت الفؤاد مليحة عذراء، بل هي من نوع أن نبني في الفضاءات الافتراضية شروطا لتوفر الصداقة تحولنا من متقاربين إلى متحاربين: أن يستل كل منا سلاحا باسم الصداقة، فحتى تبرهن أنك صديقي عليك أن تحاربني حربا لا انتصار فيها لمن انتصر، بل لمن انهزم. إن ما يحدث في بنية الشرط هي أن تعيد بناء العوالم الحقيقية بوسائط جديدة، وليس في الشرط منطق مستلهم من هذه العوالم المشكلة ثقافيا تشكيلا مسبقا. إن في الشرط شرطا أساسيا هو أنه يلغي كل القيود الواقعية، إن كنت تحبني طلقني، إن كنت تحبني حررني، إن كنت صديقي ارحل عني، إن كنت طبيبي سممني، هذه أقوال لا تقاس بميزان العقل ولا التجربة بل هي فضاءات ممكنة تتيح لنا أن نرى أنفسنا وقد تقلبت عندنا المفاهيم وغرّبنا وهجرنا المعاني المألوفة وبتنا نساوي بين قطبين من المعاني طرفها الأول مغرق في السعادة، وطرفها الثاني مغرق في الشقاء.
أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية