إيتالو كالفينو في “ناسك في باريس”: ذكريات بليغة وكاشفة لأسرار وخفايا المدن 

هاشم شفيق
حجم الخط
0

للأدب الإيطالي نكهة مغايرة، فيها مسحة شرق أوسطية، والروح الإيطالية قريبة إلى حد ما من روح الشرق، فصقلية خلّفت ثقافتها في تلك الأرجاء، ومدن مثل ميلانو وسردينيا وغيرهما يتجلى فيهما الكثير من التقاليد الشرق أوسطية، وبذا نجد في الأدب الإيطالي، وبالأخص القصة والرواية والشعر، مزايا مشتركة تقترب من روح الأدب العربي.

 ثمة حرارة وتوثّب وحياة في النصوص الإيطالية، وما يكتبه إيتالو كالفينو وغيره من الكتاب الإيطاليين يترك هذا الانطباع لدى قارئه، هذا القارئ الذي تستغرقه هذه الكتابة الطاعنة في الصدق والمعرفة والتجربة اليومية المعيشة .

لقد نقلت بعض أعمال الكاتب والروائي والقاص إيتالو كالفينو إلى العربية، وقد اطلع كاتب هذه السطور على بعض أعماله ولا سيما كتابه البارز “مدن لا مرئية” وهو من الكتب الجميلة التي قرأتها في حياتي، وتركت في أعماقي ميسمها الجمالي والفني، فضلاً عن كتب وروايات مثل “البارون فوق الأشجار” و “السيد بالومار” و”ست وصايا للألفية الثالثة” و”حكايات شعبية إيطالية” وغيرها.

جديد إيتالو كالفينو إلى العربية هو كتاب “ناسك في باريس” وينتمي في نوعه إلى “أدب السيرة” و”الأتوبوغرافيا” و”أدب الرحلة” وهو خير مُجسّد لهذا النوع من الكتابة، حيث لديه المقدرة العليمة باستبطان طابع المدن، والغوص في أعماقها، وكشف بواطنها، ومن ثَمّ تسليط الضوء على أهم ما في هذه المدن من معالم، ومواقع معرفية، وسياحية، وثقافية، وما رحلة أمريكا والسفر إليها، في منحة ثقافية كان قد حصل عليها، إلا دليلاَ ساطعاً على نبع هذه المخيلة الكاشفة، والحالمة، والمستبطنة لزوايا وخفايا، وأسرار هذه المدن، وعيش عالمها السفلي، من أجل لمس الحياة بكل تجلياتها، عن كثب وجس الواقع باليد، والعين، واللسان، والقلب، والروح كذلك.

يستغرق موضوع “مذكرات أمريكية” نصف الكتاب تقريباً، وتستحوذ المقابلات والحوارات والردود الأدبية لبعض الصحف على النصف الباقي.

 أما عن أيامه الباريسية فهي موجزة ومختصرة، ويُلخّصها بثماني صفحات، بينما الذكريات الأمريكية نجدها تستوفي حقّها من الكتاب بأكثر من مئة وعشر صفحات، وذلك ربما يعود إلى كون أمريكا قارة، وتضم أكثر من خمسين ولاية، هذا فضلاً عن كتابته عن عالم جديد وبعيد، وليس قريباً كباريس التي هي في المتناول، أو هي كما يقول أقرب إلى روما، من بعض المدن الإيطالية، أو أنه عالم واحد، ويقصد بذلك أوروبا التي بدأت تنحو بعد الحرب العالمية الثانية، وأفول الحرب الباردة نحو هذا الاتجاه، وهو اتجاه الوحدة الأوروبية.

يبدأ كالفينو رحلته بنيويورك، ويُعجب بهذا العالم أيما إعجاب، وتحوز نيويورك على مخيلته، وتأسر روحه بشساعة هذا العالم، ومدى التطور الذي وصلت إليه هذه المدينة التي لا تعرف أن تنام، أو تسترخي، أو تكلّ من الجمال، والدهشة، والتعب أيضاً، حيث لهاث سكانها في كل اتجاه وشأن وطريقة .

ومما يستهوي كالفينو في رحلته الأمريكية هذه، كما يقول “الذهاب إلى مبنى الأمم المتحدة مع روجيرو أورلاندو، والذي ما أن اكتشف أني في نيويورك حتى دعاني عدة مرات لاكتشاف هذا العالم الذي يعرفه أكثر من أي شخص آخر. أعتقد أن من ناحية المعمار والتأثيث الداخلي فإن مبنى الأمم المتحدة هو أعظم بنيان في هذا القرن، حتى غرف الاجتماعات هي فائقة الجمال، وبغض النظر عن المكان الذي يحتله مجلس الأمن، فإن الهواء الذي يتنفسه المرء في الأمم المتحدة رائع أيضاً، ويعود الفضل بالتأكيد للمعماري لو كوربوزيه”.

زار كالفينو غالبية الولايات الأمريكية، وكتب عن كل واحدة رأيه فيها، عن ناسها وشوارعها ومطاعمها ومقاهيها وساحاتها وحدائقها وثقافتها، وحتى عن رجالها ونسائها، وعن هوليوود وعالمها، وكتب أيضاً عن مصانع الذرة تلك التي صُنعتْ فيها القنابل التي رُميتْ على هيروشيما وناكازاكي.

في كاليفورنيا التقى بالشعراء والكتاب ألن غينسبرغ وفرلنغيتي وجاك كيرواك، وتحدث عن حفلة أدبية في نيويورك دعيت لها جماعة “البيت جنَريشن” ومن ضمنهم جاك كيرواك، ولكنه لم يحضر، كان ثملاً طوال الطريق الذي قطعوه في السيارة القادمة من كاليفورنيا إلى نيويورك، ولقد ذكر ذلك جاك كيرواك في روايته اليتيمة “على الطريق”، كما يتذكر كاتب هذه السطور، وهي نوع من الذكريات واليوميات عن حياة جيل “البِيتْ” العاصفة والمُدمرة والجنونية، حياة ملئت بالشعر والكحول والسهر والمخدرات والموبقات والخروج على المواضعات العامة.

وعن هوليوود يرى أنها منطقة مطاعم ومسارح ونواد ليلية، كأنها برودواي، ولا تملك إلا إنتاج السينما. وبعد ذلك يمضي إلى “لاس فيغاس” وصحرائها، كونها كانت في السابق مدينة الباحثين عن الذهب، فيصفها بدقة عالية، هي ومرتادوها من لاعبي القمار، فهي لا تملك أكثر من شارعين ومليئة بالموتيلات والمطاعم ونوادي القمار الليلية ويقصدها زوار من مختلف الولايات الأمريكية.

يرى كالفينو “نيو مكسيكو” فيكتشف بعين الكاتب الإنساني حياة الهنود الحمر، وبيوتهم المبنية من الطوب الأحمر، وحياتهم البسيطة “إنها أرض خراب بلا شك والزراعة فيها لا تتعدى الخضراوات والفاكهة قليلة للاستهلاك المحلي، والمصانع فيها نادرة، ومع ذلك فالهنود الحمر يستمتعون بمنافع بسبب الصفقة الجديدة “ذا نيو ديل” وتأنيب الضمير الشديد، ولهذا تقدم الإعانة المالية للعاطلين عن العمل وهم معفيون من ضرائب الأرض والأراضي، والغابات ومحميات الصيد، إنهم يعيشون في شيوعية بدائية”.

عُرف كالفينو بشيوعيته، ونضاله ضد الفاشية، ولقد كان منتمياً لصفوف المقاومة وكان يحارب بالقلم والكلام والبندقية، دفاعاً عن نفسه أولاً، وعن ناسه وبلده ثانياً، فاقت شهرته إيطاليا لكتابته التي تتمتع بخيال جديد، ومفارق لغيره من الكتاب السابقين، مثاله في الكتابة والحياة كان تشيزره بافيزي، الشاعر والناقد والمثقف الكبير الذي انتحر لعدم تحمله الأفكار الفاشية، والمثالية، والشمولية عامة.

يذكر كالفينو بافيزي في أكثر من موقع ومكان ومدوّنة، ويعتبره استاذهّ وهو من قدّمه إلى الصحافة والأدب الإيطاليين، ويكن له بالغ التقدير، ويُعلي من شأنه في أغلب ما كتبه، من نثر ويوميات وحوارات .

يتحدّر كالفينو من أسرة متعلمة، ومثقفة، وعائلته تنتمي إلى الطبقة المتوسطة، حارب الفاشيست، وأدان الحروب في كتاباته الكثيرة، وهاجم موسوليني في أكثر من مقال وحوار وكتابة، ويمكن الإشارة إلى مقاله الشهير “صور القائد”، وهو من أجمل المقالات التي قرأتها عن ديكتاتور وقائد فاشي، فموسوليني كانت صوره تملأ الباصات والشوارع والساحات والمدارس والدور الحكومية، وكان موسوليني معجباً بشخصه، وبخطاباته العسكرية، فضلاً عن إعجابه الآخر

بهتلر وفرانكو، لكن هتلر لم يكن يبادله الاهتمام ذاته، فكان يهمله ولا يعير لشخصيته اهتماماً، فجعله مثل بيدق في يده، يحركه وقتما يشاء ويريد .

انتمى كالفينو إلى الشيوعية وهو شاب في اليفاع، وقد قادته حالته النفسية، والمجتمع، والتربية العائلية إلى المشاركة في معاداة الفاشية، والنازية، وأصحاب القمصان السود، وفرانكو وميليشياته، ومكافحة الآراء العنصرية .

حين أصبح شيوعياً، كان يعمل بجد ليل نهار، يوزع المنشورات، وكان مسؤولاً عن تنظيم الطلبة، حارب الستالينية، والأفكار الدوغمائية، وندّد بالاحتلالات الفكرية والعسكرية، وناقش كل ذلك داخل الخلايا الحزبية، حتى ترك الحزب بعد جدل وصراع طويلين مع قادته، ابّان حوادث هنغاريا وربيع براغ، بعد أن ناضل في عصب خلاياه إحدى عشرة سنة .

عمل كالفينو خلال حياته في إحدى دور النشر لفترة طويلة كمحرر لكتبها، وفيما بعد تفرّغ إلى عمله الإبداعي، وعاش على المردود المادي التي تجلبه له كتبه، وندواته الأدبية ومحاضراته الفكرية التي كان يلقيها في معاهد وقاعات جامعات العالم .

كان زاهداً في الأضواء ويتجنّب الندوات واللقاءات التلفزيونية، وقلما ظفر به صحافي لأخذ حديث منه، ولكنه في المآل كان يرضخ للصداقات، وأيضاً كان يسعى لإيضاح ما التبس في كتاباته، ورواياته، رغم ابتعاده الملحوظ عن الدعاية والإعلان عن نفسه، وشخصيته، عكس ما كان يحصل مع الكتاب الأمريكان الذين كانوا يرّوجون ويسوّقون أنفسهم، لكن الأدب الحقيقي هو من يفرض نفسه ويبقى في نهاية المطاف .

في حوار مع أحد محرّري الصحف الإيطالية يقول كالفينو: “يسيطر عليّ حزن لا نهائي إذا كرّرت نفسي، ويجب أن أذكرك حتى أن أكبر صفحة كتبتها باسترسال قد كلفتني جهداً عظيماً، وشعوري بالراحة والرضا لا يكون ألا فيما بعد، بعد الانتهاء من الكتاب”  .

إيتالو كالفينو: “ناسك في باريس”

ترجمة دلال نصر الله

دار المدى، بغداد 2019

 271 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية