الاتحاد العام التونسي للشغل ولعبة كسر العظم مع ساكن قرطاج

ماجد البرهومي
حجم الخط
0

مثل رفض الاتحاد العام التونسي للشغل المشاركة في الحوار الذي دعا إليه رئيس الجمهورية قيس سعيد الحدث الأبرز في تونس وذلك بالنظر إلى أهمية الاتحاد في المعادلة التونسية باعتباره الرقم الصعب الذي لا يمكن تجاوزه مهما بلغت سطوة ونفوذ صاحب السلطة. فمنظمة حشاد هي كبرى المنظمات الوطنية على الإطلاق ولا معنى لأي حوار وطني من دونها باعتبار تمثيليتها لشرائح هامة جدا داخل المجتمع التونسي في القطاعين العام والخاص على حد سواء، وقدرتها على الحشد والإضراب.
وبالتالي فإن رفض الاتحاد العام التونسي للشغل المشاركة في الحوار، الذي وصفه الأمين العام المساعد سامي الطاهري بأنه «حوار رئيس الجمهورية» و«غير القادر على إخراج البلاد من أزمتها» والذي «سيعمقها أكثر» برأيه، هو نكسة للمسار الذي أعلن عنه رئيس الجمهورية للخروج من هذا الوضع الاستثنائي. ولعل ما سيزيد الطين بلة هو إمكانية ذهاب «المنظمة الشغيلة» كما تسمى في تونس، في إضراب عام خلال الشهر المقبل احتجاجا على تدهور الأوضاع المعيشية وضغطا على الحكومة للاستجابة لمطالب الزيادة في الأجور للعمال والموظفين.
وتؤكد سرعة انتشار الخبر، المتعلق برفض الاتحاد العام التونسي للشغل للحوار، في وسائل الإعلام المحلية والأجنبية أهمية هذه المنظمة على الصعيدين الوطني والإقليمي والدولي باعتبارها أول منظمة نقابية عمالية تتأسس في العالم العربي وأفريقيا، وباعتبار تاريخها العريق وقوة تأثيرها في محيطها وخارجه. فهي المنظمة العمالية التي ساهمت في النضال ضد الاستعمار في بلادها وفي بناء الدولة الوطنية، وهو ما جعلها فاعلة في الاتحاد الدولي للنقابات الحرة «السيزل» ومهابة من القوى الكبرى، ناهيك أن المؤسس الزعيم النقابي الراحل فرحات حشاد، الذي اغتيل خلال الحقبة الاستعمارية الفرنسية، شغل في الأربعينات ويصفته رئيسا للاتحاد منصب الأمين العام المساعد للاتحاد الدولي للنقابات الحرة مكلفا بالشؤون الأفريقية.
وبالإضافة إلى قوة تأثيره الخارجي فإن الاتحاد متغلغل داخليا في مختلف القطاعات وقادر على شل البلاد برمتها إذا ما أطلق نفيره للإضراب العام، ولا يمكن للدولة التونسية تجاوزه في علاقة بالمانحين والمفاوضات مع صندوق النقد الدولي الذي لن يمنح تونس القرض المطلوب من دون موافقة الاتحاد. كما أن المنظمات الوطنية الأخرى لا يمكنها توفير السند المعنوي المطلوب لرئيس الجمهورية من دون الاتحاد العام التونسي للشغل بما في ذلك الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والهيئة الوطنية للمحامين والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، أي المنظمات الثلاث التي شكلت سابقا مع الاتحاد رباعيا رعى الحوار الوطني وفاز بجائزة نوبل للسلام ونال شهرة دولية.

حوار غير مشروط

وبالتالي فإنه لا مفر لرئيس الجمهورية من استمالة الاتحاد العام التونسي للشغل حتى ينجح مساره للخروج من المرحلة الاستثنائية وذلك بالإستجابة إلى مطالبه وإطلاق حوار وفقا لرؤية الاتحاد، الذي يبدو اليوم «قويا فوق العادة» مستغلا كما يجب الضغوط الدولية المسلطة على ساكن قرطاج. وقد ألقى الاتحاد فعليا الكرة في ملعب الرئيس عندما أكد على أن هيئته الإدارية ستبقى في حالة انعقاد دائم لمتابعة الوضع، أي أكد ضمنيا أن موقفه غير نهائي وسيتغير مع تغير مواقف الرئيس، وهي رسالة على قيس سعيد أن يتلقفها على غرار الرسالة الأخرى المتعلقة بعدم تحديد موعد دقيق للإضراب العام حتى تراجع الحكومة مواقفها بشأن الزيادات في الأجور.
ومن خلال قراءة في بيان الاتحاد يتبين أنه يريد حوارا غير مشروط ونتائجه غير محددة سلفا، مطالبا بالجلوس على طاولة الحوار وطرح القضايا الملحة للمواطن التونسي بجدية، وبالتالي فإن مخرجات الإستشارة الوطنية الإلكترونية التي أراد رئيس الجمهورية أن يعتمدها يبدو أنها لا تروق كثيرا للمنظمة الشغيلة. كما يرغب الاتحاد في إشراك الأحزاب السياسية التي لم تتورط خلال العشرية السابقة دون غيرها، وبالتالي فهو يرغب ضمنيا في إقصاء تلك التي تورطت خلال العشرية المشار إليها في الدمار والخراب الذي طال البلاد في مختلف الميادين.
ولعل الرفض القاطع للاتحاد في بيانه العودة إلى ما قبل 25 تموز/يوليو 2021 تاريخ تجميد قيس سعيد للبرلمان وحله لحكومة المشيشي، أي ما يسميه معارضو الرئيس انقلابا، يؤكد موقفه السلبي أيضا من الطرف الآخر المعارض لقيس سعيد. وقد انتقد هؤلاء بشدة في بيانه واصفا إياهم بالمستقوين بالخارج والراجعين للدول الأجنبية، معربا عن رفضه لسلوكهم الذي كان انتقده في وقت سابق بعد أن بات البعض يفاخر بالتقاط صور مع السفراء والمسؤولين الأجانب وبالتشكي إليهم من سلوك خصومه في عملية تطبيع مع التخابر مع الأجانب وإقحامهم في الشأن الداخلي التونسي حتى بات الأمر طبيعيا ومألوفا عند أنصار هؤلاء.

اللجان غير فاعلة في غياب الاتحاد

ويبدو أن الاتحاد برفضه للحوار بصيغته الحالية يرفض ضمنيا تواجده بـ«الهيئة الوطنية الاستشارية من أجل جمهورية جديدة» التي أعلن عن تشكيلها رئيس الجمهورية والتي تتفرّع عنها ثلاث لجان هي «اللجنة الاستشارية للشؤون الاقتصادية والاجتماعية» والتي ستضم المنظمات الوطنية الكبرى في البلاد، و«اللجنة الاستشارية القانونية» والتي ستضمّ أكاديميين قانونيين يُعيّنون بمرسوم رئاسي، و«لجنة الحوار الوطني» ويشارك فيها أعضاء اللجان جميعا. وبالتالي، ومع هذا الرفض المبدئي، لن يكون الاتحاد ممثلا باللجنة الإستشارية للشؤون الاقتصادية والاجتماعية مع باقي المنظمات الوطنية، ولن يكون ممثلا بلجنة الحوار الوطني التي ستضم الجميع، فأي مصير ينتظر هذه اللجان من دون وجود الاتحاد الشريك الاجتماعي الأساسي والرئيسي؟ هل يمكن التراجع عنها وهي التي صدر المرسوم المتعلق بها بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية، أي الجريدة الرسمية؟
يبدو رئيس الجمهورية في مأزق حقيقي باعتبار عدم امكانية التراجع عن هذه اللجان التي أرادها ساكن قرطاج الإطار للحوار الوطني، وفي الآن نفسه لا يمكن لهذه اللجان في حال تم تشكيلها واقعيا أن تكون فاعلة في غياب المنظمة الشغيلة. وبالتالي لا حل أمام الرئيس قيس سعيد سوى إقناع الاتحاد بضرورة المشاركة في هذا الحوار كلفه ذلك ما كلفه من تنازلات وترضيات لن يتم الإفصاح عن فحواها وإن حصلت فإنها ستبقى رهينة الجدران المغلقة.
ويربط البعض بين مطالب الاتحاد السابقة بالزيادة في الأجور لمنظوريه المنتمين إلى القطاع العام، والتي لم تستجب إليها الحكومة، وبين مشاركته في الحوار الوطني الذي دعا إليه رئيس الجمهورية، معتبرين أن رفض الاتحاد المشاركة في الحوار هو رد على مماطلة الحكومة في الإستجابة لمطالبه بشأن الزيادات. وبالتالي فإن الاتحاد، برأيهم، سيشارك في الحوار الوطني لو استجابت الحكومة لمطالبه المتعلقة بالزيادات التي تبدو ضرورية مع تدهور المقدرة الشرائية للتونسيين نتيجة ارتفاع الأسعار بشكل جنوني في الفترة الأخيرة والذي فاق قدرة التونسيين على التحمل.
ورغم نفي بعض المنتمين للاتحاد لهذا الأمر جملة وتفصيلا مؤكدين أنه لا علاقة لهذا بذاك، وأنه حتى عند الصياغة ورد رفض الحوار في النص منفصلا عن التلويح بالإضراب العام المتعلق بالزيادات، إلا أن من يربطون بين الحوار والزيادات في تفسيرهم لموقف الاتحاد يصرون على رأيهم وعلى التأكيد بأن مماطلة الحكومة في الزيادات هو سبب رفض الاتحاد الإنخراط في الحوار الوطني. وبالتالي يؤكد هؤلاء على أن الأيام المقبلة ستشهد موافقة على الزيادات ما في ذلك شك، يتبعها انخراط فعلي للاتحاد في الحوار الوطني رغم أن ضغط الوقت ليس في صالح أي طرف حكومي أو سياسي أو نقابي، وليس في مصلحة الخضراء التي تئن في جميع المجالات خاصة وأن الأمر قد حسم بعد أن صدر أمر رئاسي يتعلق بدعوة الناخبين إلى الاستفتاء على مشروع دستور جديد للجمهورية التونسية يوم الاثنين 25 تموز/يوليو 2022 ومرسوم يتعلق بأحكام استثنائية لاستفتاء يوم 25 تموز/يوليو 2022 وآخر يتعلق بتحديد تاريخ 30 حزيران/يونيو كأجل أقصى لنشر مشروع الدستور الذي سيتم استفتاء الشعب عليه.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية