على الأطراف الخارجية أن تترك ليبيا لأبنائها
يؤكد جل الخبراء والعارفين بالشأن الليبي، وأطياف ليبية واسعة، بعضها مغيب عن “مساعي السلام” الجارية، على أن الحل في البلد يجب أن يكون ليبيا-ليبيا بعيدا عن التدخلات الخارجية. ويتفق هؤلاء على أن هذه التدخلات هي سبب البلاء، وهي التي تعطل الحل الذي طال أمده باعتبار أن الأطراف الخارجية المتدخلة في الملف الليبي لا هم لها سوى مصالحها في هذا البلد المترامي من حيث المساحة والغني بالثروات الطبيعية والمقفر أو يكاد من السكان.
فليبيا في نظر القوى الخارجية هي غنيمة حرب وجبت قسمتها، ويسعى كل طرف لنيل القسط الأكبر من هذه العملية، أو هي فريسة لذئاب جائعة لديها رغبة جامحة في الاستفراد بها بعيدا عن باقي القطيع لنهشها. وبالتالي لن يحل الملف الليبي ما دامت هذه القوى لم تتفق بعد على نصيب كل طرف من هذه الكعكة التي تسيل اللعاب خاصة في ظل الأزمات والصعوبات الاقتصادية التي تعيشها كثير من هذه البلدان التي تتصارع على الحلبة الليبية.
فإيطاليا على سبيل المثال، وهي طرف خارجي فاعل في الملف الليبي، تشعر أطراف فاعلة في طبقتها السياسية ماضيا وحاضرا، بالضيم من القوى الكبرى المنتصرة في الحرب العالمية الثانية التي حرمتها من مستعمراتها، رغم قلة هذه المستعمرات، ومن طموحها بالهيمنة على المزيد في حال الانتصار في تلك الحرب. فقد احتلت إيطاليا أهم الأراضي في ليبيا، ولكن في سنة 1947 فقدت روما جميع مستعمراتها في الخارج نتيجة لمعاهدة السلام التي أبرمتها مع قوات الحلفاء المنتصرة في الحرب العالمية الثانية وأصر يومها الإيطاليون على الإبقاء على إقليم طرابلس لكن طلبها قوبل بالرفض من قبل المنتصرين في هذه الحرب الكونية المدمرة.
لذلك يجد الإيطاليون، سلطة ومعارضة ورأيا عاما، أنفسهم أمام فرصة تاريخية استثنائية قد لا تتكرر مستقبلا، لاسترجاع ما يعتقدون أنه حقهم الذي سلب منهم في ثروات ليبيا واحتياطها الهام من النفط والغاز، ناهيك عن العودة عسكريا إلى الضفة الجنوبية للمتوسط. فخلافا لشعوب الجنوب فإن الذاكرة التاريخية للقوى الغربية حية لا يلفها النسيان وتتحرك هذه الدول في كثير من الأحداث بناء على هذه الذاكرة، وهو ما يفسر استنجاد القوى الكبرى في بلد بالمستعمر السابق وتفويضه للتدخل في حال اندلعت أزمة في واحدة من بلدان العالم الثالث، وهو ما يفسر أيضا حديث البعض في إيطاليا عن إحياء أمجاد الإمبراطورية الرومانية وعن عصر موسيليني الفاشي والتواجد الإيطالي في جنوب المتوسط.
وتصطدم السياسة الإيطالية في ليبيا بأخرى فرنسية استعمارية ترغب في ضمان نصيب من الثروة النفطية وأيضا في تأمين الحدود الشمالية للمستعمرات السابقة تشاد والنيجر وحتى مالي، وهي بلدان تؤمن لباريس حاجتها من اليورانيوم الذي يستغل لإنتاج الطاقة النووية. كما أن هناك علاقة روحية تجمع الفرنسيين بجنوب ليبيا حيث شهدت مدينة الكفرة (بضم الكاف) الجنوبية القسم الشهير للجنرال الفرنسي لوكلير خلال الحرب العالمية الثانية والمتمثل بأنه وجنوده من الفرنسيين والافارقة لن يكفوا عن القتال إلا بعد تحرير فرنسا من النازية وبعد رفع العلم الفرنسي في كنيسة سترازبورغ وذلك بعد أن استولى لوكلير على مدينة الكفرة من الإيطاليين قادما من تشاد. وبالفعل فقد نجح جنرال فرنسا الحرة في افتكاك سترازبورغ من الألمان في ملحمة وطنية تحرك وجدان الفرنسيين، واشتهر قسمه في الكفرة، وأصبحت للفرنسيين علاقة روحية مع المدينة ومع سائر الجنوب الليبي باعتبارها طالع خير والمنطلق لاستعادتهم للحرية والكرامة.
ولا يقتصر الأمر على إيطاليا وفرنسا، فهناك أطراف خارجية عديدة لديها مصالح في ليبيا بعضهم يحركه النفط، وبعضهم تحركه أمجاد إمبراطوريات غابرة من دون إغفال المحروقات، وبعضهم نقل صراعاته وخلافاته مع دول أخرى إلى الحلبة الليبية لتصفية الحسابات من خلال أطراف محلية، وبعضهم وكيل لطرف خارجي آخر في تنفيذ سياساته على الأرض الليبية، وبعضهم خسر مستعمراته في أوروبا بعد هزيمته في الحرب العالمية الثانية ولديه رغبة في الولوج إلى افريقيا عبر البوابة الليبية. وجميع هؤلاء يغلبون مصالحهم بالأساس قبل مصالح الليبيين ورغبتهم في حقن الدماء والكف عن الاقتتال وتدمير البلد وبناء دولة مستقرة آمنة تضمن لهم العيش الكريم الذي يكفله نظام يؤمن بالتداول السلمي على السلطة ويضمن الحقوق والحريات.
ولعل فشل مؤتمرات باريس وباليرمو وروما يعود إلى هذه الرغبة الجامحة للبلدان الراعية لهذه المؤتمرات في نيل النصيب الأكبر من كعكة الثروات وضمان المصالح بدون التفكير في الحل الذي يقتضي بالأساس دعوة أطراف ليبية يتم تغييبها عن هذه المؤتمرات لأنها لا تروق للطرف الراعي. ولعل السبب الأخير هو الذي أدى أيضا إلى فشل اتفاق الصخيرات أي إقصاء أطراف ليبية فاعلة قادرة على المساهمة في الحل والاقتصار على فئات لا تمثل عموم الشعب الليبي.
وفشل أيضا مؤتمر برلين لأسباب عديدة منها تركيزه على النفط وتهميشه لمسألة الاقتتال وإراقة الدماء بتوجه استعماري لافت أنبأ بالفشل منذ البداية وذلك بالإضافة لإقصائه لأطراف مهمة وفاعلة في المشهد الليبي وعدم حضور الجارة الأولى المعنية بالصراع الليبي، أي تونس، وذلك بعد التردد في دعوتها ووصول الدعوة متأخرة واعتذار رئيسها عن الحضور. ويعتبر الشعب التونسي الأكثر فهما وارتباطا، من كل شعوب العالم بما في ذلك الشعوب الجارة، بنظيره الليبي، والخضراء هي التي تتحمل عبء الصراع ومسؤولية إيواء اللاجئين الأجانب وترحيلهم عبر مطاراتها في حال تدهور الأوضاع الأمنية في ليبيا وبالتالي أثار التلكؤ في دعوتها سخرية أطراف عديدة من العشوائية التي ميزت عمل برلين التي لم تعتد دبلوماسيتها على لعب دور الوساطة وفض النزاعات بالطرق السلمية وذلك بالرغم من وزنها الاقتصادي الهام.
وانبثقت عن هذا المؤتمر الفاشل بامتياز خطة لم تجد طريقها إلى التطبيق على غرار المؤتمرات السابقة وتتمثل في تشكيل مجلسين واحد عسكري يضم ضباطاً موالين لخليفة حفتر وضباطا موالين لحكومة طرابلس، وآخر سياسي يضم 80 شخصية ليبية يكون بمثابة البرلمان المؤقت، وكلف المجلس العسكري المفترض بإعداد تصور لوقف القتال وتوحيد العناصر الحاملة للسلاح لخلق جيش وطني موحد أو مؤسسة عسكرية في البلاد. ولعل ما يحصل على الميدان اليوم في ليبيا من استقالة للمبعوث الأممي اليائس والمحبط غسان سلامة ومن تجدد للاقتتال في طرابلس رغم كورونا، دليل قاطع على فشل مخرجات مؤتمر برلين الذي اختصر ليبيا في حفتر والسراج ومن يحيط بهما.
فعلى الأطراف الخارجية المتدخلة في الشأن الليبي إن كانت لديها الرغبة في الحل، وهذا مستبعد، أن تترك ليبيا لأبنائها الذين لديهم نسيج اجتماعي وقبلي قادر على إبرام الصلح وإيجاد الحل وليس في حاجة لأي وساطة خارجية. لكن إذا أصر الخارج على تأبيد بقائه عليه اشراك الأطراف الداخلية والخارجية المقصية من المؤتمرات الفاشلة السابقة وهو ما تفرضه حقائق التاريخ والجغرافيا وطبيعة الأمور. فحل الأزمات الدولية لا يتم حسب المزاج بل حسب المصالح والأوزان على الساحة وقدرة الطرف السياسي أو الاجتماعي على التأثير على الميدان. وقد فاوضت الولايات المتحدة حركة طالبان عندما اقتضت الضرورة، والألمان رغم نجاحهم الاقتصادي ما زال بينهم وبين فن إدارة الملفات السياسية الخارجية بون شاسع مثلهم مثل دول كبرى أخرى.