انتشرت في العقود الستة الماضية، الخطابات الحماسية الصاخبة من سياسيينا، ليبقى في الذاكرة الكثير من الاسلوب والقليل من الكلمات، أو بمعنى أصح، طارت المفاهيم وظل الأداء هو العالق في الأذهان.
اليوم خطى التعليق الرياضي على مباريات كرة القدم المنحى التحميسي في الأداء، فمنذ نحو 15 عاماً على انتشار الفضائيات والمباريات الاوروبية والعالمية، استوينا على نوع واحد من التعليق، الذي لا يصب الى في خانة الازعاج.
طبعاً عشاق التعليق العربي بالملايين، وكثير منهم لن يستطيع مشاهدة أي مباراة الا بتعليق الأباطرة الحاليين، الذين لن أذكر أسماء أي منهم، فهم زملاء مهنة، ولي علاقات شخصية مع عدد لا بأس منهم، لكنني لا اطيق الأسلوب والتكرار والاستمرار في السرد والصراخ على مدى أكثر من 90 دقيقة، ومتعتي الحقيقية في أي مباراة لا تكتمل الى اذا حظيت بتعليق انكليزي، الذي يصنف بالهادئ والرزين، على عكس اللاتيني الحماسي، لكن تعليق معلقينا في العالم العربي ليس هذا ولا ذاك.
في بعض الأحيان يكون لدي عمل على جهاز الكومبيوتر او “لابتوب” وتكون المباراة على شاشة التلفزيون، فأفضل الالتفات اليها في حال حدوث ما هو مثير، وطبعاً هذا ينطبق في حال كان التعليق انكليزيا، لكن لو كان التعليق عربياً، فان رمية التماس تكون اثارتها بالغة كاثارة تسجيل هدف الفوز في الثواني الاخيرة، وكثيرا ما كنت التفت بسبب الصراخ الحماسي لأجد صراعاً في وسط الملعب. فما فائدة ان تقع عيني على صورة ما او شخص لأنشد القصائد الخالدة، فيا للروعة ويا للهدف العالمي والتاريخي، وهذا في كل مباراة مهما كانت هوية الفريقين او الدوري او المناسبة.
طبعا ليس كل معلقينا “الحماسيين” لهم التأثير السلبي على ناشدي الهدوء والتروي، فهناك من يقنعك بحسن المعلومة والسرد، على عكس كثيرين يمكن تصنيفهم ضمن معلقي “الراديو” الذين يصرون على سرد كل صغيرة وكبيرة بصوت جهوش بدون ترك فرصة للمشاهد ان يشغل عقله او أن يستمتع بأجواء الملعب والاستماع الى اهازيج الجماهير، أو آهاتهم واحتفالاتهم. وطبعاً سرد المعلومات له فنه ووقته، فلا يعقل ان نستمع لكل المعلومات الممكنة عن الفريقين ولاعبيهما في اول 10 عشر دقائق، حتى وخلال هجمات خطرة، يهملها المعلق لانه مشغول في قراءة المعلومات.
في السبعينات والثمانينات كان لكل بلد معلقوه، ومنهم الحماسيون، وكانوا فعلا قامات رفيعة، اما لاننا لم نعرف غيرهم على شاشة واحدة لم يتح غيرها، او لان التعليق كان يتم على مباريات المنتخب الوطني وعلى الدوري المحلي الذي يخلو من أي أشواك أو ألغاز، قبل ان ينتقل التعليق في مطلع الألفية الجديدة الى عالم جديد من الكرة الاوروبية، والتي فيها من الأسماء الغريبة ما فيها، وهنا كانت كوميديا المعلقين العرب في التعامل معها، قبل أن يتخلصوا من هذه العقدة رويدا رويدا، مع تبقي المزيد من العمل.
في انكلترا، يتم عادة التعليق بوجود معلق، متخصص فقط لاعطاء معلومات لوجستية وجغرافية، لتوجيه من هما الفريقان وأين مركزهما في الدوري، وكم مباراة خاض كل لاعب، ومن غاب بداعي الاصابات، وواقع حال المدربين، ولا يتدخل اطلاقا بالأمور الفنية والتكتيكية، ولهذا يشاركه في التعليق نجم سابق، يركز على هذه الامور الفنية والحالة النفسية للاعبين والخطط التكتيكية المتوقع ان يحدثها كلا المدربين في الشوط الثاني، لنخرج نحن كمتلقين بخدمة كاملة متوازنة في المعلومات وكاملة الفوائد.
أتذكر ان “أم بي سي” حاولت هذا الامر عندما كانت في لندن، ولكن اسقطت الفكرة بعد حفنة تجارب مخيبة، ليس بسبب سوء الفكرة بل بسبب رعونة التطبيق. اليوم هناك خدمة في قنوات “بي ان” سبورتس لاختيار معلقك المفضل خلال المباريات الكبيرة والمهمة، فيا حبذا لو أضافوا اليها خدمة “اللاتعليق”، او قد يضطر كثيرون الى خفض الصوت والاكتفاء بمشاهدة صامتة تقتل الاجواء، فاما الصمت او الاصابة بالصم.