بعد الصراع المحتدم في القنوات الفضائية، الذي ميز دول الخليج في السنوات العشر الماضية، ها هو يتحول أخيرا الى منصات أخرى، هي مواقع التواصل الاجتماعي، التي تزدهر في الخليج العربي، وغدت ساحات لتصفية حسابات، سياسية واقتصادية والأخطر اجتماعية ودينية.
من يتابع نشاطات هذه المواقع هذه الأيام لا يجد فيها نقاشا حول مواضيع علمية أو ثقافية أو جدالا في الأفكار ومشاكل الحياة اليومية، حتى تكاد تكون كلها معاول هدم وتشويه متخم بالتجاوزات، حتى الأخلاقية منها.
ويبدو أن بعض الحكومات الخليجية استطاعت أن تسحب موجة المطالب الإصلاحية فيها ونمو مطالب المجتمعات المدنية على فيسبوك” و”تويتر” و”انستغرام” وتوجيهها الى الانشغال بالتفاهات والصراعات عالية الضجيج، بدل انهماك الناس بالبناء والإصلاح والتغيير الى الأفضل.
الأمثلة لا تحصى، وهناك قصة جدلية فارغة كل يوم، ويوم أمس كانت الضحية الجديدة الإعلامية الأردنية علا الفارس، بسبب تغريدة نشرتها في أعقاب فوز المنتخب القطري في كأس أمم آسيا.
فقد اعتبر مغردون سعوديون وإماراتيون أن الفارس تقصد في تغريدتها منتخب ودولة قطر، قائلين إن الأخيرة تعتبر قطر صاحبة حق في أزمتها مع دول الحصار. وطالب مغردون بطردها من دبي، التي تتردد إليها بعد أن طردت من “أم بي سي”، بسبب حملة مشابهة على وسائط التواصل في وقت سابق، اتهمت فيها بأنها تلمح الى انخراط السعودية بصفقة القرن.
لترد علا الفارس على سيل الانتقادات لها قائلة “عاهات سارحة وربك راعيها… وكل ذي عاهةٍ جبار!”.
وتعاطف معها الإعلامي الأردني لطفي الزعبي، مدافعا: “من يتعرض لحرب إعلامية عليه أن يفهم أنه من المهم أن يدرك أن الأشخاص الذين يحاولون أن يشعرونا بأننا سيئون هم أنفسهم عندهم مشاكل شخصية، وأن سلوكياتهم نحونا تنبع من مشكلاتهم الشخصية، وليست بسبب ارتكابنا لأمور مريعة”.
والفارس واحدة من عشرات الإعلاميين والشخصيات العامة، الذين يتعرضون يوميا لمعارك مفتوحة، أخذت الإعلام والإعلاميين الى زوايا معتمة، تتخفى في صور وأسماء تبدل ملامحها ولهجاتها ومخابئها، تماما مثل الجيوش الإلكترونية الخلبية، التي تهدر طاقاتها المادية والإعلامية والزمنية على توافه الأمور والتخريب، بدل الاستثمار في هذه الوسائط العظيمة، التي تعتبر نعمة على شعوب العالم ونقمة على الكثير من الشعوب العربية.
كندا تحبك ووطنك يكرهك
لاحظت الحكومة الكندية أنه يوجد الكثير من الشبان يسافرون الى أوروبا للسياحة، ولكي تشعرهم بالفخر أنهم كنديون ومتميزون عن غيرهم، أرادت مشاركتهم اجازاتهم، فوضعت ماكينات للمشروبات المنعشة الى جانب كل معالم أوروبا المهمة، مثل ساعة “بيغ بن” وبرج “ايفل” وبرج “بيزا”. وهذه الماكينات لا تعمل بالنقود، وإنما بجواز السفر الكندي فقط. فبمجرد أن تمسح جواز السفر على الكاشف الضوئي تفتح لك الثلاجة وتأخذ ما تحتاجه منها على حساب الحكومة الكندية. ومكتوب داخل الثلاجة جملة رائعة تقول: “قد تعبر المحيط، ولكن وطنك فقط من يروي عطشك، بلادك تحبك”.
في المقابل لاحظ كيف تعامل الحكومات العربية مواطنيها ومواطني أشقائها، بعد دفعهم للهجرة باتجاه واحد في أصقاع الأرض، ولا يسلم المواطن في هذه الدول، حتى حينما يترك مسقط رأسه، فتلاحقه الرسائل حينما يراجع سفارات بلاده تطالبه بمراجعة الأمن العسكري والمخابرات العامة وفروعها، وهذه مسالخ بشرية تحوي أوسخ القمامات، التي عرفتها ولم تعرفها البشرية.
التلفزيونات العربية والاذاعات تمطرنا ليل نهار بالأغاني الوطنية، التي لا تعدو أن تكون تحاميل لتخفيف الحرارة، بينما الرسائل الحقيقية على الأرض أننا نعتبرك العدو، ونكرهك كمواطن، مهما فعلت.
ختان الإناث يزحف الى بريطانيا”
عرضت محطة “بي بي سي” البريطانية برنامجا خاصا يكشف أن ختان الإناث يُمارس على نطاق متزايد على الأطفال والرضع في بريطانيا.
وتقول مقدمة البرنامج شارلوت برودمان، المحامية والخبيرة القانونية، إن ختان الإناث “من المستحيل تقريبا اكتشافه”، إذ أن الفتيات لا يكن قد التحقن بعد بالمدرسة، أو كبيرات لدرجة تمكنهن من الإبلاغ عنه.
وفي تقرير أعده برنامج ديربيشاير، كانت الضحية رضيعة، تبلغ من العمر شهرا واحدا.
ويقول المركز الوطني لمكافحة ختان الإناث في بريطانيا إنه “ليس من المفاجئ” أن الضحايا ربما يكن أصغر سنا الآن.
بينما ترى منظمة براناردوز الخيرية واتحاد السلطات المحلية، وهما الجتهان اللتان تديران المركز، إن انخراط المجتمع في هذه القضية “مهم من أجل حماية الفتيات”.
الغريب في الموضوع أن من يأتون الى الغرب طمعا بالاستمتاع بالتقدم والحرية والحياة الأفضل، يحملون معهم أمراضهم المزمنة، ويطبقونها على أطفالهم في غفلة من القانون، وضد المنطق والعقل والدين.
البرنامج يعتبر صرخة اجتماعية، بعد أول إدانة قضائية في بريطانيا بشأن ممارسة ختان الإناث هذا الأسبوع، فحرام على الأسر، التي عاشت ظلمات الجهل في بلادها أن تطبع أبناءها بهذا الطبع المتخلف والمرضي، فأبناؤكم خلقوا لجيل غير جيلكم وهم يستحقون أن يعيشوا مستقبلهم بطريقتهم لا بطرقكم!
في العراق الوزير أصبح مشردا
برنامج صادم ذلك الذي شاهدته مصادفة على قناة “بلدي” الفضائية العراقية، حيث بدا المذيع المتأنق يجلس جانب رجل مسن متشرد ذي لحية بيضاء وأردية فقيرة، وفي زاوية قذرة من طريق اتخذها بيتا ووطنا، ما كنا نتوقع أن نراها في بلادنا يوما.
إنه سامي إبراهيم علي، وزير الري العراقي، في عهد الزعيم عبدالكريم قاسم، هكذا عرف عن نفسه. فما أن تبزغ الشمس ينهض هذا العجوز من مكانه متعكزا على عصاته الخشبية ليبحث عن أشعتها، التي تهون عليه صقيع البرد، يقضي حاجاته ويقلب بعضا من الأوراق والصور لديه، ويستذكر ماذا فعلت به دولته وكيف عاقه أبناؤه، بعد أن تنازل لهم عن كل شيء. قائلا “كل شي راح ماكو شي، هذا الي حصلته في حياتي”. الرجل لا يريد ارجاع عقارب الساعة واستعادة جاهه الضائع، بل لفت انتباه وزارة العمل والشؤون الاجتماعية لانتشاله مما لحق به من قساوة الحياة والأخلاق. كرامة هذا الختيار من كرامة العراق وشعبه وحكومته وقيادته!
كاتب من أسرة “القدس العربي”