الروائي السعودي مقبول العلوي في “زهور فان غوخ”: دوران حول العالم

هاشم شفيق
حجم الخط
0

 يأنس القاص والروائي السعودي مقبول العلوي في بعض أعماله الروائية، إلى استدراج التاريخ الشخصي والفني والإبداعي لبعض الشخصيات التاريخية الفنية، والأدبية والفكرية والعرفانية، في تأثيث مسرده الجمالي، ذلك المستند إلى حكاية ما، إلى تاريخ شخصي معين لشخصية معلومة ومؤثرة، سيرة ذاتية، قصة حُبِكتْ حول حياته وعمله، سرود ومرويات وحكايا قيلت ذات يوم في مفكر أو فنان أو شاعر أو موسيقي، كما لمسنا ذلك لدى العلوي في اتكائه على معلومات وحكايا تراثية وتاريخية حول الحلاج، المتصوف الكبير، الشاعر والمفكر العرفاني الشهير في تاريخ العراق العباسي، أو حكاية زرياب، ذلك الموسيقي والمثقف اللامع في زمانه، أيام البرامكة وعصر الرشيد وأولاده الذين حكموا بغداد وفعلوا ما فعلوا من بناء ومعمار وتأسيس لثقافة جديدة، يقابلها أيضاً القمع والقتل والتشريد والتخوين كما حصل للبرامكة، ولمن برز من العلماء في ذلك الوقت، واتهامات لا تحصى أبرزها الرمي بالزندقة والتكفير والمس بالذات الإلهية، كما حصل للحلاج، أو الإبعاد والنفي والمطاردة، كما حصل لزرياب الموسيقي العظيم الذي فرّ إبان الحكم الرشيدي إلى الأندلس للنجاة بالنفس، والنجاة بالفن الذي كان يسعى زرياب إلى تأسيسه لدى عامة الناس، وإلى ترسيخه في الذائقة الفنية المستجيبة إلى ذلك الفن، تلكم القادرة على التناغم مع الإبداع الجديد والمبتكر .

هذه التواريخ الماثلة في تراثنا العربي الزاخر بالمواضيع والقصص والنوادر والحكايا، ثمة من جاء إليها ليؤكدها عبر سياق فني روائي، حكائي وسردي، مستند إلى واقعات، وإحداثيات، ووثائق، وشواهد، ومصادر شتى، قصص وأحاديث وكتابات مروية، على يد مدوِّنين ونقاد، وكتاب كبار من زمن مضى، كما حدث مع رواية الحلاج وزرياب لمقبول العلوي، وها هو الكاتب يفاجئنا بعمل روائي جديد وطازج، شيِّق، يتوفَّر على عناصر الإثارة والتشويق، فضلاً عن زخم الحدث الذي يتسم بالحبكة البوليسية، وقد جسّد هذه العلامات الموحية في عمله الأحدث “زهور فان غوخ” تلك اللوحة الشهيرة التي فقدتْ مثل مئات أخريات، بعد موت الفنان الهولندي الشهير فان غوخ، الذي عاش فقيراً ومعوزاً ومحبطاً ومريضاً عقلياً، نتيجة فرط مشاعره وأحاسيسه وعاطفته ورهافته الفنية، ونتيجة ظهوره في فترة لم تستطع استيعاب خياله العابر للآفاق والحدود، العابر للفن السائد والعادي، خياله الجريح في أزمنة الفن والتعب والعزلة والوحدة، ينضاف إلى ذلك غياب عامل الحب والود من الطرف الآخر، فضلاً عن غياب الوعي الفني لدى العامة وانحسار العلاقات الإنسانية وتلاشيها، مما أدى بالفنان إلى الضياع، والجنون، والانغماس بحياة الفن والشراب والعزلة، والهروب من الآخر، المتربص والساعي إلى الإيقاع بالكائنات الشفيفة .

يقدم الروائي السعودي مقبول العلوي في روايته صورة الفنان فان غوخ كما عرفناها وقرأناها، وشاهدناها حتى في أفلام، فالعلوي يُفيد من الوثيقة والرسالة واللوحة والحكاية والإشاعة، والفيلم، والخبر الصحافي، والمدوّنة الإعلامية، ويُفيد من تاريخ الفن وتاريخ شخصياته الهامة، كما هو في حالة فان غوخ، حيث تمّ ترصد وتتبع ومسح جل أخباره المتعلقة بفنه ولوحاته الموجودة والمحفوظة في متاحف العالم.

تنصب رواية “زهور فان غوخ” على اللوحة المسروقة الشهيرة، زهور الخشخاش، وهي من ضمن لوحات عديدة للفنان الهولندي التي سرقت، ثم أعيدت، أو ضاعت ولم تعد، فظهرت فيما بعد في بلد ما، أو متحف لبلد معين، يحفظها ويعرضها كتحفة فنية لا تقدر بثمن، لفنان عاش ومات فقيراً وجائعاً، بينما لوحاته التي لم تكن تُشترى في زمنه، كانت تُهدى لهذا وذاك، أو كان يستعين بها الفنان على شراء طعام أو تسديد ايجار غرفته، مقابل لوحة من لوحاته، المعمولة والمنجزة في تلك الفترة، من فترات تدهور حالته الذهنية فترة عيشه في الحرمان والفاقة والأمراض الحياتية والسايكولوجية والفنية أيضاً، تلك التي ألمّت به وهو لم يزل شاباً، في بداية مشواره الفني والحياتي.

يرسم الروائي مقبول العلوي لوحته الروائية هو، بطريقة فنية مشوِّقة، يدور محتواها الجمالي، حول شخوص وظلال وحركات ضوء وتدرّجات لونية، تستجيب لصيغتي المكان والزمان، وتتضمن العقدة والثيمة الأساسية تفاصيل لوحة ستسرق، هي زهور الخشخاش، موجودة في متحف مصري، لدى عائلة كانت تهتم بهذا الفن، فن الاقتناء وشراء اللوحات الشهيرة لفنانين معروفين ومغمورين، ومن ضمن المعروض في المتحف هذه اللوحة مدار الرواية ومدار حديثنا.

يتقاسم هذه الرواية زمنان ومكانان معلومان، هما القاهرة ومكة المكرمة، ثم يدخل على الرواية زمن آخر ومكان ثالث، هو هولندا حيث ولد ونشأ الفنان فان غوخ، فضلاً عن أمكنة أخرى يستمدها الكاتب من مذكرات الفنان الشهير، وهي مذكرات معروفة، كان قد قرأها كاتب هذه السطور بترجمة من السوري صدقي إسماعيل في أواسط السبعينيات، والإفادة هنا تُعين النص على التمدّد، ومن ثمّ الاستدلال إلى القيمة الجمالية الكامنة في المسرد الروائي، وما يتضمّنه من مواقف ورؤى، ومن مكابدات ومواجع ألمّت بحياة الفنان وقضَّت مضجعه، وجعلته فريسة النداءات والأصداء الداخلية الراسبة في أعماق نفس الفنان، وهي نداءات الفن وما يتركه على المرء من نوازع غير طبيعية، قد تودي به إلى المهالك أحياناً، كما حدث ذلك حقاً مع الفنان فان غوخ، حين قطع أذنه، وأرسلها لمن كان يرغب بها ويهواها، أو نهايته، تلك النهاية المفجعة والمحزنة، والجنونية التي أدّتْ به إلى مس من الجنون الواضح، ذلك الذي دفعه إلى الانتحار، وإطلاق النار على نفسه من مسدس كان لديه، وهذه المحاولات وغيرها هي لا تواتي الكائن العادي، بل تلحق بالكائن غير الطبيعي، الكائن الرائي والشارد في صحراء نفسه، وفنه، وعالمه الموّار بنار الفن ولهبه الحارق .

تبدأ الرواية في مكة، والراوي يتحدث بضمير المتكلم، حين يهاتفه صديق له يعمل معه في شركة واحدة، يطلب منه أن يذهب معه من أجل شراء أثاث شبه مستعمل في منطقة الحراج التي تبيع كل ما هو مستهلك وفائض عن حاجة المستخدم، هنا الصديق سيذهب معه بسيارته للمكان هذا، هناك سيجد صديقه ضالته، وهو أيضاً سيجد ضالته بالعثور على لوحة مهملة مع الخردة من الحاجيات الزائدة، والقابلة للبيع بسعر زهيد، فيشتريها الراوي العليم، لتزيين جدار بيته بها، ستفرح زوجته أيضاً باللوحة لتغطي المكان الفارغ والعاري، فاللوحة تحمل دلالة لراحة النفس، وتبهج الناظر إليها كونها تضم باقة من الزهور موضوعة في مزهرية :

“اقتربتُ مرة أخرى من اللوحة، محاولاً أن أجد توقيع الفنان الذي رسمها… لبثتُ على هذه الحال مدة طويلة ساهماً، متفكراً، ناظراً إلى اللوحة حيناً، والجدار حيناً آخر، محاولاً استرجاع أين سبق لي رؤية هذه اللوحة؟ وذهلت من جمال منظرها المتجدَّد والموحي بكل إيحاءات الجمال والفتنة”.

من هنا ستبدأ الحبكة البوليسية ومشاهد الإثارة، حين يشعر المقتني أن هذه اللوحة التي بين يديه هي كنز دون شك، فينزلها من مكانها على الحائط ويطويها، ويضعها في حشية كرسي مهمل، مع حاجيات البناية، وهو موضع موجود على سطحها لتجميع المهمل والعتيق والعاطل، حتى يأتي ذلك اليوم الذي يعرضها فيه على أحد الخبراء، ذلك الذي أكد على أنها لوحة أصلية لفنان شهير وكبير. بعد ذلك سينتقل المشهد الروائي المترع بالحكايا في بيت المقتني من مدينة مكة المكرمة إلى القاهرة، حيث وجود اللوحة “في متحف محمد محمود خليل، الديبلوماسي ورجل الأعمال الشهير والغني الذي كان يعيش في باريس، كان عاشقاً للفن التشكيلي، زار العديد من المدن والمتاحف، واقتنى عدداً لا بأس به من لوحات شهيرة لفنانين عالميين كبار، تزوج امرأة فرنسية تدعى إميلين هيكتور، شاركته الاهتمام نفسه، استطاع بثروته أن يقتني أثمنها، وأكثرها قيمة تاريخية من سماسرة اللوحات، ومن المزادات المعروفة التي تقام في باريس ولندن ونيويورك وطوكيو، كان يشتري لوحات عالمية شهيرة، ثم ينقلها إلى القاهرة وخصص لها مكاناً في قصره”.

بالطبع الراوي هنا سينقلنا إلى نجع حمادي في مصر إلى حيث طفولة ومراهقة وشباب رؤوف الذي سيشتغل فيما بعد في المتحف، لتدور هنا الحكاية السرية، بين رؤوف المؤتمن وبين صديقه محسن الرمّال أحد المرشدين السياحيين في المتحف وأحد المحتالين الكبار الذين سيجرّون رؤوف إلى عملية تدبير سرقة لوحة “زهور الخشخاش” موضوع حديثنا، والمعروضة أمام السواح والزائرين الأجانب الذين يقفون يومياً أمامها، متأملين الرونق السري، هذا الذي ينطوي عليه هذا العمل الفني الباهر والأخّاذ .

هذا المرشد السياحي سيُغرق رؤوف بالمال، والمخدرات والمتع الجنسية، وفي إحدى الليالي العامرة بدخان الكيف، سيفاتحه بأمر هذه اللوحة لغرض سرقتها، وكشف سهولة إخفائها لصغر حجمها، في هذه الأثناء توالت النائبات الحياتية على رؤوف، أبرزها الفشل الكلوي الذي أصاب ابنته التي تحتاج إلى عملية جراحية ستكلف مالاً، وهنا ليس لديه سوى محسن الرمّال الذي خطط له عملية سرقة اللوحة، مقابل مبلغ من المال الذي يحتاجه، حيث ستتم عملية السرقة، كما يحدث في الأفلام الأجنبية، ولسوف يُهيمن الرمّال عليها، ويدفع ما يسد حاجة رؤوف إلى المال، وينسخ واحدة مثلها، ويشحن الأصلية في حقائب أخيه المسافر إلى الكويت، غير أن المسافر سيتوقف في طريقه في السعودية لغرض تأدية العمرة، وهناك ستضيع حقائب أخيه، وتضيع اللوحة أيضاً.

مقبول العلوي: “زهور فان غوخ”

دار الساقي، بيروت 2018

207 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية