الشاعر الراحل فوزي كريم في “ما الشعر إلّا زلّة لسان”: ديوان أخير يستدعي التأمل والعزلة المختارة

هاشم شفيق
حجم الخط
1

لم يكن الشاعر فوزي كريم، الذي غادرنا العام الماضي وهو في أواسط العقد السبعيني، من الشعراء العابرين، ممن كتبوا شعراً ومضوا، ثمّ انطوت سيرتهم برحيلهم، بل هو شاعر جدلي بامتياز، محاجج، ومراهن على جدل تفكيره، لا تعوزه الحجج والبراهين والأدلة، إنه الشاعر الناثر، والشاعر الناقد، المؤثر بطروحاته النقدية والأدبية، والمُباهل القدير، فيما يقدمه من رؤى، وأفكار، وتجليات، ومعانٍ، في حقل التفكير النقدي الحديث، والمعاصر، وهو أيضاً الشاعر العالم والخبير، والمستبطن لمسارات الموسيقى، المطّلع والباحث في شأنها المتعدّد، والمتصادي مع كبار نقادها الكلاسيكيين. لم يدْعُ المعرفة يوماً إليه لكي يستعرضها، بل كان يهمسها بين أصدقائه من المُحبين لهذا الفن، أو يكتبها في كتاب، مجسداً في ذلك نظرته الحاذقة إلى هذا الفن، كما شهدنا ذلك في أحد كتبه اللافتة حول الموسيقى، وهو الشاعر الرسام، الميّال إلى التشخيصات الحية، في احتفائه بالبورتريهات، وهذا فعلاً ما لمسناه في الكثير من لوحاته الزيتية المدروسة، حول السياب وسعدي يوسف وحسين مردان والبريكان وصورة والده ووالدته، وأبناء محلته “العباسية” في بغداد في جانب الكرخ حيث نشأ وترعرع ودرس .

الشاعر الراحل فوزي كريم كان شخصية متعدّدة المواهب، وهو منذ بكوريته الشعرية فاجأنا بكتابه النقدي “من الغربة حتى وعي الغربة” الذي صدر في مطلع السبعينيات من القرن الماضي، ثم حين انتقل إلى المنفى باكراً راح يؤسس لمشروعه النقدي وباتساق ومواكبة مع مشروعه الشعري. لم يتسول خلال عمره الطويل نسبياً الأضواء والشهرة، ولم تستهدفه الكاميرات، فهو شاعر من جبلّة أخرى، شاعر العزلة والاغتراب والتوحّد الجمالي، شاعر زاهد بالإنارة التي تعمي العيون، في عصر التكنولوجيا الملطخة بالمكياج، ولون المهرّج الذي يُعمي الروح والمخيّلة ويجفّف بالتدريج ينابيع الكتابة الإبداعية .

من هنا انصرف الشاعر الراحل فوزي كريم إلى ذاته، وعزلته الذهبية، مدارياً شأن الكتابة عبر كل فروعها، محتفياً بالقصة، والرواية، والشعر الذي كتبه وهو يافع، في بغداد الستينيات، شاعر متصالح مع ورق الكتاب، والشهب اللامعة في سماء وحدته، وهو منحاز للشاعر المأسوي والمتخوّف والمتطيّر والبعيد، كما هو حاله في انحيازاته النقدية إلى جانب أبي العلاء دون المتنبي، والسياب دون البياتي، والبريكان دون سعدي يوسف، وعبد الصبور دون أدونيس، والماغوط دون أنسي الحاج. كل ذلك لم يكن ليأتي ضمن حوار، أو مقابلة أجريت معه، أو رأي منشور له في مقال، إنما كان يأتي ضمن سياق عملي نقدي، منظم ومُبرمج، دقيق وشمولي، ويستند إلى قواعد المناهج النقدية العصرية، والعلمية، والرؤيوية الحديثة، تلك التي تمتثل إلى صور الوعي الحادة، والمُركزة، والدقيقة، أي تجربته النقدية هو، وكان قد جسّدها في ثلاثيته النقدية “ثياب الإمبراطور” و”حامل الراية” و “القلب المفكر”.

من هنا نجد أن ما فكر به نقدياً قد انعكس بوعي، أو بدون وعي منه، على تجربته الشعرية الطويلة، تلك التي بدأت بديوانه الأول “حيث تبدأ الأشياء” الذي لم ينل في تلك الفترة المحتدمة والمثقلة بالأسماء الشعرية الكبيرة حقه النقدي، كباكورة أولى لشاعر شاب، ولكنه غادر إلى بيروت، ليعيش فيها حياة الشاعر المتسكع، والمتشرد والرافض، فأصدر حينها من بيروت “أرفع يدي احتجاجاً” وهو ديوانه الثاني الذي لاقى نوعاً من الترحاب في الصحافة النقدية، ولفت إلى ولادة شاعر ستيني، سيعود إلى بغداد وهو يحمل وهج بيروت، ومقاهيها، وحاناتها، وجدل صحافتها، وشعاع شعلتها الساهرة حتى الصباح .

يعود الشاعر ليوقّع مع شعراء عراقيين آخرين “البيان الشعري”، وإني على يقين تام، أن فوزي كريم لم يقرأ البيان كله حين وقع عليه، ذلك أنه سيتعارض كلياً مع مفهومه للشعر، ولذا نجمتْ فيما بعد تجلياته النقدية، الحادة تجاه أبناء جيله في كتابه “تهافت الستينيين” متناولاً فيه تجارب أبرز شعرائه النقديين، وهما سامي مهدي وفاضل العزاوي، وقد جاءت دراسة فوزي كريم عنهما عقب إصدارين لهما يتناول فترة الستينيين، بكل تحوّلاتها الشعرية والأدبية والحياتية، كل حسب وجهة نظره النقدية، والفنية، والجمالية .

في ديوانه الجديد “ما الشعر إلا زلة لسان” يقدم الشاعر رؤيته إلى الحياة التي تمرّ به، ويعيشها، ولكأننا به، يُسجّل حالاته، ومذكراته، وتعبيراته اليومية، في عزلته المختارة، حيث مسار يومه البطيء، صارفه في التأمّل والرضوخ إلى الذكرى، واستدعاء ما مضى، أو السنوح، والدخول في عالم من الصمت، واسترداد صورة من أحب يوماً من النساء، فتركت شيئاً ما خلفها، ومضت تعتني بشؤونها الأخرى .

الديوان مترع أيضا ببعض اليومي، الذي يبتعد عنه فوزي إلى عالم أكثر غموضاً وعتمة، ولكنه هنا يفصح عن بعض اليومي الذي تجاهله فوزي طويلاً بحكم التفاته إلى المعتم والمتخفي في صورة أخرى، صورة تكون في الغالب مموهة، بالتأويل والتجريد، وربما حتى بالعوالم الذهنية، فهو صنو الوحدة والترهُّب، والكهنوتية، وكل هذه الأمور لا تأتي بالعناصر الحسية، إلا فيما ندر، ولكنه هنا يكشف عن بعض ما يعتري الحياة، من مكاره، ودوافع شيطانية، تناصب الإنسان الأعزل العداء والإشاحة والتهميش .

يلتفت فوزي كريم في هذا الديوان أيضاً إلى بلده الجريح، فيرى الحرب كيف تتوغل فيه، وتأكل أبناءه، ليغدو العراق خراباً، يعيث فيه اللصوص والقتلة والمجرمون فيقول :

” هل تُراني ابتعدتُ كثيراً، فغامتْ ملامحُ ذاك المكانْ ؟

كلُّ وجهٍ رأيتُ من السّابلة

كان وجهاً لأمي، أبي ووجوه الذين تواروا من العائلة

كخيوط الدخانْ

أوجهٌ في اتضاح النهارِ، تقولُ الذي لستُ أعرفُ،

ترفعُ سبّابةً باتجاهٍ خفيٍّ،

وتُفرغُ رأسيَ من كلِّ أسئلتي الباطلة

ثمّ ترفعُ عنه القناعَ الذي جعّدتهُ صروفُ الزمانْ”.

لا يحيد الشاعر فوزي كريم منذ بداياته الأولى، عن نهج هذه الكتابة الشعرية، فهو يرى الشعر الحقيقي يتجسّد في الوزن، والموسيقى، والإيقاع، وتصادي القافية، وقد أصدر العديد من المجاميع الشعرية وهي تتمثل هذه الصيغة العروضية، وقد يحدث ويكتب قصيدة غير غنائية، كما حدث في ديوان سابق صدر في أواسط التسعينيات “قارات الأوبئة” وهو يستثمر الأشكال الدائرية، الموزونة القريبة من التطلع النثري، وها هو ذا في ديوانه الأخير، نراه يتطلع وهو يعد سنواته الأخيرة إلى قصيدة النثر ليقول في هذا المجال “عشر قصائد نثر”، ومنها :

” خرجتُ من البيتِ ذات فجرٍ، أتسقّطُ أخبار القصيدةِ الجيّدة، تذكرتُ أنّ القصيدة الجيّدة تدخلُ نفق النسيانِ حين تولدُ. العُنّابُ البريّ الذي قطفتهُ من سياج جاري، ترك أثره الأسودَ على أطرافِ أصابعي، ذكرى عمل جيّد دخل النسيان. شاحنة جمع النفايات تتحرك وتتوقّف، وعمّالها ينتشرون ويعودون كزنابير عسلِ النحل، الغيوم التي تطبق على السماء لا تعِدُ بشمس هذا النهار، وأنا أترنح طرباً، لأنّ هدفي لا شأن له بكل هذا. القصيدة الجيدة تنتشل نفسها من النسيان، لتطلَّ على قلب ينتظرها في العزلة”.

وبما أن الشاعر الراحل فوزي كريم كان يتمتع بثقافة متنوّعة، فتلك الثقافة انعكست دون شك على قصيدته، حتى ولو كان الاستيحاء يبدو برّانياً، أكثر منه جوّانيّاً، ولكنه بمعرفته الموسوعية، وحنكته الشعرية، يحاول أن يستدرج بقية الفنون إلى شعره، ليحلّ فيها ويعطيها معنىً، ساعياً في الوقت عينه، إلى مزج الفن والشعر والموسيقى والرسم في بوتقة واحدة، لتتجسد عبر هذه الفنون المجتمعة بانوراما غنية، يقوم عمادها على الشعر والفن التشكيلي والموسيقى، كقوله في قصيدة نار التاريخ لوحة :

” نارٌ في أفقٍ

جمعٌ مذعور يتطلّعُ، عصفورٌ

ينتصبُ على غصنٍ عرَّته الريحُ

فتىً وفتاةْ

تقتلعُ الريحُ الجذرَ،

يخلف حفرته ويحلقُ، ضربة فرشاةْ”.

وفي أفق الموسيقى التي كان يعشقها أيّما عشقٍ يقول :

” في ليلة صافيةٍ تُحصى بها الأنجمُ

ينكفئُ اللحنُ على جبهته فوق ثرى مرتفع التل

وكلما هممتُ أن أقبلَ نحوه تعالى،

إنه اللحنُ الذي صحبني

منذُ لِقاح الطّلعِ في صباي

سعياً إلى المنفى

على عصاي”.

 فوزي كريم الذي كتب الشعر باكراً، وأحبّ موسيقاه، وعروضه، وقوافيه، قد رحل عنا أيضاً باكراً، وترك غيمة كابية في الأفق اللندني، وبسخريته المعهودة سيزحزحها عن مكانها في السماء، سيبتسم لتتسلل الشمسُ إلينا .

فوزي كريم: “ما الشعر إلّا زلّة لسان”

دار المتوسط، إيطاليا 2018

95 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية