الشاعر السوري عابد إسماعيل في “أشباح منتصف النهار”: خرائب تتجوّل في الحرب

هاشم شفيق
حجم الخط
0

للأدب السوري، ولا سيّما الشعر، حِقب وأجيال ومسمّيات، وبما أنه شعر مؤثّر وله رواده الكبار، فهو محكوم مثل الشعر العربي، بمعايير زمنية، وتنسيبات ذات مقياس يعتمد العقد من السنين، وهو محصور في عشر سنوات لجيل ما، وثب وكتب وتجلى، ليأخذ فيما بعد مكانته بين الأجيال التي سبقته، وعلى سبيل المثال جيل الشعراء علي الجندي وممدوح عدوان وفايز خضور، هو جيل الستينيات بامتياز، أما الرواد فهم معروفون كنزار قباني وأدونيس والماغوط، يلي هذين الجيلين السبعينيون، ثم الثمانينيون الذين تبنوا سياق قصيدة النثر بشكل كليّ تقريباً، وهو جيل قلق، بوهيمي، متمرد أحياناً، وله فضلاً عن ثقافته الشعرية، والأدبية، رؤيته السياسية، وأغلب شعراء هذا الجيل كان من حلب، والسلمية، والساحل السوري .

من بين الشعراء الذين برزوا ولمعوا في مطلع التسعينيات ووسطها، الشاعر عابد اسماعيل، وهو شاعر ومترجم، وله أكثر من عشرين كتاباً أدبياً مترجماً، تتقاسمه الرواية والمذكرات والقصص والأشعار الأجنبية، بينما نشر هو في الشعر ما يقرب من ست مجموعات شعرية، آخرها كانت “أشباح منتصف النهار” وهي مدار حديثنا الآن .

ينأى الشاعر عابد اسماعيل في مجموعته الجديدة، عن قصيدة النسق العنقودي، المتسلسل في كلمات قليلة في السطر الواحد، باتجاه قصيدة الكتلة التي شاعت في الشعر الموزون، ذاك الذي تبنى القصيدة ذات البناء الدائري، المتتابع في وحدة سياقية متدفقة، مشفوعة بالتداعي الفوّار، غير الملتزم بقانون الوحدة القياسية في القصيدة المتسلسلة في مقاطع من الكلمات، تلك التي قد تجمع خمس كلمات في السطر، أو ثلاثا، أو كلمة واحدة، ذات محمول دلالي مرئي، توحي بتفرّد الرؤيا واجتهاد المخيلة.

هذه القصيدة سُمّيت في مرحلة الستينيات العراقية بالقصيدة المدوّرة، وقد كتب فيها بشكل تكريسي، ومميز حصريّاً الشاعر المعروف حسب الشيخ جعفر، عبر دواوينه اللافتة “الطائر الخشبي” و”زيارة السيدة السومرية” و”عبر الحائط في المرآة.

أما في قصيدة النثر، فقد كتب فيها شعراء كثيرون كونها جاءت محمولة من خلال الترجمات اللبنانية لشعراء فرنسيين، في الغالب كانوا تجريبيين، ولكنها أيضاً اخترقت القصيدة العنقودية، وحرّكت الساكن في القصيدة، متخطية النسق الواحد، والشكل المكرّس لها كثيمة ثابتة.

في العربية شاعت في مرحلة السبعينيات على نحو قليل وغير لافت، ثم تطوّرت، لتكون في التسعينيات ومطالع الألفية الثانية، شكلاً معروفاً ومتداولاً، وقد كتب في هذا النسق شعراء عرب كثيرون، من مختلف الأقطار العربية، بعد نمو اللغات الأجنبية، وشيوع الترجمات الشعرية على نحو كثير وواسع .

تتجلى في مجموعة “أشباح في منتصف النهار” مفهومة الحرب، وما خلفته من جروح، وآهات وندوب لدى السوريين عامة. وهنا نرى الشعر المسترسل على هديه، كخيط نثري طويل، مجدول عبر لوعة عابد إسماعيل، كشاعر تركت الحرب ودخانها ميسماً في روحه المرهفة، مثل سطر شعري طويل، متسلسل في مدار من الكلمات التي لا تتوقف:

“على ركبتيه ركع ساجداً في ساحة المرجة، كمن يؤدي صلاة، أو يردّد هتافاً، ليس لأنه اكتشف بغتةً، أن أظافر يده تنمو كمخلب، أو لأنّ ذكرى البلاد المنهوبة، عادت خلسةً، لتلمع في قلبه كالطعنة، ليس لأن بعضه يبكي على بعضه، وكل خلجة فيه، كلّ كمنجةٍ، كلّ آهة تبكي على دمشق التي أحبّ حتى خناجرها في ظهره، ليس لأنّ قدم الرب قد داست خطأً، على روحه، فتقطعت خيطانها، وتراً، وتراً، إنه يركع منذ أول الحرب، ليشمّ وردةً على قميص الفقيد الذي مشى على الماء، دون عكاز في طريقه إلى الجلجلة”.

يسعى الشاعر إلى تزويد القصيدة بقوة ما، بدافع معيّن، بواعز يحرّكها، ويوضّح مدلولها الفني، وطابعها التعبيري، من أجل الارتقاء بها إلى مراد القول. ولذا نراه هنا يستعين بالتضمين، ليقوّي المقول، ويؤازره، وهو ينضح بالمعنى، كما ورد في تضمينه لبيت من شاعر قديم هو بكر زهر الذي قال فيه: “عشيتْ عينايَ من طول البكا ـ وبكى بعضي على بعضي معي” وآخر للعباسي بشار بن برد والذي قال فيه: “أقام في بلدٍ حتى بكى ضجراً ـ من بعضها وبكتْ من بعضهِ بلدُ”.

يؤرخ عابد إسماعيل بعين الشاعر تاريخ بلاده، كيف تحوّلت إلى رماد، وكيف تغوّلت وصارت نهباً للرصاص، والطائرات المُغيرة.

 وبدقة الشاعر الذي يوازي في النظر عين الكاميرا، يسجّل اللحظات الدموية، من سيرة كل الناس، في ذلك الأتون الذي قضى على الأخضر واليابس. يرصد كل ظاهرة تطل، وكل صرخة تحفر صوتها في الجدار المتهاوي للبيت، الجدران، والسقوف، والنوافذ، تغدو حطاما، بينما الريح تعصف في الخرائب والأطلال، وتُحوّل الحياة إلى مسرحية دموية، يُمثل فيها الوطن دوره المأسوي، والمشاهدون هم من تبقى، من معوّقين ومشوّهين وبقايا بشر .

“على أنقاض تلك البناية، جالت عينُ الكاميرا، سقوفٌ قرميدية، سوّيت بالأرض، جدران اسمنتية تركعُ في العراء، ستائرُ ممزّقة في الريح، لوحة تجاريةٌ لسلفادور دالي طمرتْ في الوحل، سجّادة صلاة شبتْ فيها النيران، حنفيّة مكسورة تنقّطُ فوق كتاب، شاشة حاسوبٍ غرق نصفها في الماء، جنزيرُ دراجة يتأرجحُ في الهواء، قصائد غير مكتملة سقطت في سطل مقلوب”.

يُلحق الشاعر أيضاً هذه القصيدة ببيت للشاعر العباسي ابن المعتز حيث يقول فيه: “سقوفُ بيتي صرنَ أرضاً أدوسها ـ وحيطانُ داري ركَّعٌ وسجودُ”.

يزخر الديوان بأسماء الأمكنة، وأسماء الشعراء القدامى والحديثين، كسنية صالح وسركون بولص وأنسي الحاج ومحمود درويش، وكذلك بأسماء الأساطير، كـ “هيرا” و “زيوس” و”نرسيس” أوديسوس، والكتاب والشعراء العالميين، مثل شكسبير، جيمس جويس، وليم كارلوس وليمز، إليوت، قسطنطين كفافي، سرفانتس، بورخيس، هايدغر، ماركيز، افلاطون، سلمان رشدي، جاك دريدا وغيرهم، ناهيك عن المكان السوري، من شوارع ودروب وأمكنة دمشقية، كان للشاعر فيها ذكريات، وحياة محفورة في حجارتها، وفي كل تفصيل يومي من جسد المدينة دمشق، تلك التي تغزل فيها الشعراء طويلاً، لجمالها ورقة هوائها، وطيبة مساءاتها، وصباحاتها، وليلها الأنيس المترع بالندى والأغاني، ولكن ذلك كله قد زعزعته الحرب، وأخلّت بمكانته، وتاريخه الجمالي، والأنطولوجي، ومن التضمين الذي رفد به قصيدته لمحمد درويش المأخوذ من ديوان “أثر الفراشة” يقول :

“لم أرَ شيئاً من أبي سوى هذه الفراشة التي تطيرُ من زهرة إلى زهرةٍ في حقله، الفراشة وصيته الوحيدة التي تركها للهباء، ليس عليك سوى أن ترسل نظرةً وراءها، يا بنيّ من غصنٍ إلى غصنٍ، احمها بهمسات روحكَ إن استطعتَ، قد يحدث أنْ تصير الفراشة”.

تهيمن الطبيعة بكل عناصرها ومفرداتها على مناخ المجموعة، لتحفل بالأشجار، والأعشاب، والطيور، والريح، والغيوم، والمطر، والندى، وهذا ما سوف يشكل شبكة من الرموز، والدلالات التي ستؤسس لشعر يهيم بالموجودات، ويستأثر بتحولاتها، وتشكلاتها وتكاوينها البنيوية، لتضيف من خلال تحرّكها طابعاً دينامياً على القصائد، وترفدها بالشفرات الرمزية، وكذلك رفدها بالحدوس البليغة، والتوقّعات السيميائية، لتغدو العلامة في المآل الهدف الجمالي الآخر الذي سيعزّز من قيمة القصيدة، على الصعيدين الفني واللغوي “الفراشة همستي لك، يا بني، نظرتي الأخيرةُ التي نسيتها على شجرة الدرّاق، تتفقّدُ برعماً لم يتفتح بعدُ، إلى هذا البرعم اشتاقُ، لو كان لي أن أعودَ لركعتُ أمامه، وشممتُ عطره، لكنها الفراشةُ، يا بني وصيتي لكَ، أرسلها ، لتحطّ على زهرةٍ، وتشمَّ عطرها، وتهمسَ لكَ، ربما من سحيقِ روحها، ما أهمسُ لك به الآن” .

تضيف مجموعة “أشباح منتصف النهار” للشاعر ولمسيرته الشعرية بعداً آخر، فيه الكثير من الكدح الخيالي، والحفر باتجاه رؤية فنية اتسمت بلمسة جديدة ومختلفة عما قدّمه الشاعر في مجاميعه الشعرية السابقة.

عابد إسماعيل: “أشباح منتصف النهار”

دار التكوين، دمشق 2018

150 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية