الشاعر عبد المنعم رمضان في «بعيداً عن إيثاكا قريباً من بابل»: جمال الصورة وبهاء المعنى

هاشم شفيق
حجم الخط
0

بدأ الشاعر عبد المنعم رمضان باكرأً في كتابة الشعر، وانخرط من خلاله في الكتابة الأدبية، كالسيرة والنقد الأدبي، وكتابة المقالات عن كاتب وشاعر يعجبه، ومضى كحال جيله، إلى تأسيس مجلات أدبية ذات طابع تنظيري، تهتم بالشعر وقضاياه وهمومه وأشكاله وأساليبه، بحيث لم يحصر ذاته الشعرية في بوتقة الشعر وحده، مثل الأجيال السابقة كالستينيين والرواد، حيث كان الشاعر لا يبارح صومعة الشعر، قابعاً في محرابه يداعب البحور والقوافي، وإذا ما غادر موقعه، وكتب رسائل، أو سيرته الذاتية، أو ترجم عملاً ما، ستهلل له الصحافة كونه قد أبدع وأضاف إلى منجزه عملاً آخر، وفي الغالب سيكون هذا الصنيع النتاج الأدبي الوحيد غير الشعري.
بيد أننا في السنين الخوالي، بدءا من جيل الستينيات ومروراً بالسبعينيين فما فوق، سنشهد نشاطاً ملحوظاً للشعراء العرب، في التنظير الأدبي والشعري، والترجمة الشعرية، والبعض ذهب أبعد في كتابة السرود الإبداعية كالقصة والرواية وأدب الرحلة وغيرها، مما يتناص مع الموضوعة الشعرية، كالتأملات والصروف التصورية، المحمولة على أمواج الشعر، والقريبة من نفحة الخاطرة والشذرة الفلسفية، ذات التوجه الروحي والنفسي، التوجّه الذي يطرح مفاهيم وتصوّرات ورؤى الشاعر الحداثي، المغرم بالفنون عامة.


يستهل الشاعر رمضان، مختارته بمقدمة وجيزة يوضح فيها كيف تمت المختارات، وكيف كانت الفكرة، شارحا لنا المنحى العام لهذه المختارات:
«مضت سنوات طويلة، خمسة عقود وأكثر، على أول كتابتي للشعر، كنت أيامها أحلم بالحوريات فور الوصول إلى الجنة، مضت سنوات طويلة، اعتقدت معها أن الرياح القوية، قد دفعتني في ظهري، هكذا هكذا، حتى أنني انكفأت ونهضت أكثر من مرة، إلى أن امتلأ جسدي بالغبار، وامتلأت روحي بأطلال المدن، القاهرة، الإسكندرية، بيروت، دمشق، بغداد، مراكش، إيثاكا، بابل، الأخيرتان تركتا ماء عيونهما في عيوني، كثيراً ما نسيت أنهما في مكانيهما، مما جعلني أرتاب في أنني أصبحت رجلاً عجوزاً، رجلاً عجوزاً حقاً، يخشى النظر إلى المرآة، يخشى النظر إلى نفسه، لأنه يخاف تجاعيده، لذلك لما فكرنا، هيئة قصور الثقافة وأنا، في صناعة تلك المختارات الشعرية، تحاشيت أن أقوم وحدي بواجب الاختيار، ثم تحاشيت أن أقوم أصلاً بالاختيار، ثم تحاشيت أن يباركها ويقدّم لها أحد ممن تفوق تجاعيده تجاعيدي».
يبتدئ عبد المنعم رمضان اختياراته بالقصائد المأنوسة، تلك التي تحمل البهاء في الصورة، وتحمل أيضاً جمال المعنى، وأعني هنا اختياراته الدقيقة لشعره الصافي، شعره الخالي من الزخرف، والتوشيات البرانية، وطارداً بذلك، إن وجدت لديه، كل ما يميل وينحو نحو الدوائر الصوفية، والهذيانات العرفانية، تلك الموسومة بالرمز الطلّسمي، والتبعات المتعلقة بالكتابات التي تعطي طابع الجفر والترميز، التي توحي بالإشارت والعلامات، وبالتوجه المشعوذ، على أنه سحر وتمكين مُقدّر من جهات غامضة، وهي آفة جمالية شاعت في فترة السبعينيات، ودارت ما بين بغداد والقاهرة ودمشق وبيروت، وصولاً إلى المغرب، لدى بعض الشعراء المتأثّرين بالحركة الستينية التي طلت فيها مثل هذه التجارب، ثم اتسعت لتأخذ مسارات صوفية في مرحلة السبعينيات، وحتى الثمانينيات، بينما الشعر فن متقشف ولا يحتمل أن نحمله تمثّلات شكلية، وصورية تشكيلية أكثر من طاقته الجوانية، ونواحيه الأسلوبية، وبذا لجأ الشاعر إلى تثبيت القصائد المفصحة عن المعاني، والموصولة بالتبليغ الموحي، ورسم المشهد الشعري ببراعة الشاعر وخبرته الطويلة بالفن الشعري، فمن ديوانه «لماذا أيها الماضي» الذي ينحو نحواً في الإيصال الفني نقرأ:
«عندما كان المسيح
يمشي إلى الريف
كنت أصاحبه في المساء،
وكان إذا بلغ الكوخ
يتركني في محاذاة أحجبة
لا أكاد أناولها،
قبلما تستطيبُ العصافيرُ أن تتريّضَ
حيث كنت أحملُ أمتعتي
وأعود إلى غرفتي
ربما أجد الشاي والخبز والكلمات الصغيرة».
في مجمل هذه المختارات، نعثر على الروائح والحواس، نعثر على الألفة العائلية، حيث الأزقة وطرقات الطفولة، والحياة الهاربة، تلك التي فرّت من عمر الشاعر، واختفت في البعيد، منطوية على عوالمها ورواسمها ومشهديّاتها، هنا حيث بيت الجد، والجدّة والأم ورائحة الأب، الذي تلاحق صورته الابن حيثما حلّ، وتوغل في السنين، حتى وهو يصير جَدّاً أيضاً، ستظل تلاحق الشاعر الصور الأولى، والذكريات الدفينة، فوحده الفنان، وحده الشاعر والمبتلى بالأدب يستطيع إعادة الماضي إلينا، ورسم تلك الملامح البعيدة، الموغلة في القدم والمغطاة بغبار النسيان. لكن الشاعر الذي يعتاش ويتغذى من الكلمات والخيال والهيام، يستطيع ردم حفرة النسيان بضوءالذاكرة وقوة النور الكامن فيها، لنسترجع معه تلك السمات، والصفات، واليوميات، من تفاصيل حياة غبَرتْ، ولكنها ظلت حيّة في وعي وقلب وروح الشاعر، تلك الروح التي ينتابها الحنين إلى دفء ثوب الجدّة، مسترجعاً بذلك الحنان المؤنس، واللهو البهي، مع ماضي الجدة، كما يوضّحه في قصيدة «باب الجنة « يوضحه لنكون معه في ذلك الوقت العابر:
«الشارع الطويل منذ بيتنا
إلى بيوت الأهل
كان مرسوماً على ثياب جدّتي
وكان صمتها
عجينة بيضاء مثل جلدها،
مليئة بالماء والرياح والطيور…
كان صوت جدتي
يشبه صوت امرأة من أُولَيات العالم السري،
فخذها كانت هي السرير لي».
وعن الإسكندرية وكفافي الذي يحضر بحضورها، وكأنه القرين لها، أو الابن أو الراعي لمجدها في سياق الأزمنة، ينبري الشاعر في وصف شاعر الإسكندرية، الشاعر الذي أرّخ لها بأجمل قصائده، وأدخلها التاريخ الجمالي، أكثر من الإسكندر نفسه، كفافي الذي عرف البرابرة عن كثب، وعرف المدينة التي لم يستبدلها بأخرى، كون الحياة هي واحدة وكلها خرائب حيثما مضيت وحللت، أسكندرية كفافي هكذا تسمى، لقد غلبت عليها هذه التسمية المستلة من اسم آخر، هو الإسكندر المكدوني الذي ختم نهايته في العراق، بين بابل وآشور، نهايته الحزينة في أرض فجعته، وأودتْ به وبتاريخه، فعن الإسكندرية يقول عبد المنعم:
«كان كفافي يعشق الإسكندرية،
كان يرفّ فوقها كورقةْ
وكان إن ناداه طائر البحر جثا
واحترقت جبّته
فمال نحو امرأة يعرفها
تقول: ما الذي أغواك يا كفافي،
يقول ساعدان أبيضان،
تقول: هل ملأت جسمك الطائش
هل يصير جرّة
وهل أصيرُ زنبقةْ؟».
لم يزل عبد المنعم يتحرك في الميثولوجيا ها هنا، خارجاً من بنيلوب وإيثاكا ليدخل إلى عالم كليوباترا، وتاريخها الجميل والذهبي، ليستقصي كل ما تنوء به كليوباترا من سلطة وجمال وهيمنة:
«بعد حين من الوقت، سيئنّ الممرّ الطويلُ وسوف نرى جسمها المتناسقَ ينهبُ أحداقنا، امهلوها فلن تتعثر، أذيالُ فستانها ستزيلُ الهواءَ الذي وطأته، اتركوها تهمّ إلى العرش، تتلمسه بأصابعها، تتذكرُ، لا تنحنوا قبل أنْ تستردّ مكانتها، وإذا ابتسمت أطرقوا كالحيارى».
وعندما يتماهى الماضي مع الحاضر، ينسل الشاعر من الأساطير إلى الواقع، ليرى كيف كانت ليلى مراد، وكيف هي فيروز التي كرّس لها قصائد عدة، تارة باسمها، وأخرى تحت استعارة أنسية، من أنسي الحاج، ليعنونها بالرسولة، وفيروز ذلك الصوت الساحر والملائكي لم يكن سوى صوت لرسولة الضوء، رسولتنا من الأرض إلى عالم النجوم إذ:
«كنا نعرف أن القمر يمرّ على شرفتها في منتصف الليل تماماً، كنا نعرف كيف تميل عليه وتحضنه، تعطيه حناناً صرفاً وتغطيه، ببعض قماش شفاف تنسجه سراً إحدى المحظوظات ولا تستعجله، في تلك الليلة من أيلول أخدنا القمرَ، ولما اقترب الميعادُ رأيناها تهرب كالسكرانة، تمشي في الطرقات، وتذهب نحو بيوت بيضاء يحيط بها الحراسُ المسؤولون عن الأحلام، وينفذ منها صوت الناي بطيئاً يتخلله صوت القمر، ستنصحه أن يبقى في غرفته الليلة».
يجمع الشاعر عبد المنعم رمضان في هذه المختارات، وعلى نحو فني مقتدر، بين الماضي الميثولوجي، والراهن المُحمّل بالأعباء، والحروب والدمار والخرائب، التي تحيط بصورة الراهن، واليومي، فإيثاكا هي غير بابل، وكلتاهما تنبعان من عالم بعيد، من عالم موغل في القدم والأساطير الآسرة، كحال كفافي مع إيثاكا البعيدة والغاربة، بين عوالمها الإغريقية، ولكن الحاضر يطاردها، وكما أعلنه كفافي في قصيدته الاستثنائية «المدينة» وكذلك هي بابل تعود من الماضي وتنهض كطائر الفينيق، لتخبر عن حالنا في الراهن، ففي قصيدة الشاعر رمضان «على أنهار بابل» تحضر بغداد بنهريها، دجلة والفرات، وبشقّيها الكرخ والرصافة، وتحضر صوامعها ورموزها التاريخية، مراقدها والتكيّات، ومن مرّ بها من فلاسفة وكتّاب وعلماء وشعراء ومتصوفة، وعلى الضفاف البعيدة يحضر البرمكيون، والسادة الحنفية، بيت شريف الرضي وسفينة هارون والزنج، وتظهر طائفة الترك والكرد والديلم والصابئون والموإلى وعبدة الأصمعي ورؤبة وابن نباتة والمتوكل والبحتري ونازك الملائكة، وسارية المتنبي، وطيف الأمين، والمقاهي وقوارب الصيد والبابليون، وكذلك تُطل الحروب والعساكر والطائرات، حتى نصل إلى الخراب الماثل.

عبد المنعم رمضان:»بعيداً عن إيثاكا قريباً من بابل»
الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة 2019
278 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية