مَن يستطيع تأليف الكلام وفق إيقاعات الوجدان، يكون قد صاغ لنفسه مفاتيح النفوس والقلوب، يقلبها كيف يشاء. بالكلام الجميل تمرر الممنوعات وبالكلام المعسول تغتصب النساء، وبالكلام الموزون تنجح الأيديولوجيات، وبالكلام الحلو ننجح في التربية وترويض من يستعصى أن يروض. بالكلام يمكن بيع الرخيص بالباهظ واصطياد الرفيع بالبسيط.
ولأن الكلام كذلك فقد اتخذه فيلم «آخر الرومانسيين» موضوعا جعل الجمهور يقفون على خطورته، حين يصير أداة بيد صياد يتقن استعماله للقبض على طرائده وقضاء مآربه عبرها. الفيلم أداء، عبد القادر مطاع، مراد الزاوي، أمل صقر، وغيرهم. سيناريو وحوار عبد الإله الحمدوشي، مدير التصوير عبد الرحيم غربال، مونتاج محمد أحميش، موسيقى عبد الفتاح النكادي. وإخراج خالد إبراهيمي. حصل الفيلم على الجائزة الكبرى في مهرجان الفيلم التلفازي في دورته الثانية في مكناس عام 2013.
البطل بمواصفات الرومانسي
يحكي الفيلم عن رجل وسيم يعرف كيف يستدرج ضحاياه من النساء بكلامه الحلو، الحامل لمعاني الحب ودفء المشاعر، فيحقق رغباته المادية بكل يسر، وينتهي به الأمر إلى السجن، وقد قتل عشيقته وزوجها، وكاد يقتل ابنهما طمعا في الاستيلاء على أملاكهما. لعل مصدر قوة الفيلم وجاذبيته تكمن في الاختيار الصائب للشخصيات، سواء تعلق الأمر بعبد القادر مطاع، مدير شركة بناء أو لزوجته أمل صقر والرومانسي الشاب الوسيم مراد الزاوي، الذي أخذ نصيب الأسد في المسافة الزمنية التي قطعتها أحداث الفيلم. بطل رومانسي بامتياز، تبدو حواراته طبيعية تحمل خطاب الاستمالة بإيقاع يجعل المتفرج يؤمن بارتجاليته المبنية على التجربة والثقة بالنفس، فهــــو يبــــدو شــبيها بطبيب نفسي خَبِر كل مكنونات النفوس ونقاط ضعفها أمام خطابات معينة.

بطل يعرف كيف يتمظهر، وكيف يخرج سالما بلا ارتباك من الورطات التي يقع فيها، يختار أماكن ووسائل الإيقاع المختلفة لضحاياه من النساء، يعرف كيف يسوِّق لشخصه كمهني يستحق التقدير، يعرف كيف يرد على مواقف التردد الصادرة من ضحاياه. بهذه المواصفات تمكن البطل من تأدية أدوار متماثلة، ظهرت وطأتها واحتدت مع زوجة مدير الشركة، حيث جسدا معا خطورة الكلام المعسول في تحقيق الأحلام، والسقوط في أدران المتمنيات الواهية. وقد ساعده ذلك في استحضار الثقة بنفسه وبأهمية وصدق ما يقول، فحتى وهو في رحاب المحكمة يدافع عن نفسه بدم بارد، فيقول بأنه بريء لأنه يبيع السعادة ـ وهي أغلى ما يبحث عنه الإنسان ـ عبر الكلام الجميل وهو من المحظوظين الذين يجعلون الناس يحسون بالسعادة.
امرأة عاشقة وثري عاجز
إن تكامل وانسجام أداء الفنانة أمل صقر مع مراد الزاوي، كان له الأثر العميق في تجسيد ما يروم الفيلم الوصول إليه، فهي المرأة الواعية الأمينة، وهي في الوقت ذاته المرأة التي ينفلت بها التفكير في اقتراف المحظور، فهي تعيش تمزقات تتدرج حدتها كي تنتهي بموتها على يد من تحبه، وأعطته أغلى ما تملكه المرأة، وقد أوقعها في حبه بطريقة مفاجئة، وكأنه يتوسم في داخلها قبول الانخراط في تجربته المستبطنة للشر والخواء، بدل الحب الحقيقي الذي تحلم به. من ناحية أخرى أدى عبد القادر مطاع دور الرجل الغني، الذي يعمل تحت رعايته كثير من العمال، رجل بنفوذ قوي وبامرأة جميلة ومنزل فاخر، إلا أنه وكما يبديه الفيلم الرجل العليل الذي اعترته الكثير من الأمراض، فصار عاجزا جنسيا وهنا الثغرة التي تمكن الشاب المخادع من استغلالها لنيل مبتغاه.
المكان ودلالته
ساعد على نجاح الفيلم الفضاءات التي تمت بها الأحداث فضاءات جميلة تدل على المظهر الحضاري لمدينة مغربية هي طنجة عروس الشمال بشوارعها ومنتزهاتها ومطاعمها التي كانت ملاذا للبطل الرومانسي وضحاياه من المحرومات، فضاءات عملت على جعل الأحداث تُدْرَكُ وكأنها واقع فعلي لتكاملها مع هويات الشخصيات وأدوارها المختلفة ومراكزها الاجتماعية.
الموسيقى
جاءت موسيقى الفيلم منسجمة ومتسقة مع الأحداث في تطورها في هدوئها وفي تأججها.
موسيقى غطت الأجواء الرومانسية ورافقت مطاردات ومشاحنات ومغامرات البطل الرومانسي، وبذلك أضفت على الأحداث في تطورها وتحولاتها زخما أغنى أجواء الحدث الدرامي.