الفيلم المغربي القصير «صابرين»… ما بين رحمة الأسرة وجحيم المجتمع

يأتي الفيلم القصيرة «صابرين» لمخرجه مهدي محتاج، والمنتج أحمد أيت أوزدي، وبطولة غزلان بحاري وعبد العزيز أمعدور. محاولاً توضيح صورة الحرية المنفلتة، وعدم الالتزام بوصايا الأسرة، حيث تتعلق أحداث الفيلم بفتاة توفي أبوها بعد أن صارت شابة، وتحاول أمها أن تمنعها من الانحراف، لكنها لم تفلح في ذلك، لينتهي الأمر بها إلى تعاطي الرذيلة مقابل المال، فتشعر بالندم وتتذكر توجيهات أمها، لكن بعد فوات الأوان.

السرد

ورغم هذه القصة العادية، إلا أن المخرج خرج بها من فخ الرتابة إلى جمالية السرد، فاعتمد لقطات الاسترجاع بشكل لافت، إذ جعلها تعتري الأحداث من بدايتها حتى النهاية، استرجاعات تشد البنت إلى الماضي، حيث تواجد الأب الراعي الحامي قبل وفاته، واعتمد في ذلك على صورة فوتوغرافية تجمعها مع أمها وأبيها، وجاءت في الفيلم بمثابة رمز للرقابة والتوجيه نحو العفة والصلاح، تجنبا ووقاية من الانحراف.
يبدأ الفيلم بمشهد فضاؤه مقبرة ترتادها الأم مع بنتها يستأجران قارئا للقرآن فيقرأ على قبر الفقيد «سورة يس»، وفي هذه الأثناء تتذكر الفتاة أباها وحياتها قبل هذا اليوم، تتذكر يوم كانت طفلة لا تفارق (لعبتها الوحيدة)، استرجاع يبدي بطلة الفيلم صغيرة ترسم خربشاتها وتلونها بجانب لعبتها التي لا تفارقها، وهي دب مصنوع من الصوف. لعبة تعتبر الرمز المكرر في الاسترجاعات داخل الفيلم، وهي تحيل على عدة أمور منها العهد الذي بينها وبين أبيها، وهي تمثل الأمانة الخلقية التي ينبغي المحافظة عليها، وتمثل اهتمام أبيها بها حتى في لحظة مفارقته الحياة. هذه الإحالات تُسْتشفُّ من تعاطي الكاميرا لإظهار هذه اللعبة مرات كثيرة في الفيلم وفي الوضعيات غير المحمودة بالخصوص.

الحكاية

وتتطور الأحداث بعد زيارة المقبرة وقراءة القرآن على الفقيد، وترك الفتاة لدبها الذي تحبه على قبر أبيها، وكأنها تركت كل القيم التي حملتها من وجوده بجانبها وهي صغيرة إلى أن بلغت سن النضج. تدخل وقد خلعت حذاءها كي تخفي عودتها المتأخرة عن أمها، لكن هذه الأخيرة تنبهت إليها فخرجت تؤنبها وتعاتبها لتأخرها في العودة إلى المنزل، وترد عليها غاضبة وتتجه بعينيها إلى صورة أمها وهي تحملها طفلة إلى جانب أبيها. تلي ذلك لقطات متشابهة في تجسيدها لانحراف الفتاة وسقوطها ضحية الطيش والخداع، تظهر في سيارة مع شاب وهما يتناولان مخدرا ويرقصان، وهنا تظهر الكاميرا الأب الهالك يحمل معه دبَّها وينظر إليها متأسفا والسيارة تجري بها في الشارع. في الفندق تتوالى عليها وجوه الرجال كل يريد الفوز بها، وتحتار قبل أن تختار أحدهم تعتقد أنه شاب مناسب أمين، وتتطور العلاقة بينهما ليتفقا على الالتقاء في ملهى ليلي مع بنات الهوى، يرقصن على أنغام الموسيقى الغربية، وهي غير مطمئنة، وتشعر بالخداع من قبل من وثقت به وتنتظره، وتبقى وحيدة بعد انصراف الأخريات لتأتيها مكالمة هاتفية جارحة وتمسك برأسها ثم تدفن وجهها بين يديها من الهول، وتبكي وهي تتذكر أمها وأباها، وتتذكر يوم مات وتتوالى عليها صور الطفولة في علاقتها به، وشجارها مع أمها التي ماتت بدورها، حسبما يفهم من المكالمة السابقة، تظهر مرة أخرى في المقبرة وهي تحضن لعبتها ثم ترميها لتظهر في مشهد وهي نائمة ومغتصبها يضع أمامها أوراقا نقدية ثمنا لما حدث، وهنا تعود بنا الكاميرا إلى استرجاع لقطات تظهر فيها في مقبرة يوم دفن فيها أبوها وفي حضنها دبها الذي تضمه وهي تغادر لتكون نهاية للفيلم.

الأسرة في مواجهة المجتمع

طرح الفيلم قضية الاحتماء بالتوجيهات الأبوية، باعتبارها الجدار الحامي من السقوط في سوق الافتراس، وكان طرحه مغايرا في جانبه الإبداعي، وقد تعاضد في ذلك اعتماده على الترميز مع عدم طرح قصته في شكل مباشر، مما جعل المشاهد يندمج في عالم سرعان ما ينتقل به إلى آخر مخالف، عالم الطفولة والحماية الأسرية إلى عالم الموت والحزن والأسى، ومن هذا العالم إلى عالم الخروج عن التوجيهات بدون حذر، ومن الثقة العمياء إلى ارتكاب الموبقات. وبهذه الصيغة جاءت أحداث الفيلم دينامية تستدعي إعمال الفكر، فيضع يده على القيم الأخلاقية وكيف أن المجتمع لا يرحم وأنه يُشرْعِن الاستغلال لثقة الآخرين بلا رحمة أو ضمير ليسقطهم في شباك الرذيلة. وقد أجاد حين ركز على التصادم المتقد في أعماق البطلة، بين الرغبة في المتعة بدون خسائر، والخضوع لأوامر الأبوين اللذين يريان الأمور بحكمة المجرب الخبير بشرور المجتمع.

٭ كاتب وتشكيلي مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية