حين يُذكر الجواهري في مجلس ما، يحضر معه تاريخ طويل من الشعراء العرب القدامى، تحضر تواريخ وأحداث ومُلمات وخطوب، وتحضر أسماء لملوك ورؤساء ووزراء وقادة ومحافل، من أزمنة قريبة وبعيدة، فهو جزء من تاريخ العراق وتشكله، منذ مطلع العشرينيّات وحتى يوم رحيله.
عاش الجواهري قرابة المئة عام، وكان آخر الشعراء الكلاسيكيّين، في السلسلة الذهبية لشعراء العمود الكبار. وحين نقف لنصنّفه وندرجه في خانة شعرية، نراه عصيّاً على دمجه في ركن أو زاوية أو مساق معين، كونه قد عاصر الرصافي والزهاوي، ومن ثمّ السياب والبياتي ونازك الملائكة وبلند الحيدري، ثم تواصل مع أكثر من جيل وحقبة وجماعة، وشهد لقاء ملوك، كملك العراق الأول فيصل الأول، ومن ثم العمل معه في البلاط الملكي إبان فترة حكمه للعراق، وكذلك رؤساء وزرائه كنوري السعيد، وصالح جبر، ومحمد الصدر، ومروراً بعبد الكريم قاسم، وعارف الأول والثاني، حتى ترؤس البعث للسلطة في العراق، حيث مرور الثنائي البكر وصدام حسين، فعاصر الأول، وهاجر بعد صعود الثاني، حتى وافته المنية، في نهاية التسعينيات من القرن المنصرم في دمشق.

من هنا يشكل الجواهري عصراً لوحده، وقرناً بمفرده، وزمناً خاصاً به، لقد مدح وهجا وتغزّل وكتب الكثير، فهو لوحده عالَم متميز.
كانت جريدته “الرأي العام” تسقط حكومات، وكذلك بعض قصائده، كانت تخلخل عروشاً، وتخيف طغاة، كانت الجماهير تستنجد به، والتظاهرات تحتمي بصوته، وتردّد أبياته الشعرية. لقد مدح مَن لم يستحق المديح، مثل البكر والأسد، وهجا من لم يستحق الهجاء مثل عبد الكريم قاسم، وتغزّل ببائعة سمك تشيكية وأخريات، ومدحه بالمقابل شعراء كالرصافي الذي وصفه برب الشعر، وكذلك مدحه البياتي وسعدي يوسف وشعراء عرب كثيرون، وتعرض للذم من قبل حكام وسلطات وصحافة وكتّاب، وهوجم من قبل اليسار واليمين، وهو كان كالجبل الشامخ، لا يرضخ ويُذعن ويستسلم، قد يهادن هنا وهناك، ولكنه كان دائماً في الصدارة، وله المقام المتميز، والمجلس الأمثل.
مناسبة حديثنا أعلاه هي صدور كتاب للكاتب العراقي زهير الجزائري، وهو ابن مدينة الجواهري النجف، وقد عاشره لسنوات، ولا سيّما حين كان الاثنان مقيمين في دمشق، وكذلك في بعض المحطات، مثل براغ العاصمة التشيكية، ولندن حين جاءها الجواهري هارباً من بعض مضايقات رجال الأمن، ومراقبتهم لمجلسه، وللزاور الذين يتوافدون عليه. فقد أقام لفترة قصيرة في لندن، ولكن رحيل زوجته فيها، كان قد دفعه للعودة مجدّدأ إلى دمشق، تلك العاصمة التي مدحها في قصائده، على مدار تاريخه الطويل مع الشعر، كما مدح بغداد، وخلّد نهر دجلة والفرات في أجمل ما قال، فهو أبو فرات، ولده البكر، وخلد دجلة في أجمل قصائده التي لا تنسى لحافظيها، والمعروفة بمطلعها “يا دجلة الخير يا أمَّ البساتينِ، حيّيتُ سفحكِ عن بعدٍ فحيّيني”. ومدح كردستان، ومصرَ في شعره، ولبنان بجباله وجمال طبيعته الساحرة، وحيّا شعراءها كإلياس أبو شبكة صديقه الأثير، ولكنه في الجانب الآخر ذمّ الكثيرين، من اعترضوا طريقه وحاربوه، ولكن جام غضبه الأكبر كان ينزل على الحكام والطغاة، والرؤساء الذين لم يكن معهم على وئام دائم، فالشاعر كان قد شهد حربين عالميتين، واحتلالين، العثماني والإنكليزي، وحروباً عربية ـ عربية، وإسرائيلية ـ عربية، وأربع جمهوريات عراقية، ورؤساء ناصبهم العداء والتقلب في المزاج، وقد هجا عبد السلام عارف بقوله : “يا عبدَ حربٍ وعدوَّ السلام” بعد انقلاب البعث الدموي، في الربع الأول من الستينيات، بينما مدح الملك المغربي والمالكي السوري في الخمسينيات، وهجا ساطع الحصري الذي ناصب الجواهري العداء، ولكنه مدح صالح مهدي عماش نائب البكر، وكان عماش بدوره شاعراً كلاسيكياً أيضاً، وصديقاً مخلصاً للجواهري.
كان الجواهري وكأي شاعر حقيقي، شخصية قلقة، ومضطربة ونشطة، يدخّن ويشرب كأسه اليومية، وظل حتى أواخر عمره المديد، ينظم الشعر ويكتبه، ويفاخر به شعراء المدرسة الحديثة، إضافة إلى كل ذلك، كان أيضاً شخصية نزقة، ونرجسية، وتعرف مكانتها الشعرية والأدبية في عموم العالم العربي. وحول الحديث عن نرجسيته، نذكر مديحه الكثير لشخصه، كقوله لنفسه : “تسلم يا صاحب الفم الذهبيّ” أو تقريعه لنفسه من باب المديح، أو ذمه لنفسه حين يقول له أحدهم كيف خرجت بهذا البيت، وهو يشتم البطانة الملكية وعلى رأسها نوري السعيد، عندما قال:
“أنا حتفهم ألجُ البيوتَ عليهمُ
أُغري الوليدَ بشتمهم والحاجبا”
فيرد على نفسه موبخاً ذاته : “أنت منو يا ابن …. لكي تلج البيوت عليهم”
أنت ماذا تملك؟ يا ابن الذين …” إلى آخره.
وعن ساعات الإلهام، التي تسميها عائلته ساعات الخبل، فهو حين تترى عليه الأبيات في ذهنه، يبدأ بحفظها والترنّم بها، أو الرقص لها، وهو وحيد في غرفته، وأحياناً يطرق الجيران عليهم الباب من شدّة صراخه وترنّمه بالأبيات الشعرية الجديدة التي يقرأها على نفسه، أو تلك التي يود تجربتها، من ناحية الإلقاء فيما لو كان مدعواً لمهرجان ما فيه صفوة من الأدباء والقادة والشخصيات المعروفة.
ولطالما ذهب الجواهري إلى السجون، بسبب قصيدة مسّت شخصية حاكمة، فألّبت عليه الخصوم والحكام والوزراء، وكان أحيانأ يُبرّأ لحنكته، وقوة دفاعه، وأحقيته، والتوريات التي يستخدمها في القصيدة، تلك التي ستساعده في مثل هكذا مواقف، وتنقذه من تهمة ما، أو توقيف ما، أو حكم ينطق به الحاكم في المحاكم التي كان يتردّد عليها كثيراً، بسبب هذا الرأي أو تلك القصيدة.
أما بخصوص نرجسية الجواهري، واعتداده بشخصه، وقوة مكانته بين الآخرين، فيروي محاوره زهير الجزائري “مرة حين كنت في منزله الشاميّ، جالساً في الصالة، والجواهري كان قربي يجلس، والتلفزيون مفتوح، لفتني شيء ما ظهر على الشاشة الصغيرة، فتبرّم الجواهري من انشغالي بمشهد تلفزيوني عابر، في تلك اللحظة ابنة الجواهري لاحظت ذلك، فأشارت لي بما معناه أن أنظر إلى الجواهري، وليس إلى التلفزيون”. وحين زاره الجزائري في المرة الثانية، وجد التلفزيون قد اختفى، ورُفع من الصالة.
يقول الجواهري في معرض حديثه عن البدايات الشعرية : “كنت أعيش معظم أيامي لذاتي، كان نديمي وصديقي الحقيقي هو خير ما في التراث العربي، وكنت قبل أن آتي إلى هذا المجلس أو ذاك، كنت أقرأ منذ الصباح حتى المساء ديوان أبي العلاء المعرّي، هل تصدّق أني قرأت البيان والتبيين وأنا ابن العاشرة، وربما الحادية عشرة، وكذلك ابن المقفع، ومن الدواوين أقرأ بنهم يشبه الهوس من جاهلييها حتى عصر المماليك، ما لا أشتريه أستعيره، وأحياناً أسرقه ولا أعيده…. حفظت أبو العلاء بيتاً بيتاً، وتعصّبت للبحتري منذ العشرين ولازمني هذا التعصّب حتى اليوم، وأنا على أبواب التسعين”.
تعد النجف مدينة لشعراء السليقة، فيها شعراء لا يحصون، فكل صاحب عمامة هناك له صلة ما بالشعر، وكان في بداية نبوغ الجواهري في النجف أكثر من مئة شاعر يقرضون الشعر، وجلهم لا يطبع أو ينشر، عدا استثناءات قليلة جداً، بل هم أي شعراء السليقة يتبارون به في المجالس، ويتسلّون به في محافلهم ولياليهم، فالشعر كان في تلك الأزمنة، من بدايات القرن المنصرم، بمثابة السينما والمسرح والتلفزيون، فالناس تصبح به، وتختم به، في بيوتاتها، ومجالسها الأدبية، والدينية، وحتى في مناسبات العرس، والموت، والمناسبات العامة.
بيد ان الجواهري فطن باكراً لمهمته، وأحسّ أنّه مختلف عن كل من يأتي بالشعر في ذلك الزمن، ومن هنا أعد نفسه جيداً لهذه المهمة، وحين رآى نفسه قادرة على التحدي، وخوض غمار هذه القضية الجسيمة التي هي الشعر، تخلى عن عمامته، وتوجّه إلى بغداد، ليصول ويجول فيما بعد هناك، إذ كان الجو مهيئّاً لاستقبال هكذا شاعر متمكن، عراقياً وعربياً، فسارع إلى نشر الشعر في كبرى المجلات العربية حينذاك، حتى أطبقت شهرته الآفاق، فسافر إلى البلدان عبر مهرجانات، كونه كان رئيس اتحاد الأدباء العراقيين، فرأى مدناً وعواصم لم يكن يحلم أن يرى صورتها لو بقي في النجف.
وعن أول سفرة له بالطائرة وكانت يومها إلى يافا يقول: “يشاء الحظ أن تكون أولى رحلاتي بالطائرة إلى فلسطين، كنت تلقيت دعوة من إذاعة الشرق الأدنى لإقامة أمسية شعرية في يافا، وكان الطيران كوسيلة نقل حديث العهد، وذيول الحرب ما زالت سارية، ولذلك وقعت ما يشبه وصية ميت، وقلت آنذاك، إنّ الأمر يستحق المجازفة وما دام الوعد هو رؤية فلسطين الجميلة، كنت أراقبُ سهول فلسطين الخضراء وجبالها من فوق السحاب وأنا أدمدم مطلع قصيدتي:
“بيافا يوم حُطّ بها الرّكابُ ـ تمطّر عارضٌ ودجا سحابُ”
وفي الحفلة الكبيرة التي حضرتها شخصيات فلسطينية وإنكليزية، قلب الجواهري الطاولة على مضيفيه الإنكليز، وقرأ قصائد تهاجم الوجود الاستعماري والأجنبي للبلاد العربية.
زهير الجزائري: “مع الجواهري، الحدث، الذات، القصيدة”
جامعة الكوفة، 2018
174 صفحة.