المرئي واللامرئي في سينما المخرج

«اللامرئي ينصهر في المرئي، والأشياء جميعها تنتظم بهدوء وسكينة في العالم. قد أراها وأتحكم في مصيرها.. تأمل هذا الاتصال القائم بين الجسد والعالم».
ميرلوبونتي

قال سارتر إن ميرلوبونتي مات حزينا متشائما ما دام أن الوجود لم يصل بعد إلى حقيقته، ولعل هذا بالذات ما جعله يلتجئ للأنطولوجية التأسيسية، ومن حسن الحظ أنه ترك لنا كتاب «المرئي واللامرئي». لقد مات وهو بصدد مراجعته، فبأي معنى يمكن لهذا الكتاب أن يفيدنا في هذه التأملات في سينما المخرج المغربي؟ وهل يساهمان في بناء لغة السينما؟ فالصورة هي انبثاق من العالم المرئي الذي يتجه نحو الوجود هاربا من العدم، وبإمكان الأشياء التي توجد هناك ماثلة أمام المخرج السينمائي الذي أصبحت الرؤية عنده نابعة من المرئي، لذلك يسعى إلى جعله ينصهر في اللامرئي، وكأن ما يهم في الفيلم ليس ما نشاهده فقط، بل ما هو موجود وراء الحجاب، وتقوم اللغة بفضحه. فالكاميرا حين تتأمل في الصمت تبدع الحنين إلى الذكريات. هكذا تنشأ حميميتها بالإنسان، لأن المهم ليس هو أن تبدع الصور التي يمنحها المخرج معنى، بل أن تتحكم في مصير هذا الإنسان. ولعل هذا ما يعنيه الفيلسوف بتجربة الذات في العالم التي تهب نفسها، لكن حسب وجهات نظر مختلفة تسمح بتضمين زوايا نظر أخرى ممكنة، ولذلك تستطيع السينما أن تقرب المرئي إلى اللامرئي. فمن خلال تعميق الأسئلة حول هذه العلاقة الغريبة التي تسعى إلى الإحاطة بالصورة وما بعد الصورة، يتعين علينا أن نكتشف وجودنا في هذا العالم المضطرب من خلال بعض الأفلام المغربية الحديثة، التي تريد البحث عن المعنى في معناه، والوجود في الإدراك، والحياة في الصورة، فالذهاب نحو هذه الأفلام هو بمثابة النزول من قمم اللامرئي إلى عالم المرئي، لأنه من حين إلى آخر، وبعد تأمل عميق، يشير إلينا ذلك الوضوح المرغوب فيه، وخلسة نتيه في ما بعد الصورة إلى أن نصل إلى اللامرئي، باعتباره مدخلا لفينومينولوجيا الروح.
والحال أن السينما أيقظتنا من سباتنا الفني، خاصة تلك الأعمال العظيمة لكبار المخرجين الذي اختبأوا في المطلق، ولعل هذا ما حفز بعض السينمائيين المغاربة للبحث عن هوية لأفلامهم في السينما. هكذا جاءت أفلامهم عبارة عن تأملات في الفن بواسطة قلق التقنية. فالتأمل والقلق هما الشيء نفسه، أي أصل العمل الفني الذي اختار الحقيقة كهدف له، وسؤال الوجود كغاية.

ينبغي إبداع سينما تريد خلق المعنى من اللقطة، وليس اللقطة على معنى سابق، أي التوجه من المعنى إلى ما يعنيه، كما هو الحال في الواقعية الإيطالية الجديدة التي كانت كحركة سينمائية عفوية، تبحث عن مناطق هامشية للكتابة السينمائية، ولذلك تجعل من كل فيلم عملا فنيا يتجه نحو أصل العمل الفني، أي الحقيقة.

السينما أصبحت عمياء، والكلمات ضائعة والكاتب يتوجه نحو الصمت، فثمة قدر حزين ينتظر كل مفكر يسعى إلى هدم العدمية بمطرقة نيتشه، ذلك أن السينما المغربية ملقى بها في العدمية، والمخرج الفنان في خطر، لأنه يشعر بالاغتراب في مجتمع يهدم القاعات السينمائية ويبني دور العبادة، قام بتحطيم الأندية السينمائية وتأسيس المجالس شبه العلمية، هكذا توجهت الروح نحو الخسوف في العدمية، باعتبارها تحطيما للفن عامة، وللسينما خاصة.
ومن أجل مقاومة الاستلاب الثقافي، واغتراب الروح في عالم مهدد بالانهيار، ظهر جيل جديد من السينمائيين الذي تحمسوا إلى إنقاذ فن السينما من عدمية الرؤية الظلامية، أذكر منهم الشرايبي، عهد بنسودة، مفتكر، محمد اليونسي. هؤلاء كان من المفروض أن يمثلوا تيارا سينمائيا جديدا يمكن تسميته «بسينما المقاومة» هذه السينما التي تسعى إلى فتح مجال الفن أمام الأفلام ليحصل بذلك بناء سينما مغربية، منصهرة في سؤال الحاضر، لأن هذا السؤال ظل غائبا عن تلك الأفلام المغربية التي تسلل التراث إلى كينونتها وحطم فيها الفن وترك التقنية.
ينبغي على السينما الجديدة أن تواكب فن العيش، وتدافع عن الحرية والكرامة، بل أن تقاوم من أجل نشر التنوير في المجتمع، فوحدة الفن في العالم لا تتم إلا برؤية المخرج الفنان، الذي يكون ملتزما بعصره، فبدلا من أن يتساءل من نكون، يوجه السؤال إلى الحاضر الذي يعيش فيه، من تكون؟ ولماذا أنت هكذا؟ ولماذا لا تصبح فنا للعيش يتماشى مع الذات الاستيطيقية؟ ومن يحمي الذات الفاعلة من خطر العدميين؟، ألا يكون انتشار التنوير؟
السينما الجميلة كما يتصورها هؤلاء، هي التي تضمن فيلما جميلا يسمو إلى تحفة فنية، لا يهم تحقيق الأرباح المادية، بل رأي النقاد، ولذلك فإن الانتقال من التقنية إلى الفن، غالبا ما يتطلب التضحية بالعمل الفني، لأن سينما الجمهور هي فن دون سينما، وسينما النقاد هي فن وسينما. فالموجة الجديدة في فرنسا كان هدفها هو فتح آفاق جديدة للسينما، من خلال الانزياح عن بلاغة السينما النمطية ولغة الأكاديمية المصطنعة. وربما يكون كودار قد دشن هذه السينما حين أخرج فيلمه « A bout de souffle » دون سيناريو، وأحدث قطيعة مع التقنية القديمة، حيث أضحى الانتقال من لقطة إلى أخرى لا يهتم بالرابط، وإمكانية تقطيع المشهد دون تغيير موقع الكاميرا، إنها سينما ثورية برؤية فنية، وليست سينما الكليشي كما يقول كودار.
ينبغي إبداع سينما تريد خلق المعنى من اللقطة، وليس اللقطة على معنى سابق، أي التوجه من المعنى إلى ما يعنيه، كما هو الحال في الواقعية الإيطالية الجديدة التي كانت كحركة سينمائية عفوية، تبحث عن مناطق هامشية للكتابة السينمائية، ولذلك تجعل من كل فيلم عملا فنيا يتجه نحو أصل العمل الفني، أي الحقيقة. هكذا يكون السفر نحو الكتابة السينمائية يشبه إلى حد ما سفر الفيلسوف تجاه تأمل الذات والعودة إلى الذات، عندما تصبح الفلسفة هي اعرف نفسك بنفسك.

كاتب مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية