لندن-“القدس العربي”: لطالما رأى الإنكليز دائما أن كلفة الطلاق أسوأ ما يمكن لبريطاني اختباره في الحياة. ولعل محاولة المملكة المتحدة الانفصال عن أوروبا تصب في الخانة نفسها، بعد زواج كامل ناف 42 عاما، مرت فيه البلاد بفترة استقرار سياسي ونمو اقتصادي كانت الأفضل بعد الحرب العالمية الثانية.
تواجه المملكة المتحدة الآن حالة من عدم اليقين، تسبب اضطرابا اقتصاديا واجتماعيا، بعد أن توصلت رئيسة الوزراء تيريزا ماي إلى مسودة اتفاق مع الاتحاد الأوروبي، تحسم أصعب مفاوضات للبلاد لمحاولة الانسلاخ عن الكتلة الأوروبية.
ورغم أن ماي دخلت معارك كبيرة في هذه الحرب الدبلوماسية، سواء داخل حزبها أو في الحكومة والبرلمان أو في الشارع البريطاني، إلا أنها انتصرت فيها جميعا حتى الآن. غير أن اللحظة الحاسمة لهذه الحرب قاب قوسين أو أدنى من الانتهاء، ربحا أو خسارة.
فهناك تمرد داخل حزبها، يدفع إلى حجب الثقة عن رئيسة الوزراء، وحقق هذا التمرد نجاحا حتى الآن وصل إلى 42 عضوا من أصل 84 عضوا، وهؤلاء بحاجة فقط إلى ستة أصوات، وهو العدد الكافي لدعوة الحزب لحجب الثقة عن زعيمة المحافظين.
ويلوح رئيس حزب العمال بدوره بأنه سيصوت على هذه المسودة بلا، بعد أن اعتبر أن هذا الاتفاق مخزيا وهراء. فيما يهدد الحزب الوحدوي لايرلندا الشمالية، وهو حليف لرئيسة الوزراء – ويملك عشرة أصوات – بالتصويت ضد هذا المشروع في البرلمان، ويعتبر أنه لا يلبي طموح الايرلنديين، وقد يؤدي إلى انفصال إيرلندا الشمالية عن المملكة المتحدة مستقبلا.
هذا الانفصال سيكلف بريطانيا ما يقارب الخمسين مليار دولار، ويحرمها من الكثير من الامتيازات الاقتصادية والسياسية الحالية، إلا أن المدافعين عنه يتمترسون ويرونه الأفضل لمستقبل البلاد، بينما يقف نصف البريطانيين على النقيض ويريدون الإبقاء على هذا الزواج النافع للطرفين، حسب حملاتهم التي لم تتوقف لاجراء استفتاء ثان، عله يوقف مسيرة الخروج.
ماذا سيحصل الآن؟ الغيوم تتلبد حول هذا الإتفاق. فهناك تهديدات داخلية باسقاطه بعد عدد من الاستقالات غير مسبوقة تضعه على المحك، وتهديدات كافية لاسقاطه في البرلمان البريطاني. أما أوروبيا فهناك امتعاض من تهديد اسبانيا باسقاط الاتفاق إذا لم تتم تسوية مشكلة جبل طارق التاريخية بين مدريد ولندن، ويبدو أن هذه المشكلة قد تصبح حصان طروادة داخل هذه التسوية.
ورغم أن الاتفاق صار شبه جاهز للتوقيع عليه اليوم الأحد من قبل الزعماء الأوروبيين وبريطانيا في قمة خاصة بهذا الحدث، إلا أن هذا لا يعني أبدا نهاية الأمر، فما زال أمام الجميع انتظار تصويت البرلمان البريطاني والبرلمانات الأوروبية السبعة وعشرين، وهذا أمر غير محسوم على الاطلاق.
ماذا سيحصل إذا رفض البرلمان البريطاني الإتفاق؟
إذا أخفقت رئيسة الوزراء تيريزا ماي باقناع أغلبية النواب بالتصويت عليه، فهذا يعني ذهاب كل مفاوضاتها بعد سنتين سدى، وسيكون أمامها ثلاثة خيارات: الخروج دون اتفاق، بما يمثله من خطر كبير على استقرار البلاد وعلى أوروبا. أو الاستقالة وما ستمثله من فوضى داخل حزب المحافظين الحاكم وداخل البلاد. أو الدعوة إلى انتخابات عامة جديدة من شبه المؤكد خسارة المحافظين لها، وصعود حزب العمال وتسلم جيرمي كورين رئاسة الحكومة، رغم المعارضة الكبيرة له داخل مؤسسات صنع القرار في البلاد. وكل هذه السيناريوهات كارثية لرئيسة الوزراء ولحزبها أيضا.
وسط هذه السيناريوهات الصعبة قد يكون هناك ضوء في نهاية النفق، هو الدعوة إلى اجراء استفتاء ثان يجنب البلاد كل تداعيات الطلاق مع تحسين شروط البريطانيين الذين يريدون طلاقا بائنا مع الأوروبيين. الا أن هذا الاجراء ما زال مرفوضا من الحزبين الرئيسيين المحافظين والعمال حاليا.
لماذا انقلب البريطانيون على أوروبا؟
عوامل عديدة ساهمت بأن يفاجئ البريطانيون أوروبا والعالم بتصويتهم للخروج، لعل أبرزها:
أولا التخلص من عبء المهاجرين واللاجئين، حيث يؤمن المواطن البريطاني بأن الخروج سيمكّن بلاده من اتباع نظام جديد يحد من السماح للمهاجرين من دول أوروبا وخارج الاتحاد الأوروبي بالدخول إلى البلاد.
وتشير إحصائيات جامعة “مدرسة لندن الاقتصادية” إلى أن عدد المهاجرين يقدّر بـ863 ألفا، وهو ما يشكل عبئاً بقيمة تتجاوز (4.131 مليارات دولار) سنوياً.
ثانيا، الخوف من الإرهاب، فزيادة الهجمات الإرهابية في بعض الدول الأوروبية مؤخراً دفعت المواطن البريطاني إلى التفكير في أن الانفصال سيوقف اتفاقية الحدود المفتوحة بين دوله، وهو ما قد يحد حركة المواطنين الأوروبيين، ومن ثم يحول دون مجيء الإرهابيين إلى بريطانيا. وتوفير مصاريف مالية ضخمة لقطاعي الصحة والتعليم الحيويين، حيث تشير التوقعات إلى توفير (480 مليون دولار) أسبوعياً لحساب الخزينة البريطانية، وهو مبلغ كاف لبناء مستشفى. كما أن المبلغ نفسه يعادل نصف ميزانية التعليم في إنكلترا.
ثالثا، وعود فضفاضة بالازدهار، وهي وعود منّى بها المعسكر الرافض للبقاء، المواطن البريطاني، إضافة إلى وعود أمريكية للندن نكاية بأوروبا، حيث كانت كلمات رئيس بلدية لندن السابق، بوريس جونسون، مصاحبة للمواطن البريطاني داخل اللجان، حيث لم ينسَ مقولته: “إذا صوتنا في 23 يونيو/ حزيران واستعدنا السيطرة على بلادنا واقتصادنا وديمقراطيتنا، نستطيع عندها أن نزدهر كما لم نزدهر من قبل”.
هذه الوعود ملأت الصحف المؤيدة للخروج، ومنها “الديلي تلغراف” و “الصنداي تايمز” و”الصن”، وقسمت آراء البريطانيين وما زالت، حول أخطر مرحلة تواجه المملكة في بداية الألفية.
رابعا، البريطانيون ضاقوا ذرعا بسيطرة المانيا وفرنسا على القرار الأوروبي سياسيا واقتصاديا، إضافة إلى أنهم يجأرون بالشكوى من هيمنة القوانين الأوروبية عليهم وعجزهم عن السيطرة على قوانينهم الخاصة. إضافة إلى حلمهم بالعودة إلى إمبراطوريتهم الخاصة، التي حرموا منها بعد الحرب العالمية الثانية.