هذا الكتاب هو يوميات لكاتبة وصحافية ألمانية، تسرد فيه معاناة النساء البرلينيات حيث تسكن في قلب العاصمة الأوروبية برلين.. فتروي بأسلوب أخاذ ومفاجئ ومؤثر، ما حدث لها أيام احتلال الحلفاء لألمانيا، خاصة ما فعله الجيش الروسي عبر فصائله المنتشرة في برلين، وهنا أقصد الجيش الأحمر، أثناء قيادة الزعيم الروسي جوزيف ستالين لروسيا أثناء الحرب العالمية الثانية، ثم هيمنته بعد التوغّل في بلدان أوروبا الشرقية، عقب تحريرها من خلال وجودهم، الذي يعتبر بعين المواطن الألماني احتلالاً.
هذا فعلاً ما جسّدته الكاتبة، من أفعال ووقائع ويوميات مسجلة بطريقة مؤلمة ومفجعة وتراجيدية. وتعتبر هذه اليوميات الشبيهة برواية تسجيلية وثيقة دامغة، وإدانة دامعة تُرفع بوجه الجندي الروسي، وهو يقوم بطعن القيم الإنسانية في الجسد البشريّ، مهما كان نوعه، وهو هنا أي الجندي الروسي، كان يقوم برد فعل مضاد ومواز لما فعلته النازية من فظائع ومجازر وويلات همجية في البلدان التي احتلتها، وليس ثمة ما يماثلها في العصر الحديث من جرائم، إلا فظائع الجيش الإسرائيلي النازي، وهو يبيد شعباً كاملاً في الأرض الفلسطينية المحتلة الآن.
الكاتبة هنا تسجّل كل تفصيل يومي، بدقة مثيرة، فيها براعة عالية، ناهلة من مشاهد مرعبة ودموية، ترقى لمصاف جرائم الحرب القذرة، أبرزها الاغتصاب الجماعي للنساء العزّل، والمختبئات في الأقبية والسراديب، والملاجئ السفلية للبنايات والعمارات السكنية في برلين العاصمة.
دوّنت الكاتبة رؤاها الصادمة، عبر ما جسّدته الرؤية الواقعية واليومية للمشهد اللاإنساني الذي يقوم به الجندي المحتل، أو المُخلّص، أو الوافد الغريب، والغازي الجديد لوجودهم، ليزيد من واقعهم المرير مرارة، تنضاف لما خلفه الجيش النازي من خراب نفسي وروحي في الشخصية الألمانية، حيث كانت مارتا هيلرس تدوّن ما تشهده وتراه وتحسّه. إنها تكتب معاناتها ومأساتها ومصيرها أولاً مع الجندي المحتل، الذي احتل أيضاً بطريقة بربرية جسدها، معتبراً ذلك من ممتلكاته، ومن أغراضه الشخصية الشهَوية، ما دام البلد كله في حوزته وحوزة الجندي الروسي الأحمر، فالجسد هنا أيضاً سيكون محتلاً وبقوة السلاح، السلاح الفعلي، أو السلاح الرمزي مثل سلاح الجوع، حيث شاعت حينها من قبل الجندي الوافد والغريب والمحتل مقايضة الطعام مقابل الجسد.
الكاتبة التي كانت تكتب في السّر يومياتها، كانت تكتبها على ضوء الشموع، وبالكاد كانت تأكل، فالجوع كان قد ساد المدينة، وفرص التموين راحت تتناقص وتقل أو تنعدم نهائياً. فكانت تضطر مثلها مثل غيرها من الموجودين في المدينة إلى الاستعانة بالجسد مقابل الطعام، وهذا ما يلوّح به الجندي الروسي للفتيات الصغيرات والمنسيّات أو للنساء عامة. فالرجال الألمان كانوا في الجبهات، يقاتلون وهم يعلمون بأن جيشهم بات يتقهقر ويتراجع ويندحر كلياً، أمام القوى العظمى المتحالفة. في برلين كان هناك النساء والشيوخ والعجائز، والبعض ممن يحاولون أن يديروا دفّة الحياة اليومية، مثل الخبازين وأصحاب بعض المحلات، الذين يبيعون الأجبان والسجائر والخبز ومفردات العيش الأخرى، التي راحت تختفي بالتدريج، كلما توغّل الحلفاء في الأراضي الألمانية، باستثناء بعض مراكز التموين، تلك التي كانت تمتلك بطاقات الحصّة التموينية للسكان الألمان.
الكاتبة كانت تعيش مثل غيرها، في مبنى يتكوّن من عدّة طوابق، وفيه كذلك قبو، عبارة عن ملجأ ينزل إليه الجميع، حين يشتد قصف الطائرات، وقصف المدفعية الميدانية، التي كانت تحيط ببرلين وضواحيها. هناك في تلك الأجواء المظلمة والحافلة بالدوّي، دويّ الرشاشات والمدفعية وإغارة الطائرات، كانت تحيا الكاتبة مع أناس متنوّعين، أطفال، نساء، أرامل، شيوخ متقاعدين، فتيات مخبّآت في عِلّيات، وفي غرف سرية، مع الأغراض والحاجيات كيلا يكتشف أمرهنّ، ويغتصبن عنوة وتحت تهديد السلاح. هناك عاشت الكاتبة مع الفئران النافقة والكلاب الميّتة والأجساد المبعثرة المنسية، والمتعفّنة على الطرقات، والتي بعضها أصبح طعاماً للكلاب السائبة والمتروكة. فالإنسان في أجواء كهذه لا يجد الطعام، فكيف بالحيوان السائب والضال الذي فقد صاحبه ومربّيه، ومن هنا لجأ الناس الساكنون في المباني من حيّها إلى أكل الأحصنة، لعدم توفّر لحوم البقر والخراف وما شابه.
في تلك الأجواء المرعبة، سجّلت الصحافية تفاصيل يومها، ساعة بساعة، وعبر أسبوعين من تفاصيل الاحتلال الروسي لبرلين، ثمّ استسلام ألمانيا والرضوخ لشروط الحلفاء. في ظل هذا الوضع الدامي والدرامي، كان الشعب الألماني هو من دفع الثمن، ثمن سياسة هتلر النازية.
من هنا كتبت الكاتبة، وهي شابة برلينية في الثلاثين من عمرها، بروح محايدة دون كره، ودون عداوة، رغم جرحها البليغ، فسطرت ما شاهدته بعينها الثاقبة، وقلبها الكليم، وبكتابتها هذه استطاعت أن تغزو دواخل العدو لتعرفه أكثر، فهو بشر مثلها، فثقافتها وذكاؤها وصدقها هو الذي أهّلها لتكون عادلة في الكتابة، دون انحياز، إلا في حدود ما تستوجب العدالة ذلك.
حين نُشِرت هذه اليوميات الاستثنائية، النادرة، وهي لا تزال حية، وتقيم في سويسرا، نُشرت باسم «مجهول»، وبإرادة الكاتبة نفسها، وظلت الطبعات تصدر تحت اسم الكاتب «مجهول» وكان ذلك بسبب الخوف والخجل، وربما العار أيضاً.
إلى أن جاء ذلك اليوم، فكشف فيه صحافي ألماني ينس بيكسي، اسم كاتبة هذه اليوميات، معلناً أنها مارتا هيلرس، بعد وفاتها في عام 2001 في جنيف التي عاشت فيها ما تبقى من حياتها الهادئة، متخلية عن الكتابة والصحافة، ومتفرّغة لشؤونها الخاصة.
وأنا أقرأ الكتاب الذي ترجمته العراقية ميادة خليل لدار «المتوسط» رحت أتذكر الحروب، وأقارن ما حدث في تفاصيل الكاتبة ومتون وهوامش سرديتها التراجيدية، مع ما جرى للناس في بيروت مع العدو الإسرائيلي، أثناء حصار بيروت عام 1982، وكذلك في الحرب العراقية الإيرانية التي عاشها الأهل والأصدقاء، وحروب العدو الصهيوني، آخرها حرب غزة. إن الحروب كما توضّح هذه الكلمات تظل متشابهة، وإن اختلفت التسميات، وإذا كان هناك اختلاف، فسيكون الفارق في درجات الضوء والظلمة، وفي قياس مهبّ الجوع والحرمان والضعف والانكسار أمام الجبروت والقوة، حيث قانون السحق الإجباري للكائنات الهشّة والضعيفة، المجرّدة من السلاح ووسائل الدفاع البسيطة والحامية، ينضاف إليها دمار النفسيات والمدن والعوالم. رغم أني كنت أحتكم إلى عالم المقارنات هذا، بيد أنني لم أكتف بذلك، فذهبت إلى السينما، حيث شاهدت فيلماً ألمانياً يجسّد هذه الرواية، أو مذكرات مارتا هيلرس. الفيلم صنع بحذاقة فنية عالية، وبأسلوب فني رفيع من ناحية الإخراج والتصوير وتجسيد الشخصيات. فكنت أرى الأرملة، وأرى أناتول الضابط الروسي عشيق مارتا، أو المتردد عليها وحاميها من شراسة الذئاب، التي كانت تحوم حولها وحول المكان بزيّها العسكري الروسي، حتى الأمكنة التي عاشت فيها وترددتْ عليها مارتا كنت أشخِّصها، وأدقّق فيها، لألمس المعنى والجوهر أكثر.
شاعر وكاتب عراقي