لفتني حين وقعت عيناي عليه « بلدي تحت جلدي» هو عنوان كتاب لمذكرات الشاعرة والروائية والمناضلة اليسارية النيكاراغوية جيوكوندا بيلي، عنوان جميل، معبّر وشاعري، أحسسته قريباً مني، أنا الذي حملت بلدي في شعري طويلاً، فتارة أردد «حملت بلادي على ظهري، وتارة حملت وطني فوق كتفي، وتارة حملت بلدي بين الضلوع» وأنا أدور في شوارع وأرصفة ومحطات ومطارات العالم، بحثاً عن مكان غيره ويا للمفارقة.
هذا ما يحدث للمنفيين، والمبعدين والمطاردين من بلدانهم لشتى الأسباب، وأبرزها السبب السياسي، وعدم الانسجام مع الحاكم الظالم، الذي ينبثق بغتة في الأزمنة الحالكة، والليالي الظلماء، ليحكمك ويحكم البلد، بشتى الطرق، والأساليب والفنون البوليسية المبتكرة، لتقييد حياتك، وتسميم أفكارك، وتضييق المجال على كل خطوة تخطوها في اتجاه الحرية، أما المناوئون والمعارضون وغير المنسجمين معه، فلهم المنافي والسجون والمقاصل الجاهزة.
فحياة الكاتبة جيوكوندا بيلي، تشبه الى حد ما، حياة المعارضين من الكتاب في العالم، إذ بدت حياتها في كثير من وجوهها، شبيهة بحياتي وبحياة الكثير من المعارضين العراقيين والعرب، وطبعا هي نسخة طبق الأصل لليسار العالمي المعارض ضد للحكام المستبدين، في كل دول أمريكا اللاتينية، مثل: كوبا، تشيلي، بوليفيا، كولومبيا، بيرو، كوستاريكا، المكسيك، الأرجنتين، بنما، السفادور، هندوراس، سنغافورة، وغيرها من البلدان الثائرة، ضد النظام الأمريكي الشمالي، وعنصريته، ومحاولات سيطرته على شعوب العالم.
وأنا أدخل إلى الكتاب وأتوغل فيه، مستكشفاً وشغوفاً بعالمه المتعدد، والساحر والمدهش، تسرقني السطور من الحاضر، ليلمع في يدي الوقت، ويضيء جزءاً واسعاً من حياتي، أتقدم بيدي القلم الرصاص، وأعلّم على السطور التي أمر بها لاكتب «هذا يشبه بالضبط ما يحدث في العراق وفي سوريا». لقد كتبت الكثير من الملاحظات هذه، كون الكتاب يشبهنا، يشبه حياتنا، يشبه أزمنة مررنا بها، نحن العراقيين، في وقت سابق وما زلنا، ويشبه ما يمر به السوريون الآن، فالطغاة متشابهون، وكلهم مثل سوموزا نيكاراغوا، الطاغية والسفاح والمستبد، ونحن نشبه معارضيه، نتشيطن، نحارب، نتآمر من أجل الظفر بيوم النهاية للحاكم الدموي، للحاكم الأوحد، للبطانة الحامية، والمانعة، والمُساندة لدعم استمرار الديكتاتور في حياتنا، ليظل مستمراً في مسخها ومحقها، ومحو مسيرة انطلاقها، ونضالها الساعي إلى سقوطه مع زبانيته الحاكمة.
تنتمي جيوكوندا بيلي إلى عائلة أرستقراطية، تعلمت في أفضل المدارس في العاصمة مناغوا، وسكنت في أفضل أحيائه، فهي سليلة عائلة غنية لها باع في التجارة، لكن الابنة متمردة بطبيعتها، على كل هذه المواضعات التي أحاطت بها، حتى وهي تدرس وتتعلم، في مدارس يرتادها علية القوم، من بينها ابناء الطبقة الحاكمة، وعلى رأسها الجنرال سوموزا، وبطانته التي تهيمن على مقدّرات البلاد.
تصنع الكاتبة جيوكوندا حياة موازية لحياتها، وترسم عبرها خريطة تحركها، ونشاطها الأدبي والحزبي، وتعكس أيضاً تحركها داخل سياق عائلتها، زوجها لا يعترض على عملها، يؤيدها في ما تعمل، لكنه لا يشاركها العمل النضالي، أختها تؤيدها، والأم ورفاق دربها يساندونها، ويشاركونها العمل الحزبي والعسكري، الصعب والخطر، نقل أسلحة، عمليات فدائية، تدريبا قتاليا مع الفلسطينيين، دعاية إعلامية هي من اختصاصها، ومن أولى مهماتها الحزبية، فهي تعمل ليل نهار مع القادة العسكريين، تخطط معهم، وتسهر وترسم الخطط معهم، وتفكر في الصغيرة والكبيرة، من أجل إنجاح مهماتها النضالية الكثيرة، ضد نظام سوموزا الديكتاتوري.
تنتمي جيوكوندا بيلي إلى عائلة أرستقراطية، تعلمت في أفضل المدارس في العاصمة مناغوا، وسكنت في أفضل أحيائه، فهي سليلة عائلة غنية لها باع في التجارة، لكن الابنة متمردة بطبيعتها، على كل هذه المواضعات التي أحاطت بها، حتى وهي تدرس وتتعلم، في مدارس يرتادها علية القوم، من بينها ابناء الطبقة الحاكمة، وعلى رأسها الجنرال سوموزا، وبطانته التي تهيمن على مقدّرات البلاد.
عمل لا ينفك ليل نهار، نوم قليل يقابله عمل كثير، حراسة ودراسة للأوضاع السياسية، تتحمّلها كلّها، مع رفاقها والقادة اليساريين والمسؤولين، فهي تبدو كوزيرة للثقافة، وزيرة دعاية وإعلام، لكنها وزيرة مسلحة، ترتدي الزيتوني، وتقاتل وتقوم بعمليات، كما إنها تشارك أيضاً في مخططات انقلابية، ضد الطاغية، تذهب في وفود، وتترأس وفود بلدها، تارة تراها شاعرة تفوز بجائزة عالمية، وتارة تراها روائية، وأخرى خطيبة في جمهور، أو ممثلة لبلدها في مؤتمر عالمي، يساند القضايا الإنسانية، في النضال والتحرر من الكولونيالية، ومن الإمبريالية الأمريكية، التي تطاردها بجواسيسها، لكي تُخرس صوتها، مثلما تطاردها شرطة بلدها، لتُسكتها نهائياً برصاصة من مخبر سرّي. كانت تتخفّى، وتغيّر شكلها، وتقوم بأدوار لا يقوم بها حتى الرجال، كانت تقتسم الخطر مع أصحابها، وتجازف بحياتها، من أجل الوصول الى عمل يخلّ بنظام سوموزا الدموي، ورغم كل هذا، كانت جيوكوندا التي تقلدت اسماً سرّياً حركيّاً هو لينا، رفيقة الدرب الطويل، بالنسبة لرفاقها الاشتراكيين والشيوعيين والماركسيين، فضلاً عن ذلك لم تكن لينا، أو جيوكوندا امرأة خشنة، أو بلا مشاعر أنثوية، بل بالعكس من هذا، كانت امرأة رومانسية، شديدة العاطفة، تفور بالأحاسيس والمشاعر الحبيّة، رقيقة إلى أبعد حد، وشبقة ذات تطلعات رومانتيكية..
كيف لا وهي الشاعرة المترعة بالوجد، والإثارة الفوارة تجاه كل شيء، من هنا كان لا ضير لديها، إن أحبّت شخصاً آخر غير زوجها، أو واتتها الرغبة بأن تنخرط في ليلة ليلاء مع أحد الرفاق، أو القادة الذين أعجبت بهم، وبفنّهم النضالي، وطرق تفكيرهم، وعملهم اليومي السياسي، وهم يجتمعون دائماً ويأتمرون، ويسهرون في مهمات حزبية، ويقاتلون في جبهة ما على الحدود، أو من هم معها في سفر ما، كالذهاب إلى مؤتمر دولي، هذا إذا ما وقعت في حب أحدهم، كماركوس، زوجها الثاني، أو مع قائدها في قضاء ليلة يتيمة معه، مقتسمة وإياه سريره السرّي، وهي أيضاً لجمالها وفتنتها وجاذبيتها الخاصة، كانت تتلقى حتى من رؤساء دول مغازلات، أو دعوات للفراش، لكنها كانت تقاوم ذلك بقوة وبطولة، إذا جاءها شيء ما يأمرها، بأن تتواطأ وتتنازل عن مكانتها كامرأة، أمام جبروت رجل دولة، أو زعيم، ورئيس من رؤساء بلدان أمريكا اللاتينية، كما حدث لها مع الرئيس البنمي تورّيخوس، الذي كان يعرف أن جيوكوندا شاعرة معروفة، وكاتبة، وخطيبة مفوّهة، فدعاها بمفردها لقصره الى عشاء، وطلب منها كتابة قصيدة الى ابنته، تمنّعت في البدء جيوكوندا، باعتبار أن الشعر لا يكتب هكذا، أو يأتي عبر أوامر، بل يأتي مصادفة، بعفوية وتلقائية، لكن الرئيس وهو جنرال عسكري لا يفهم هذا، فتحت الضغط والتوسّل وتوفير الأجواء البحرية لها، تكتب القصيدة، لكن الجنرال لا يكتفي بهذا، وهو الرئيس والقائد لدولة حديثة، بل يتعدّاه الى غرض النوم معها، هنا الشاعرة والمناضلة والقائدة العسكرية ترفض وبشدة، فتأبى أن تُسلّم نفسها هكذا، فهي ليست بائعة هوى، كما يراها الرئيس القائد، فهي مناضلة وشاعرة وكاتبة وخطيبة وإعلامية. في صباح اليوم التالي ستغادر دون حدوث أي نأمة، مع رفيقها المناضل والمنظر والقائد دوميستو، بطائرة خاصة، عائدة الى كوستاريكا.
كتاب جيوكوندا بيلي «بلدي تحت جلدي» وبترجمة ممتعة ودقيقة من أحمد عبد اللطيف، سيعيدك إليه لتقرأه مرة ثانية وربما ثالثة، لندرة أحداثه، وسلاسة أسلوبه الفريد والنقي، الذي كتب به الكتاب، فهو كتاب يتصفحه القلب، قبل العين واليد، كتاب كتب بحبر الشعر وثورته الجارفة، وبروح باسلة، شغوفة بحب الناس والثورة والتمرد، ضد النظام القمعي، الذي جعل الفتيان النيكاراغويين يبيعون دمهم من أجل الوصول إلى الرغيف، لكن الزمن لم يطل أمام الطغاة، فسقط سوموزا بنضال هؤلاء الثوار.
كاتب وشاعر عراقي