قرأت مؤخراً مذكرات آسرة لممثلة مسرحية وسينمائية احتفل العالم بأفلامها ومسرحياتها، ووقف يصفّق لها طويلاً، إن كان على خشبة المسرح، أو وهي تنال جائزة عن فيلم، أو تُكرّم في مهرجان فني وسينمائي ومسرحي عالمي. إنها الممثلة الشهيرة ليف أولمن، النرويجية التي بدأت من الصفر كممثلة، حتى غدت نجمة عالمية، غزت أفلامها ومسرحياتها شاشات وخشبات المسرح العالمية، وهي أيضا زوجة لأحد أشهر مخرجي السينما في العالم، المخرج السويدي إنغمار بريغمان، صاحب «إنها تمطر على حبّنا» وهو مخرج مسرحي وسينمائي وكاتب سيناريو، ويعد من أفضل مخرجي العالم في السينما الجديدة والشاعرية، ولهذا لقّب بشاعر السينما.
بهذه الشخصية الفريدة، النادرة والجذابة التقته ليف أولمن، الشابة الطموحة والموهوبة على خشبة المسرح، ومثلها على شاشة السينما، والمتوّجة كذلك بجائزة «الأوسكار» العالمية التي يدخل من ينالها التاريخ الفني، من أوسع أبوابه ليطل على الخلود، والعالم والحياة من خلالها.
لا تنتظم سيرة ليف أولمن في سياق سردي واحد، نمطي ومتسلسل، بل يتقاسمها زمنان، الماضي، والزمن الحالي، الموصول دون شك بمستقبل أولمن وعملها، ونجاحاتها الفنية.
المذكرات تبدأ بحياة الطفولة، حيث العائلة الصغيرة والأخت والأم وصورة الأب، الذي غيبه الموت، وهي صغيرة، إذ لم ترتو برؤيته كثيراً، وتغترف من حنانه، إنما كان هناك قبره الذي يزار في الأعياد.
تروي ليف يوميات طفولتها مع أختها ولعبها معها، على منحدرات الثلج، حيث الرشق بكراته بين الأطفال، ساردة يومياتها في المدرسة في قريتها النرويجية، فهي تتحدر من عائلة غنية ومعروفة، جَدّها أول من أسس مدرسة في إحدى المدن النرويجية المهمة، وله تمثال هناك يشهد على كرم الجد أولمن في تلك المدينة. تنحو ليف أولمن في سردها الى توكيد حبها لبريغمان، العاشق والمحب والأب. تروي بتروٍّ أجمل أيامها معه، وأجمل ساعات عملها معه، وكذلك تسلط الضوء على سيرته معها إجمالاً، ساعات الحب والخلوة والعشق المتبادل، وكذلك تكشف أيضاً لحظات تعثّرها معه في الحياة، ومن ثم في ذبول ذاك الحب، الذي تصاحبه كالعادة الثورات الداخلية للشخص المقابل، سواء أكانت هي أو هو، ومن هنا يحدث
الانفصال بينهما. فبريغمان نجم محفوف بالنجمات، نجمات تارة هو من يصنعهنّ، وتارة أخرى يكنَّ هنَّ قد وجدن طريقهنَ الى هوليوود قبله، حيث يجيء دور إحداهنّ ليلتقي بها، ويسند لها دوراً، كالنجمة إنغريد بريغمان، السويدية مثله، والشهيرة التي تركت بصمتها في عالم السينما والمسرح، وبخاصة في هوليوود، ومسارح البرودواي، وصالات نيويورك وباريس، فالغريمة أنغريد لا تختلف كثيراً عن جارتها في النرويج، وضرّتها في الحياة ليف أولمن، فهما غريمتان تتقاسمان البطولة الحياتية للمخرج الشهير بريغمان، تتواصلان وتسهران معاً، وحتى وهنّ بصحبة بريغمان، متقلّب المزاج، والساعي إلى العمل دائماً بكل قواه وصبواته الجمالية، لتحقيق أحلامه المرسومة في كتابة القصص الفيلمية والسيناريوهات وتأليف العديد من الأفلام، التي سيخرجها، فهو أيضاً مخرج مسرحي، فضلاً عن السينمائي، وكاتب له رؤاه، وتصورّاته التعبيرية في الفن والكتابة والأدب عموماً.
لقد تعلمت ليف أولمن الكثير بقوة موهبتها، فهي لا تعمل مع مخرج غير موهوب، كونها هي ممثلة موهوبة، ولديها علم بالتمثيل وعمله، ولديها ما تقوله للشخصية التي ستمثلها، إنها تدع الدور هو الذي يمثلها معتمدة على الحدس: « كان يجب أن يكون هناك أيضاً توازن داخلي بين التقنية والحدس، وكان الحدس هو مصدر قوّتي كممثلة».
حين تدخل في السيرة وتتدرّج في صفحاتها المشوّقة، لا تجد لدى أولمن الهوس بتوليف الحكايات الجنسية، أو تخطي العاديات الى الممنوع، فهي تحكي البساطة، والحقيقة الناصعة التي تمثلها هذه الممثلة، التي تبناها التاريخ كفنانة، فهي لا تألو جهداً في كشف عيوبها، وأخطائها إن أخطأت، أو تلكأت على المسرح، أو نسيتْ نصّها، ولم تحفظه، فهي تكشف ذلك بكلّ وضوح وشفافية، وبتفاصيل شائقة ومميزة، فيها حرفة الكاتب وروح الفنان الألمعي، الذي لا يغفل، أو يتغافل عمّا حدث له في الماضي، وهو بين يديّ الزمن، ينقله من وقت إلى وقت، ومن بلد إلى آخر، ومن فيلم إلى فيلم ومسرحية. ذلك أنّ أولمن دائمة الانشغال بفنّها، وموهبتها، وعملها الذي يتطلّب السهر والحفظ والقراءة، وكذلك اللقاءات بفنانين وممثلين ومنتجين، وبصحافيين فضوليين، يلاحقون الفنان عبر أسئلتهم الدائمة، مثل متى بدأت عمل الفيلم؟ مَن سيشارككِ البطولة من الرجال؟ ما نوع الفيلم؟ وما هي نقاط إثارته؟ ومتى تنتهين من الفيلم؟ ومتى سيعرض؟ وأين؟ وما هي القصة أو الحبكة أو عقدة الفيلم، وما هو الجديد الذي تشتغلين عليه، وتعدّين له العدّة وتسهرين وتسافرين من أجله؟ هل هو مسرحية، أم فيلم؟ ومن هو مخرجه ومنتجه؟ وكيف هو أداؤك في هذا العمل؟ وهل حققت ما تطمحين إليه في هذا الفيلم؟ وغيرها من الأسئلة الملحاحة، لصحافيي ومُعدِّي البرامج في البلد الذي ستكون فيه لغرض التمثيل.
إن ليف أولمن ومنذ كانت صغيرة، تؤلف مسرحياتها، وتمثلها وتخرجها بنفسها، وحين كبُرتْ وبدأت تخط مسيرتها لتصبح نجمة، صارت تتأنّى كثيراً، وصارت تخاف الجمهور كثيرا، من هفوة معيّنة، من رجفة غير ظاهرة، من تلعثم ما، من سهو وسرحان قد يأخذانها بعيداً عن الخشبة، من نسيان للنص وما يتبعه من إحراج للمخرج وللمؤلف معاً، كل هذا صارت أولمن تحسب له ألف حساب، سهر وقراءة، وحفظ للنصوص، وتدريب مستمر، فهي من مثلت «بيت الدمية» لمواطنها إبسن باقتدار نادر، وهي من صفّق لها الجمهور دون كلل في الصالات والمسارح العالمية، وهي من مثلتْ أمام كبار ممثلي العالم، وأخرج لها العظام الأفلام والمسرحيات، وهي من جلست تحت يد أشهر ماكير في هوليوود، ووقفت أمام أهم مصوّري هوليوود، وكاميرا أكبر مخرجي هوليوود، لكنها بقيتْ طيلة حياتها تحترم مواعيدها في العمل، ومع الفنانين والمخرجين والمصوّرين، وتؤدي أفضل أداء حين يتطلب الدور ذلك. لقد بلورت ليف أولمن شخصيتها بطريقة مذهلة، كونها مثلتْ أصعب الأدوار، وكذلك أخفّها، مثلتْ لشكسبير، لهنريك إبسن، صموئيل بيكت، بريشت، ولهارولد بنتر في بلدها النرويج، ثم في مسارح العالم، تعلمتْ وبعمق التقنيات المسرحية، قرأت مثل غيرها في البدايات، عن فن التمثيل لستانسلافسكي، وعمّقت عملها ورؤيتها مع الكثير من التجارب الجديدة في المسرح، تلك التي جعلتها تظهر معها شخصيتها بكثير من الإيحاء، وتطويع الخيال نحو رؤيتها الجديدة للمسرح عبر ثقافتها المتنوعة، ما جعلها تكتشف طريقها وأسلوبها بنفسها: «عثرت جزئياً على تقنية جديدة بدت لي صحيحة، صرت أركز أكثر على التفاصيل، وهو ما استفدت منه لاحقاً في أفلامي، حيث تفسح اللقطات المقرّبة المجال للرهافة أن تبرز بوضوح أكبر مما يحدث على خشبة المسرح، مشاعر أقل، وتركيز أكثر على التعبير عن المشاعر».
لقد تعلمت ليف أولمن الكثير بقوة موهبتها، فهي لا تعمل مع مخرج غير موهوب، كونها هي ممثلة موهوبة، ولديها علم بالتمثيل وعمله، ولديها ما تقوله للشخصية التي ستمثلها، إنها تدع الدور هو الذي يمثلها معتمدة على الحدس: « كان يجب أن يكون هناك أيضاً توازن داخلي بين التقنية والحدس، وكان الحدس هو مصدر قوّتي كممثلة».
«اتغير» لليف أولمن، ترجمة: أسامة منزلجي ـ دار المدى
كاتب وشاعر عراقي