تونس بين الاحتقان الاجتماعي وانصراف الطبقة السياسية

ماجد البرهومي
حجم الخط
0

60 في المئة لم يتحصلوا على رواتبهم

توقع جل الخبراء والمحللين أن تندلع الاضطرابات الاجتماعية في تونس بمجرد عودة الحياة إلى سيرتها الأولى بعد رفع الحجر الصحي وحظر التجوال وتجاوز أزمة فيروس كورونا، وهو ما حصل بالفعل. فالحالة الاقتصادية مزرية في موطن ابن خلدون منذ ما قبل ظهور فيروس كوفيد-19 وزاد الأمر سوءا مع انتشار هذا الفيروس الذي اضطر تونس كما أغلب دول العالم إلى شل الحركة الاقتصادية والتوقف تماما عن النشاط.

وانعكس ذلك على الأوضاع الاجتماعية لعموم التونسيين فازدادت نسب الفقر والبطالة وازدادت القدرة الشرائية للمواطن تدهورا وهي المتدهورة أصلا قبل كورونا، وعجزت الدولة التونسية أكثر فأكثر عن الإيفاء بالتزاماتها مع عديد الشرائح والقطاعات. ومما لا شك فيه أن عديد المؤسسات الصغرى والمتوسطة والتي تعتبر أحد أعمدة الاقتصاد التونسي ستضطر لإعلان إفلاسها أو لتسريح عمالها وموظفيها في قادم الأشهر وربما الأيام وهو ما سيخلف أعباء اجتماعية جديدة على كاهل الدولة.

وبالمقابل فإن الحكومة لا يبدو أنها تعير اهتماما لهذه المعاناة الاجتماعية وللشعب الذي يئن منذ فترة، فقد اتخذت جملة من القرارات الغريبة غلبت من خلالها مطالب صندوق النقد الدولي التي تضرب عرض الحائط بالجوانب الاجتماعية ولا تهتم لمعيشة التونسيين ومقدرتهم الشرائية. ومن ضمن القرارات التي تضمنها المشروع الحكومي، غلق باب الانتدابات في الوظيفة العمومية وتأجيل الترقيات، والنزول بالأجور إذا اقتضى الأمر ذلك، وهو ما سيزيد حتما من معاناة الطبقة الوسطى التي يتم تفقيرها منذ سنوات.

وحتى المبلغ المرصود للتنمية في ميزانية سنة 2020 جد زهيد ولا يسمح بإنجاز مشاريع تنموية من شأنها أن تقضي على الفقر والتهميش والبطالة خصوصا في الجهات الداخلية الأقل حظا والتي ينتفض بعضها اليوم محملا بمطالب عديدة بعضها قابل للتحقيق، فيما البعض الآخر لا يمكن للدولة أن تستجيب له. ويبدو أنه لا مفر من خلق موارد جديدة في الميزانية التكميلية للحد من الاحتقان الذي يسود الشارع ويهدد بخروج الأوضاع عن السيطرة خلال الفترة المقبلة خاصة في ظل وجود أزمة سياسية في بلد عجيب يتصارع فيه شركاء الائتلاف الحكومي فيما بينهم من دون الحديث عن المعارضة.

ولا يبدو أن التونسيين سيقبلون بأي إجراءات تقشفية لإنقاذ الاقتصاد أو سيصبرون على الوضع الاجتماعي المزري الذي استفحل بعد أزمة كورونا، أو على القرارات الحكومية المؤلمة، وذلك في ظل غياب الثقة بين الحاكم والمحكوم ووجود شبهات فساد تطال من هم في صدارة الحكم. فما تسمى مثلا بـ”أزمة تضارب المصالح” المتعلقة برئيس الحكومة إلياس الفخفاخ، في علاقة بأسهمه في إحدى الشركات والتي ملأت الدنيا وشغلت الناس، يشعر معها كثير من التونسيين بالإحباط، وتجعل هذه الأسهم شريحة من أبناء الخضراء يفقدون ما تبقى من رصيد الثقة في علاقة بالنخبة الحاكمة.

لذلك يصعب اليوم إقناع المنتفضين في الكامور أو في الكناسي أو في حاجب العيون أو في صفاقس أو النفيضة أو غيرها بالعودة إلى البيوت والحصول على هدنة اجتماعية مطولة من أجل الاقتصاد والاستقرار السياسي. وينطبق الأمر على أعوان الصحة العمومية الذين أبلوا البلاء الحسن خلال أزمة كورونا فتمت مكافأتهم بالاقتطاع من رواتبهم وعدم الاستجابة لمطالب قديمة تخصهم كانوا قد اتفقوا عليها سابقا مع الطرف الحكومي خلال فترة تربع يوسف الشاهد على عرش القصبة.

ويشعر المنتفضون في الكامور من أبناء ولاية تطاوين بالتهميش في ولاية تتوفر على قرابة الـ80 في المئة من الإنتاج النفطي التونسي شأنهم شأن أبناء الحوض المنجمي في ولاية قفصة الذين لا يعود ريع الفوسفات الوفير بالفائدة على مناطقهم. وأينما يولي المرء وجهه في ربوع الخضراء يجد ثروات هامة تستغل إنتاجا واستهلاكا أو تصديرا ولا أحد يدري إلى أين تذهب مداخيلها من العملة الصعبة في غياب انجازات جديدة تعود بالفائدة على البلد وفي ظل الانصراف التام عن صيانة ما تم انجازه سابقا.

وللإشارة فإن اتفاقا أبرم بشأن أزمة تعطيل مضخات النفط في الكامور في عهد حكومة الشاهد بين الحكومة والمعتصمين وبرعاية الاتحاد العام التونسي للشغل، لكن الحكومة السابقة لم تنفذ تعهداتها وعلى نهجها سارت الحكومة الحالية غير عابئة بمبدأ استمرارية المرفق العام. وبالتالي فإن هذه الأزمة مرشحة للاستمرار والتطور خاصة وقد تبين أن لا حلول في جراب رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ سوى المعالجة الأمنية، في الوقت الحاضر على الأقل، وذلك بعد الذي حصل في المكناسي من ولاية سيدي بوزيد وفي الكامور من ولاية تطاوين.

ويرى البعض أن الصراع السياسي القائم بين المنتمين إلى الائتلاف الحاكم، وهي ظاهرة تكاد تتميز بها تونس عن باقي دول العالم، سيزيد من تأزم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية خاصة وأن البعض التجأ في هذا الصراع إلى اللعب بالنار من خلال توظيف الاضطرابات الاجتماعية من جهة، والأمن والاستقرار من جهة أخرى. كما يستعمل البعض الآخر ملفات الفساد لهذا المسؤول السياسي أو ذاك ويلوح بتسليط يد القضاء لابتزاز خصمه بعد أن انعدمت جميع المعايير الأخلاقية في هذا الإطار وطغت الميكافيلية وثقافة الغاية تبرر الوسيلة.

وتؤكد الأرقام على أن 60 في المئة من التونسيين لم يتحصلوا على رواتبهم خلال فترة الحجر الصحي، وفي المقابل انهالت عليهم إدارة الضرائب مطالبة بالأداء ولم ترحمهم شركتا الماء والكهرباء بفواتيرها المرتفعة المتعلقة باستهلاك الماء والكهرباء والغاز الطبيعي. كما تشير الأرقام إلى أن 80 في المئة من الأسر التونسية الأكثر فقرا لم تتحصل على مداخيل بالمرة طيلة الحجر الصحي وهو ما يفسر هذا الاحتقان الذي يعيشه البلد في وقت يبدو فيه الساسة بمعزل عما يدور في تونس الأخرى التي تئن بالتزامن مع صراعات السياسيين فيما بينهم.

وحتى المنح التي أعلنت الحكومة أنها صرفتها لمستحقيها من الفقراء خلال فترة الحجر الصحي، يؤكد عدد كبير من المعوزين وضعاف الحال أنها لم تصلهم وربما طالتها يد الفساد وذهبت إلى جيوب أخرى غير جيوب من رصدت لأجلهم. حتى أن البعض ومن باب التندر والسخرية يردد مقولة أن من يجد تونسيا نال منحة كورونا فليأت به إلي، وذلك أسوة بما قاله الراحل الباجي قايد السبسي يوما ما بأن من يجد قناصا فليأت به إلي، وذلك جوابا على سؤال في حوار صحافي عن مدى صحة وجود قناصة أجانب قتلوا المتظاهرين في تونس سنة 2011.

وبالتالي فإن تونس مقبلة لا محالة على تحولات كبرى خلال الفترة المقبلة وتغيرات هامة في المشهد السياسي باعتبار أن الاحتقان الاجتماعي قد بلغ مداه في غياب الحلول العاجلة وحتى الآجلة من قبل من يمسكون بالقرار. ويرى البعض الحل في التوافق وتوسعة الائتلاف الحاكم، فيما يراه البعض الآخر في تغيير شامل لشكل النظامين السياسي والانتخابي اللذين كانا من أسباب الانهيار الذي يعيشه البلد اقتصاديا واجتماعيا.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية