«حرب الصور» تُنصف الفلسطينيين وتهزم «فيسبوك»

للمرة الأولى خلال تغطية الأحداث الدولية الكبيرة تتجاوز الصورة الفوتوغرافية الإعلام في شقه الكلاسيكي، سواء الرسمي أو شبه الخاص.
فقد دحضت مواقع التواصل الاجتماعي، هذه المرة ترسانة إعلامية محتكرة في معظم دول الغرب المؤثرة منذ عقود وموجهة ضد القضية الفلسطينية بشعابها المختلفة.
أحداث «الشيخ جراح» و«انتفاضة الأقصى» دخلا التاريخ من واسع أبوابه، وخاصة عبر الإعلام الحديث، وقد تكفل الجيل الجديد، الذي يتقن استخدامات التكنولوجيا في نصرة القضية العادلة ضد صناع التكنولوجيا أنفسهم، فها هم شباب الفيسبوك يهزمون انحياز صاحبها الى إسرائيل ويفككون حيلهم بالحجة والدليل والمنطق والصورة، وها هم مبدعون سوريون وعرب يبتكرون خوارزميات للتملص من القيود، التي تفرضها إدارات منصات التواصل الاجتماعية على المنشورات التي تتعاطف مع القضية الفلسطينية أو تلك التي تنتقد الانتهاكات الإسرائيلية.
وتسمح هذه بالكتابة عبر أحرف غير منقوطة ما يجعل أدوات فيسبوك الرقابية عاجزة عن التعامل مع منشوراتهم.
ولجأ العديد من رواد مواقع التواصل إلى إدخال تعديلات أو تغييرات بسيطة على الكلمات المفتاحية التي تترصدها خوارزميات مواقع التواصل.
وعلى سبيل المثال، عمد بعض مستخدمي فيسبوك إلى كتابة كلمة فلسطين بالأحرف المقطعة في محاولة لتضليل خوارزميات فيسبوك.
وتمارس منصات التواصل التعتيم على الحسابات الفلسطينية والعربية، من خلال حذف المحتوى، أو إغلاق صفحات تعنى بالشأن الفلسطيني، أو تقييد استخدامها.
وطوال الأسابيع الماضية، تعرض رواد مواقع التواصل العرب لإجراءات تتضمن الحظر والتقييد من قبل فيسبوك بسبب منشورات على صلة بالقضية الفلسطينية.
فقد كشف موقع «بوليتيكو» الأمريكي عقد وزير الدفاع الإسرائيلي بيني غانتس ومسؤولين إسرائيليين آخرين اجتماعا مع مديرين من شركة فيسبوك ومسؤولين تنفيذيين في «تيك توك» بهدف الضغط عليهم لتقييد وصول المحتوى الفلسطيني وإزالته بذريعة «وضع حد لنشر خطاب الكراهية».
والأسبوع الماضي سلَّم سفير فلسطين في المملكة المتحدة، حسام زملط، رسالة شديدة اللهجة لمديرة السياسات العامة في فيسبوك، إيبيلي أوكوب، طالب خلالها بإنهاء «التحيز الفاضح وبشكل فوري».
وكان تطبيق إنستغرام اعتذر مؤخراً عن إخفاء منشورات للتضامن مع سكان حي الشيخ جراح، وادعى أن ذلك كان «خطأ غير مقصود».
تكاثر مواقع التواصل الاجتماعي فتح أمام الصورة أبوابا كثيرة، فلم تبق حبيسة المحترِف وإنما صارت مصدرا مؤثرا من قبل الجميع. وبنفس الطريقة الإيجابية التي يمكن أن يفسرها أحدهم، يستطيع آخر الذهاب بها في الاتجاه العكسي.
ولأننا تحدثنا عن صور الصراع الفلسطيني –الإسرائيلي، التي تنتشر على نطاق واسع الآن عبر أثير وشبكات العالم، يمكننا أن نتحدث عن مساهمتها في تأجيج الأزمة وإشعال الغضب لدى الرأي العام الدولي لفداحة الوضع وبالتالي التحرك لاحتواء الأزمة.
فلم تستطع محطات كبرى مثل «بي بي سي» و «سي أن أن» وغيرهما التغافل عن نقل الواقع، كما فعلت عند بدء أزمة الشيخ جراح، فصارت منفعلة في الأحداث أكثر منها فاعلة، بينما سبقتهما قنوات «الجزيرة» العربية والإنكليزية وفي لغات متعددة، بحيث صارت هي المصدر.
ما نقلته وسائط التواصل والإعلام المرئي حصرا عبر الصور، كشف فظاعة الحرب ومأساة الذين يعانون من بطش الاحتلال والممارسات الهمجية للمستوطنين، وهذا بدوره قاد الى أكبر تظاهرات شهدتها عواصم ومدن أوروبا والغرب عموما، للمرة الأولى، هذا رغم التضييق من بعض الدول على هذه المظاهرات، والذي تحول بدوره الى مادة إعلامية تصب في خدمة هذه القضية.
إذا استطاع الإعلام الجديد، أو «إعلام الصورة» أن يعيد هذه القضية الى الشارع الغربي والعالمي بعد محاولات لمحوها كليا خلال السنوات العشر الماضية.
وقد رسمت هذه الوقائع مستقبل الكثير من القنوات الفضائية، التي نأت عن الأحداث كمحطات عربية عديدة أو التي منعت نقل الأحداث كمحطة «دويتشه فيل» الألمانية، والتي تعرضت لانتقادات بسبب تقاريرها المنحازة لعدوان الحكومة الإسرائيلية ضد الفلسطينيين في الأراضي المحتلة.

هوليوود الجديدة

ولم يتوقف التضامن مع القضية الفلسطينية عند حدود الحركات الجماهيرية في الشوارع والميادين فقط، بل امتد ليتردد صداه على الشبكات الاجتماعية للعديد من المشاهير والمؤثرين الاجتماعيين والفنانين ذوي الحسابات المليونية.
وغمر النقاش نجوم هوليوود، إذ انخرط النجم مارك روفالو، في التضامن مع فلسطين ودعا إلى «تطبيق عقوبات على إسرائيل لتحرير الفلسطينيين، كما سبق وحررت العقوبات السود في جنوب إفريقيا.
فيض من الصور كذلك تظهر مشاركات نجوم ونجمات هوليوود في الغناء والسينما، وهم يتضامنون مع الفلسطينيين وينتقدوا الحكومة الإسرائيلية، وكان منهم الممثلة الأمريكية الإسرائيلية ناتالي بورتمان، والمغنية دوا ليبا، وفيولا ديفيس وإدريس ألبا وجون كوزاك وفيولا دايفيز وسوزان سراندون ولانا هيدي ومايكل بي جوردان وآني ماري وباريس هيلتون. إلى جانب عدد من المؤثرين من أصول عربية على رأسهم جيجي وبيلا حديد، ومينا مسعود ورامي يوسف.
ويبدو أننا للمرة الأولى تاريخيا أمام هوليوود جديدة، كانت عبر تاريخها لا ترى في القضية الفلسطينية والعرب إلا إرهابيين وكانت ساحة متقدمة لإسرائيل لدى الرأي العام العالمي.
وما يحدث الآن هو إلقاء حجر تغيير في بحيرة راكدة زمنيا.
وامتد تأثير النجوم الى مينا هاريس، وهي ابنة أخت كمالا هاريس، نائبة الرئيس الأمريكي جو بايدن، فقد نشرت على حسابها على إنستغرام صورة لتضامنها مع أهالي الشيخ جراح، مُنددة بالظلم الذي يتعرض له الفلسطينيون.
وكتبت قائلة «لو كنت محايدا في حالات الظلم، فقد اخترت جانب الظالم، أتضامن مع الفلسطينيين من سكان الشيخ جراح».
وأضافت «لا يمكن للمرء الدعوة للمساواة العرقية وحقوق المرأة وإدانة الأنظمة الفاسدة والمسيئة والمظالم الأخرى، تجاهل الظلم ضد الفلسطينيين، لا يمكننا انتقاء ما يهم أو لا يهم حقوق الإنسان أكثر».
هذه روح جديدة لم نعتدها في عقر دار راعية إسرائيل وحاميتها، فطوبى للإعلام الجديد والنفس الجديد والصورة التي لا تكذب ولا يمكن تزويرها.

 كاتب من أسرة «القدس العربي»

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية