لا يزال الغموض هو السائد فيما يتعلق بالعملية العسكرية التي يقوم بها خليفة حفتر في طرابلس خصوصا فيما يتعلق بالجهة التي تدعمه والتي تجعله يتمتع بكل تلك الجرأة لاقتحام العاصمة، حيث الحكومة المدعومة أمميا. فالسراج وحكومته ومجلسه الرئاسي، وبالإضافة إلى أنه نتاج لما تم الاتفاق عليه في الصخيرات برعاية أممية، يحظى بدعم من ايطاليا، المستعمر السابق للشمال الليبي والعضو الفاعل في حلف شمال الأطلسي، والراعي للمصالح الأمريكية والبريطانية في ليبيا.
فحفتر دون دعم خارجي من قبل قوة دولية كبرى، لا قدرة له منفردا على تحدي المنتظم الأممي والقوى الأطلسية الداعمة لفائز السراج وحكومة الوفاق الوطني والمجلس الرئاسي. وحتى القوى الإقليمية المعروفة بدعمها لحفتر غير قادرة على تحدي ايطاليا والولايات المتحدة وبريطانيا، والدفع به إلى هذه المغامرة غير مضمونة العواقب، وإن كانت في نظر البعض ضرورية لحصر السلاح في يد أطراف محددة يمكن أن تجتمع على طاولة للحوار بعيدا عن لغة الطائرات والمدافع الرشاشة.
احتمالات عديدة
ويتساءل البعض إن كان حفتر يتحرك بدفع من الدب الروسي وهو الذي زار موسكو والتقى مسؤولين في الكرملين وزاره بالمقابل ضباط روس بحرا قرب السواحل الليبية الشرقية وعرفت العلاقات تطورا ملحوظا بين الجانبين في السنوات الأخيرة؟ أم أنه يتحرك بدفع من الفرنسيين الذين قيل إن حفتر بات رجلهم في ليبيا في السنوات الأخيرة مقابل موالاة السراج لايطاليا وتجلى ذلك في حضور حفتر لمؤتمر باريس مقابل غيابه عن مؤتمر باليرمو الايطالية؟ أم أن “رجل ليبيا القوي” قد تلقى ضوءا أخضر أمريكيا للمضي قدما في عملية اقتحام طرابلس وهو الذي عرف أيضا بقربه في وقت ما من دوائر أمريكية نافذة وبقدرة عجيبة على التوفيق بين أكثر من حليف وإن تعارضت المصالح بين الحلفاء؟
إن ما هو أكيد بالنسبة لجل الخبراء والمحللين أن الجهة التي دفعت بحفتر إلى هذه العملية الكبيرة لديها الرغبة في القضاء على بعض القوى داخل العاصمة طرابلس والتي قد تعيق أي تفاهمات في المستقبل ووجودها يضر بمصالح القوة الدافعة بحفتر إلى هذه المواجهة. وفي انتظار حصول ذلك ترى هذه القوة الدولية ضرورة تأجيل مؤتمر غدامس باعتبار أن الطبخة لم تجهز بعد وأن الأمر رهين القضاء على هذه الأطراف المعرقلة والمتحصنة بالعاصمة.
ولعل السؤال الذي يطرح من قبل جل الخبراء والمهتمين بالشؤون العسكرية هو ذلك المتعلق بمدى قدرة حفتر على الحسم في أيام معدودات باعتبار أن إطالة أمد المعركة لا يخدم جيشه القادم من الشرق والذي هو في حاجة إلى الزاد والعتاد والمؤن. في المقابل فإن خصوم حفتر يتحصنون بمواقعهم ولديهم القدرة على التزود بما يحتاجه المقاتلون في حرب طويلة الأمد ولا مشكلة لديهم إن طالت الحرب أو قصرت.
غموض متواصل
فهل دخل حفتر حربه بعد أن نال وعودا من جهات قبلية في الغرب الليبي بدعمه عسكريا ولوجستيا في هذه العملية التي يخوضها بعيدا عن قواعده وتحصيناته في الشرق وهو ما شجعه على الذهاب إلى هدفه بتلك السرعة القياسية؟ وهل أن لانسحاب قوات المارينز من طرابلس علاقة بالضوء الأخضر الذي ناله حفتر للمضي قدما في الهجوم على طرابلس والذي تجلى في تصريحات الأمين العام للأمم المتحدة بعد لقائه كلا من السراج وحفتر الأسبوع الماضي والتي جاء فيها أنه يغادر ليبيا وقلبه حزين ويشعر بقلق عميق، وأنه لا يزال يأمل في أن تجنب اندلاع مواجهة دامية داخل طرابلس وفي محيطها هو أمر ممكن؟
أم أن حفتر قد أخطأ الحسابات حسب ما يتم الترويج له وأنه اعتقد أن الأمر يتعلق بحرب خاطفة أو نزهة لن تدوم سوى يومين أو أكثر بقليل، الأمر الذي دفع البعض لمنحه الضوء الأخضر للهجوم على طرابلس؟ وأن هذه الأطراف التي وافقت حفتر على هذا الهجوم ومنحته “مباركتها” ينتابها القلق مع تواصل المعارك وتوسع رقعتها وجنوح خليفة حفتر إلى القصف الجوي الذي قد يخطئ الأهداف ويتسبب في كارثة إنسانية؟
ويبقى الغموض في هجوم حفتر على طرابلس هو الطاغي ناهيك عن أن الأنباء جد متضاربة في ما يتعلق بما يحصل في الميدان، فكل طرف من طرفي المعركة يتحدث عن انتصارات ميدانية دون الحسم مع الطرف الآخر. لكن الأكيد أن الليبيين وسكان طرابلس تحديدا ملوا هذا الوضع المزري الذي يعيشه البلد وهناك رغبة كبيرة في طي صفحة الميليشيات والجماعات المسلحة وهم في بحث متواصل عن من يحقق لهم الاستقرار.
ولم يخطئ من اعتبر أن معركة طرابلس هي أم المعارك بين فريقي الصراع الرئيسيين لذلك سيخوضها الطرفان بحماس استثنائي باعتبارها مسألة حياة أو موت بالنسبة لهما. بل هي صراع من أجل البقاء لكلا الفريقين قبل المؤتمر الأممي الذي كان من المفروض أن يعقد في غدامس وتم تأجيله، بعد أن بات اتفاق الصخيرات عنوانا للفشل في الملف الليبي.