رؤى السفر

حجم الخط
0

للسفر عوالم لا نهاية لها، عوالم تؤثثها الطبيعة بكل مصنّفاتها الجمالية والفيزيائية والأركيولوجية، فهي أكوان ليس لها من حدود، وفراديس ملموسة، مرئية ومحسوسة، وهنا يكمن سر جمال السفر، وإهابه الأخاذ المحاط بالبحار والجبال والسماوات الوسيعة، والمسافات المتخمة بالغابات والبراري، والصحارى الممتدة في الحلم والخيال والأسطورة.
إذن السفر المصنوع من الشموس والأفياء والسحائب والمطر والثلوج، والمحاك من الهواء النظيف المترقرق، والشموس السائلة، والنسيم المضفور كجدائل الفتيات، هو هدف إنساني بحت، هدف جمالي، حتى لو كان هجرة مثل الطيور، حتى لو كان هروباً من واقع مرّ، حتى لو كان بحثاً عن مكان آمن، بحثاً عن السلام والحرية والخبز، فهو في النهاية نوع من التغيير، نوع من السفر لاكتشاف العوالم الأخرى، لاكتشاف الآخر، لاكتشاف وسبر الداخليات المختلفة للإنسان الهاجع في مكان آخر، بعيداً عن مرآك، وهو اكتشاف لأرض مغايرة، وتقاليد لا تشبه تقاليدك، واكتشاف مجتمعات من البشر الذين يشبهونك كإنسان، ولكنهم قد يتكلمّون بلغات أخرى، ولهم مورثهم الخاص، وزيّهم ولغتهم وطعامهم وفهمهم المختلف عنك، أنت القادم من عالم بعيد، ولا يعرفون عنك أيضاً أشياء عن طبيعتك، وحياتك الإنسانية كيف تكون، لكنك في المحصّلة ستكون معهم لتأكل من طعامهم، وربما تتكلّم لغتهم، وتغنّي وترقص مثلهم، وترتاد أماكنهم، كالمطاعم والمسارح ودور السينما والمتاحف والأسواق والمواقع العامة.
إنه السَّفر، وهو السِّفْر والسِّفار أيضاً. لقد سافرت الى أراضٍ كثيرة، وشاهدت العديد من العواصم والبلدات والقرى، ركبت قطارات وباصات وطائرات وبواخر وسيارات هنا وهناك، ولكنني لم أرتو من بهاء السفر، الذي أتزوّد به من تلك المحطة، وهذا المطار، وذاك الميناء.
السفر عالمه موصول بالتجارب، واكتسابها دون مقابل، سوى دفع تذكرة سفرك، ودفع ثمن كأس الشاي في المقهى، ودفع لقمتك في المطعم الذي سوف تلجأ إليه. هناك عدة أنواع للسفر، قد يجد بعض الناس ذلك صعباً توفيره، وهذا صحيح ليس بمستطاع كل الناس السفر، هناك أناس ليس لديهم شيء ليأكلوه فكيف بالسفر؟ فهو بالنسبة إليهم نوع من الترف، أو هو بعيد عنهم، ولا يفكّرون به أصلاً، ولكن هناك من يسعى إليه حتى لو لم يملك شيئاً، فالإنكليزي على سبيل المثال من المواطنين العاديين في المجتمع، من لهم وظيفة بسيطة تسد أجور الطعام وأجور المنزل، من ماء وكهرباء وفواتير أخرى تتعلق بالشؤون الحياتية، يسعى جاهداً طيلة العام كي يوفّر جنيهاً واحداً، من كلّ يوم، ليجمعه في نهاية السنة ويكوّن من خلاله مبلغاً، يكون كافياً لشراء تذكرة السفر، الى بلد تغمره الشمس، مبتعداً قليلاً أثناء عطلته عن بلده البارد والممطر غالباً. أحياناً وأنت حتى في البلد الذي تعيش فيه، تكون مشغولاً عنه بالحياة اليومية، كونك فيه، وهو تحت اليد.
العاصمة البريطانية لندن من عواصم العالم الكبرى، واسعة وكبيرة ومقسّمة الى جزأين كمدينة القاهرة، وبودابست، وبغداد، والرباط، وباريس ووارسو وبراغ والمدن النهرية، خاصة تكون مقسّمة على هذه الشاكلة، فأنت إذا كنت في «باب اللوق» و«الميدان» في القاهرة، فهناك في الجانب الآخر «الزمالك» و«الدقّي»، أي في الجانب الآخر من نهر النيل، أو إذا كنت في جانب «بودا» فهناك عبر النهر في العاصمة الهنغارية الجانب الآخر «بيشت»، وكذلك هو الأمر في بغداد حيث هناك «كرخ» و«رصافة» ويفصلهما نهر دجلة.

البهو في الداخل مرتفع البناء، وله منافذ للضوء والتهوية. أما الطراز المعماري فهو ينتمي إلى فئة الطرز العثمانية في التصميم، كنحت المنحنيات، وتبيان المثلثات، وكشف التقعّر التكعيبي للزوايا والمنعرجات، وهناك شاهدنا المنعطفات والأقواس في الأبهاء والدواوين الكبيرة والواسعة.

مفاد القول من هذا، هو أنني أعيش في الجانب الغربي من لندن، ولديّ اطلاع كامل تقريباً على كل المناطق والمعالم الرئيسة في هذا الجانب، بينما تنقصني معرفة الجانب الشرقي كله، لأنني مطلع فقط على الجزء القريب من الغربي، وذلك حين أعبر جسر نهر «التيمز» من منطقة «إيمباكمنت» لأصل إلى الجهة الشرقية التي تضم قاعة الاحتفالات الملكية، «فيستفال رويال هول»، وهي تضم في جانب النهر، سلسلة من المقاهي والمطاعم والحانات ودور السينما وصالات عرض للفن التشكيلي، فضلاً عن المكتبات وباعة كتب الرصيف، هذا ما اطلعت عليه هناك، أما ما تبقى، وما يكمن خلف هذه الأمكنة فإنني لا أعرفه، أو لا تهمّني معرفته، كون الجانب الغربي الذي أنا أسكن فيه يتوفّر على مبنى «البرلمان» وساعة «بيغ بن» ودور الحكومة، وقصر الملكة، و»الهايد بارك» و«المتحف البريطاني»، ومركز المدينة مثل «البيكاديللي» و«أكسفورد ستريت» و»ريجنت بارك» و«هولاند بارك» و«الكاليريهات» التي تضم لوحات عمالقة الفن التشكيلي. ولكيلا أستفيض، واستطرد أكثر من هذا، أعود الى موضوعي الرئيس، ألا وهو السفر، فأحياناً وأنت في المكان الذي تعيش فيه تكون بعيداً عن بعض الأمكنة، فتبدو مخفية عليك، أو أنها لم تكن في الحسبان على أنها تشكل عالماً لوحدها، أو معلماً فريداً، فعلى سبيل المثال، حين كنت في القاهرة قبل أيام، لم أعرف بعض الأمكنة القريبة من «الميدان» وهو قلب العاصمة، حيث أقيم في فندق، وأعني الأماكن القريبة، التي سبق وزرتها مثل «خان الخليلي»، ولكنني لم أعرف المكان الملاصق له وهو منطقة «بين القصرين» كـ «قصر الشوق» و»السكرية» وقربهما «الجمالية»، إلا حين دلّنا صديق مصري على معالم هذه الأمكنة، كلّ منها على حدة، ثم قادنا في ما بعد إلى مكان آخر يسمّى «مسجد قلاوون»، وهو معلم بحد ذاته، كبير وواسع وتاريخي، وفيه غرف للدراسة وطلب العلوم الدينية، أي بمثابة سكن جامعي كالذي نراه في بغداد اليوم، على سبيل المثال، للطلاب الجامعيين لمن هم بعيدون عن أهلهم ومن سكنة المحافظات. وهذا المسجد فيه أحواض للوضوء، وشجيرات تابعة له، تصنع الظلال في الظهيرة.
البهو في الداخل مرتفع البناء، وله منافذ للضوء والتهوية. أما الطراز المعماري فهو ينتمي إلى فئة الطرز العثمانية في التصميم، كنحت المنحنيات، وتبيان المثلثات، وكشف التقعّر التكعيبي للزوايا والمنعرجات، وهناك شاهدنا المنعطفات والأقواس في الأبهاء والدواوين الكبيرة والواسعة. حقاً تلك المنطقة، أي منطقة ما بين القصرين، هي تحفة تراثية بحد ذاتها، فحيثما تولّي وجهك، تشاهد المنائر والمآذن الطويلة، وهي تلامس السحاب، وتغتسل بالشموس الدانية.
هذا ما هزّتني رؤيته وأنا أزور مصر للمرة الثامنة، لكنّ الكشف يتم بالتدريج، والعثور على مكان معين يتم بطريق المصادفة، فعلى سبيل المثال، اكتشفت في ساحة «طلعت حرب» وبجوار محل «غروبي» القديم والمغلق الآن، اكتشفت بطريق المصادفة البحتة مقصفاً جديداً لم يسبق لي أن رأيته أو زرته مع أصدقائي من قبل، أو دلّني أحد عليه، هو مقصف «كارول»، اكتشفته حين رأيت مكاناً باذخاً يخرج ويدخل إليه الشباب، أو من هم بأعمارنا يأنسون للأماكن التاريخية والقديمة، ذات البنيان الراسخ، مثل هذا، وهو مكان قد أنشئ في عام 1943، أي قبل الحرب العالمية الثانية. كان معي في تلك الساعة الشاعر العراقي باسم فرات، فدخلنا إليه لنضيع في ضباب الدهور، متحسسين ملمس القدامة، وشكل البناء للماضي البعيد.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية