رسائل ألبرتو مورافيا إلى أليسّا مورانته: ثنائيات الضد والاتساق في الهجران والتواصل

هاشم شفيق
حجم الخط
1

شَغَل ألبرتو مورافيا في حياته التي لم تكن قصيرة نسبياً، الأدب الإيطالي والصحافة والسينما الإيطالية، برواياته الرائجة، وسيناريوهاته التي تحوّلت إلى أفلام على يد أعظم مخرجي السينما الإيطالية، مثل بازوليني، وفيسكونتي، وبرتولوتشي وجان لوك غودار، وغيرهم من عظماء السينما الإيطالية، تلك التي كانت مدرسة مُثلى بحد ذاتها، ولا تدانيها، أو تقارن بها هوليوود التي احتلت فيما بعد شاشات العالم، وحتى هوليوود في الجانب المضيء منها، كان قد غذّاها مخرجون وممثلون من إيطاليا، والاتحاد السوفييتي سابقاً، وأوروبا الشرقية. عاش مورافيا أزمنة صعود الفاشية ونهايتها، بعد الحرب العالمية الثانية، طفولته وفتوته لم تكونا سهلتين، فقد أصيب مورافيا وهو في العاشرة، بمرض سلّ العظام، ولم ينجُ منه إلا بعد عشر سنوات، أي في السادسة عشرة، مما أدى ذلك إلى إعاقته عن مواصلة الدراسة، حيث رقد على سرير البيت ثلاث سنوات متواصلة، ثم انتقل بعدها ليواصل الرقود في المستشفى، لكنه خلال تلك الفترة المرضية، كان يعوّضها بالقراءة المستديمة، لأهم العمالقة من الكتاب العالميين، كان يقرأ كتاباً كل يومين، وهو على سرير المرض، مما كوّن لديه ذخيرة أدبية كمنَتْ في الرأس مثل مكتبة عالمية، وحين نجا من المرض، واصل حياته الأدبية، وحين أحس أنه غير قادر على مواصلة الدراسة، انهمك في الكتابة، فكتب قصصاً ونشرها في مجلات، ثم كتب عمله الأول “اللامبالون” الذي حين عرضه في ميلانو على إحدى دور النشر رفضته، بحجّة أن الدار لا تستطيع تقديم كاتب مبتدئ، غير معروف، فطلب منه الناشر أن يطبعه على نفقته الخاصة، فلجأ حينها مورافيا إلى والده، مستعيناً به، وطبع العمل وحقق نجاحاً لافتاً، وأشاد به النقّاد، بعدها تمّ تكريسه كروائي شاب وجديد ويعد بالكثير.

وحقاً لقد كتب مورافيا الكثير من الروايات الناجحة، تلك التي حقّقت شهرة عالمية، تجاوزت إيطاليا إلى فرنسا وأمريكا ثم العالم، حتى وصل صيته إلى العالم العربي في وقت متزامن، فنشرت له “دار الآداب” البيروتية عدداً من الروايات، ودعته الدولة اللبنانية عبر سهيل إدريس، رئيس اتحاد الكتاب آنذاك، لتستقبله بحفاوة، وتفرش له السجّاد الأحمر، وكل ذلك كان يتم من خلال مترجمه ومرافقه وصديقه الفلسطيني نبيل رضا المهايني، الذي ترجم إلينا هذا الكتاب الرائق، بترجمة سلسلة ودقيقة، وغنية بالوثائق والمقدّمات التي عززت من ثراء هذا الكتاب.

 يتحدّر مورافيا المولود في روما 1908 ـ 1990 من عائلة أرستقراطية، ثرية، والده مهندس مشاريع معروف، ولكنّ مورافيا كان في دخيلته، وهو الشاب المثقّف والواعي يجنح إلى الشيوعية، حتى اعتنقها وهو فتى، فطاردته الفاشية ووضعتْ اسمه على لائحة المطلوبين، فمنعتْ كتبه، ومقالاته من النشر في الصحف، فسافر إلى باريس ولندن، والتقى بالعديد من الكتاب المشاهير، وعاد ليؤسّس مع عدد من الكتاب، عدّة صحف ومجلات، لم تتواءم مع الاتجاه الفاشي في البلد، فحاربته الفاشية وبعنف، وصادرتْ كتبه، ومنعته من النشر في الصحف والمجلات، والكتابة إلى السينما والعمل بها، وهي مصدر رزقه، حينها سافر إلى أمريكا بدعوة لإلقاء محاضرات عن الرواية الإيطالية في جامعة كولومبيا، ثم سافر إلى اليونان، والصين، واليابان للغرض ذاته، وحين عاد عاش في مدينة كابري مع زوجته، وصدر له في هذه الفترة مجموعة قصصية تحت عنوان “الخديعة” وكتاب “أحلام الكسول” وهو مقالات نقدية سريالية، ثم نشر رواية “القناع” وهي تدور عن رحلته إلى المكسيك، وتجربته مع الفاشية، وحين ضُيّق عليه الخناق، بعد ذلك الإصدار من قبل الفاشيست، هرب ليختفي مع من هاجر، من نار الفاشية، كانت معه زوجته، الكاتبة والروائية الشهيرة إيلسا مورانته، ليعيشا في كوخ منعزل، مع الفلاحين والنازحين، بعيدا عن دمار وعذابات النظام الفاشي، حيث واصل في تلك الأثناء الكتابة، لينشر كتابه الشهير “الأمل ـ أو المسيحية والشيوعية” حيث بث فيه أفكاره وآراءه عن الماركسية.

عاد مورافيا ومورانته إلى روما إبّان دخول القوات الأمريكية إليها. خلال هذه الفترة انتظم عمله في الكتابة، فقّسم وقته بتوازن، بين كتابة الرواية صباحاً، وكتابة السيناريو السينمائي مساءً، وهنا سينال مورافيا جائزة أدبية عن روايته “أغوستينو” بعدها كرّت الترجمات الأجنبية لكتبه، وازدادت الأفلام المقتبسة عن رواياته، ومن أهمّها فيلم “الاحتقار” الذي أخرجه جان لوك غودار، المخرج الفرنسي الكبير، ثم علا سهم شهرته حين نشر روايته الشهيرة التي لاقت نجاحاً لافتاً وكبيراً “امرأة من روما” وكانت مكتوبة كسيناريو لفيلم بالعنوان نفسه، وحين سُلّطتْ أضواء الشهرة عليه كثيراً، ولمع اسمه في المجتمعات كلها، الفقيرة والغنية، أصدر روايات “العصاة ” و “الحب الزوجي” و “الرجل التقليدي”.

بعد هذه النجاحات المتوالية وجِّهتْ له طعنة كبيرة من قبل الفاتيكان، عندما أعلن الكهنوت تحريم تداول كتب مورافيا، والفرنسي أندريه جيد، وبالرغم من ذلك المنع والتحريم، فقد نال في الآن ذاته، أهم وأرفع جائزة أدبية إيطالية “ستروغا” التي عادت عليه بالانتشار الواسع في عموم إيطاليا، ثمّ الإقبال على شراء كتبه من قبل العامة. وحين كان مورافيا في أوج مجده، سعى إلى تأسيس مجلة “أحاديث جديدة” التي انضوى بين صفحاتها كبار الكتاب، مثل جان بول سارتر، كالفينو، الشاعر مونتاله حائز جائزة نوبل، وبالميرو تولياتي زعيم الحزب الشيوعي الإيطالي آنذاك، وغيرهم  من المشاهير في حقل الأدب والفكر والسياسة.

كان مورافيا على علاقة حب كبيرة مع مورانته، التي كانت تمرّ بحالة نفسية، ومرض عصبي، وضغط الكتابة والمخيلة، فابتعدت عنه، واتخذت أصدقاء آخرين لها، كانت حرة في علاقاتها، وكذلك هو مورافيا، كانت لديه صداقات عديدة، ولكن الشهرة كانت تلجمه من الذهاب عميقاً في العلاقات النسائية، فهو كان متعلقاً بمورانته، بشكل غير طبيعي، وهذا ما توضحه الرسائل، حتى الاحتياج الحميمي، كان يفصح عنه في رسائله إليها:

“الطقس رائع ومريح ولا يوجد حرّ على الإطلاق، لذلك فإني أظن أن بوسعك أن تعملي هنا كما تعملين الآن في سيلس، أنا سعيد جداً لأني موجود في آنا كابري، وقد أدركت أن هذا هو المكان الذي أحبّه، أكثر من أي مكان آخر في العالم، لأنه يناسبني أكثر من غيره، كم أود أن تكوني هنا معي ولديّ رغبة قوية في تقبيلك وفعل الحب معك، لكن يبدو أنك لا تشعرين بهذه الرغبة، إلا عندما أسافر وأبتعد عنك”.

من خلال هذا السياق الآنف، تبدو العلاقة هنا متردّدة، غير ثابتة، تارة متوتّرة، وتارة أخرى ليّنة، خصام في الرسائل وود كثير، كراهية ودموع، وحب وتفانٍ، بعد واقتراب وهجران وتواصل، ثنائيات الضد والاتساق تلوح في هذه الرسائل، وهي رسائل جذابة وصادقة، كونها تكشف شخصية مورافيا، الروائي الشهير الذي اقترب من جائزة “نوبل” وكان بينه وبينها قاب قوسين أو أدنى، ذلك أن الصحافة والقريبين من دائرة جائزة “نوبل” كانوا يتوقعون وبقوة، نيل مورافيا لها، ولكنه في النهاية لم ينلها، فقد نالها مواطنه الشاعر سلفاتوره كوازيمودو، بيد أن هذا الأمر لم يحجب عنه جوائز كان قد نالها وهي لا تحصى.

تكشف الرسائل أيضاً مدى العلاقة القائمة بين كاتبين، يكتبان النوع الأدبي ذاته، وهنا سوف يبرز حسّ من نوع آخر، فهل هو المنافسة، ربما، فهو يريد أن يتقدم في عمله، وهي تريد أن تكتب، وتتخطى كل شيء في عملها، ومن هنا حس الاختلاف والتنافر، وحس الاقتراب والتلاحم اللذين كانا سائدين بينهما. وها هو ذا  يناجيها “أريد أن اقولَ لك إني لا أرغب على الإطلاق أن ننفصل، لذلك فأنّي حتى هذا اليوم، الذي أشعر فيه باليأس، فأني أرفض هذا الحل بكل قوّتي، فأنتِ وكما أخبرتك البارحة، ما زلتِ حتى اليوم الشخص الذي أحبّه أكثر من كل الآخرين في العالم، والذي تعلقت به أكثر من أي شخص آخر، لهذا فأني لا أريد أن أنفصل عنكِ، ومع هذا لأني لا أريد أيضاً أن تظني أني لا أودّ التمسّك بكِ بالقوّة، أني على قناعة تامة، بأنه يمكن لنا أن نبقى معاً، لكن إذا كنت لا تريدين ذلك حقاً، فليكن كما تشائين”.

كان مورافيا محبّاً للحياة والسفر والكتابة، كان دائماً على موعد مع كتابة سيناريو لفيلم، أو أن رواياته ستتحول إلى فيلم، كان يمارس الرياضة دائماً، التنزه والسباحة، من أجل أن يأتيه الإلهام، وحياته كانت موزّعة بين المشاهير من الأصدقاء، وبين الكتابة، وكان كلما سافر إلى بلد، كتب إلى أليسا مورانته  مشاهد عن رحلته، وها هو ذا يكتب إليها من اليابان قائلا: “هنا كل شيء على ما يرام، تقام كل يوم جلسة تدعى أدبية، تلقى فيها خطابات بعضها طويل خاصة خطابات الوفود الشرقية، أنا تحدثت بالفرنسية .. جاء شتاينبك لكنه مرض فور وصوله، في النهار لا يوجد سوى متابعة الجلسات، أم في المساء فأني أتجوّل بين البارات والحانات، وهذا هو الجانب المسلي من اليوم، وطوكيو كما قلت لك مدينة مرحة وبالفعل تثير الفضول”.

ألبرتو مورافيا: “بمجيئك قد تكتمل سعادتي”

ترجمة: نبيل رضا المهايني

دار المدى، بيروت 2019

332 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية