جديد الروائي السوري جان دوست رواية “عشيق المترجم”. وهي رواية تستمد أحداثها ووقائعها من زمن عربي وعثماني قديم، يوم كانت الإمبراطورية العثمانية هي العالم الثاني مقابل الرومان والإفرنجة، وكانت الأستانة هي المركز العالمي لحوض بلدان الشرق الأوسط، وكانت موئل العلماء والكتاب والشعراء، ومهبط الفنانين والخطاطين والمدوّنين والمؤرّخين للمناهج والعلوم والمعارف، تلك التي سادت إبان السلالة العثمانية التي حكمت عواصم كثيرة، وعملت على نشر الدين الإسلامي في البلدان المجاورة لها، والقريبة من حدودها ولا سيّما التي تقع في المتناول من تاريخها، ومُثلها وطبائعها ومناسكها، فالشؤون الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، أغلبها كانت تدار من بلد العثمة، ونهجهم في إدارة دفّة البلدان الإسلامية.
يسرد الراوي العليم عشيق رشدي، وهو مدوّن تاريخي وخطاط وعالم ومترجم، حكايته بكل تفاصيلها منذ رحيل والده من بلاد الأستانة، إلى درّة الشرق، والمعنية هنا حلب، لغرض التجارة. كان في العاشرة من عمره، حين حلّ في مدينة العلم، فتعلم فيها الخط والقراءة، ومبادئ النحو، والصرف والمنطق والحساب، وقراءة القرآن، وحين بلغ السابعة عشرة، وهو الذكر الوحيد بين ثلاث إناث، قرّر والده رشدي الذي كان يحلم بالترجمة، ولكن شؤونه التجارية منعته من تحقيق حلمه، أن ينقل حلمه لولده الوحيد عشيق، ليكون بذلك قد حقق حلمه الذي لم يستطع تحقيقه في حياته المنشغلة بالقضايا التجارية.
تبدأ الحكاية من تاريخ بعيد، والزمن هو ألف وسبعمئة، أي قبل أفول الإمبراطورية العثمانية، وغيابها بعد الحرب العالمية الأولى، وحدوث تغيير مسار الكولونالية بانتقالها إلى العالم الجديد.

فالزمن الروائي هو ذاك، أي زمن العثمانيين، والمكان هو حلب يوم كانت درّة شرقية، يُحجّ إليها لنيل العلم والمعرفة، ونهل نور العقل.
في غرفة لبيت كبير، خلّفه والد المترجم لولده، ثمة موقد وسراج، والدنيا ثلج وبرد وظلام، هناك يسرد المترجم حكايته إلى الخطاط والمدوّن يونس الألباني، خادمه، وكاتم سرّه، ومسطّر سيرته الرحبة، الحافلة بالسفر والمفاجآت والأحلام.
من هنا يبدأ يونس، كل ليلة تقريباً، وعلى هدي السرد الحكائي لألف ليلة وليلة، بتدوين ليالي سيّده المترجم عشيق، وهو عجوز متقدّم في السن، رغب أن يترك ما لديه من ذكريات في كتاب، بعد أن أتقن اللغات الأجنبية التي تعلمها في حياته، تلك التي أجبر عليها، من خلال أبيه الذي دفعه إلى سلك مسلك آخر غير التجارة، وبذا نرى هنا الراوي يسرد، والمدوّن يونس الألباني، يغمس ريشته بالحبر، ويسطر في القراطيس ما تجود به ذاكرة سيده المترجم عشيق.
يبدأ المترجم من يوم رحيله عن حلب، في الإملاء على يونس الذي يصغي بكل جوارحه لما يقوله سيده الذي يجله ويقدره أيما تقدير، وكذلك هو المترجم يغدق على خادمه المطيع من حسن المعاملة، كرفعة أخلاقه وكرم لسانه من خلال كلامه له ومخاطبته له بالأحسن والأرفع.
يبدأ المترجم العجوز وهو منغمس في عالم السرد، ويونس جالس إلى جانبه يدون يوم سفر المترجم، أيام كان فتى متأهباً للرحيل إلى بلاد الإفرنجة، وتحديداً إلى إيطاليا لتعلم الإيطالية واللاتينية، بعد أن نصح والده تجار من البندقية وجنوا ومرسيليا، إذ كانت لوالد المترجم علاقات واسعة بكبار التجار وعلية القوم، ويومها أيضا كان على صلة براهب ماروني من لبنان، اقترح عليه الذهاب إلى هناك، لكن الشاب عشيق ابن السابعة عشرة، كان يكره الغربة نتيجة صلة حبية ربطته مع فتاة يهودية، ولا يود أن يتركها. وذات ليلة بعد أن أملى عليه بعض سيرته الأولى، عن بدء العلاقة بفتاة أحبها، توقف عن السرد ليعود في ليلة أخرى، حيث الموقد والنار التي تدفئ الغرفة، وحيث الثلج في الخارج تذروه الرياح ليواصل الشيخ السرد:
“كانت تدعى إستر، وكانت فتاة سمراء اللون، مكتنزة اللحم، صافية العينين، سوداءهما كسنونوتين، فاحمة الشعر، ممشوقة القوام، نحيلة الخصر، ولقد عرفنا فيما بعد نتفاً من قصتها الحزينة، فقد كانت طفلة يهودية يتيمة الأبوين من قرية بالقرب من جبل موسى ولما كان إسحاق الصفار الأرمني يدور على قرى كثيرة، لفتت نباهة إستر نظرة إليها، فتبناها وصار يأخذها معه إلى قرى المسلمين لتدخل البيوت بلا حرج، وتساعده في كسب رزقه، وتقول له يا أبت ويقول لها يا ابنتي، ولقد علقت بها منذ كنت في الثالثة عشرة حين كان الصفار يدور كل يوم جمعة على بيوت القرية”.
وفي الليلة التي تلي هذه الليلة، وحين يصل إلى درجة البوح والتمادي في الحب، وإتيان المطارحات والدعابات والملامسات والوصول إلى التحولات الإيروتيكية، يحجم الشيخ خجلاً عن البوح، فيسكت عن الكلام المباح إلى المدون. وفي أحد الأوقات حين يتعب الخادم وينعس يصرفه مولاه ليرتاح وينام، في تلك الاثناء يستغل الشيخ هذا الغياب، فيملأ هو بيده ما كان يضمره في نفسه من حكاية خجل من سردها لمدوّنه وخادمه، حتى يصل إلى وقت يوم السفر باتجاه بلاد الإفرنجة، ففي الطريق المتجه إلى الأستانة سيجلس جنب الحوذي الكردي بوزان، وفي الخلف والدته ووالده وقد جاءا لتوديعه، هنا سيدور بينه وبين الحوذي كلام حول الحب، فالحوذي يعرف تفاصيل حكاية عشيق الفتى مع اليهودية إستر، وكذلك الحوذي سينخرط في سرد حكايته هو للمترجم عشيق، وقصة حبه من امرأة عربية، سيحول الزمن دون الزواج منها. قصة حب مدمرة عاشها الحوذي مع حبيبته مياسة القيسية، في أحد مضارب البدو العربية، ستبهر قلب الفتى عشيق العاشق الذي ترك حبه خلفه في حلب، ورحل من أجل العلم، والدراسة، والتبحّر في اللغات، وحين طلب منه المترجم إكمال القصة التي لم تنته بعد، يعده الحوذي بالتكملة حين يؤوب من السفر إلى بلاده في حلب، كونهم قد وصلوا إلى نقطة الانطلاق، أي إلى ميناء الإسكندرون الذي وصلوه فجراً، ذات يوم مشمس وساطع، حيث رحيل الفتى عشيق من الشرق باتجاه الغرب.
في الميناء سينتظر الوالد رشدي والوالدة سارة والحوذي بوزان، ينتظرون الراهب الذي طلّ بعد تأخير، سيعطي الراهب للفتى المترجم اسماً آخر، غير اسمه، إذاك سيودع الفتى الأهل ويرحل في السفينة الهولندية التي ستمر بجزيرة قبرص وغيرها من الجزر والبلدات والقرى.
في السفينة سيلتقي يوحنا الأنطاكي، وهو الاسم الجديد للمترجم عشيق، سيلتقي مصادفة على سطح السفينة بتاجر الورق مارتين، منافس والده بالتجارة. لم يأبه له يوحنا، وبعد بقليل سيلتقي بمسافرَين افرنجيّين من البندقية، سيتخطاهما إلى أن يعرفه بولس الراهب إلى اثنين من الطلبة وثمة ثالث سيلتحق من قبرص بالبعثة، والطالبان هما سابا الزجال من كسروان، وجرجس عبد المسيح من المنيا في مصر، ولكل من هؤلاء حكايات، سيتسلون بقصها على بعضهم، قتلاً للوقت والملل، فالرحلة طويلة، وثمة وقت كثير أمامهم لكي يصلوا إلى حيث يدرسون في المدرسة الرومانية لمدة خمس سنوات، دارسين اللغتين اللاتينية والإيطالية، فهم رهبان اللغة، وما على هؤلاء الرهبان، سوى نقل النفيس من خزائن الإفرنجة، من أجل إغناء المكتبة الإسلامية بالعلم، والمعرفة المغايرة والنور العقلي لدى الآخر.
وحين قال الراهب لهم أنتم رهبان اللغة، أضاف: “أن الإفرنجة أيضاً يرسلون فتياناً إلى الأستانة وسميرنا وحلب وغيرها لتعلم العربية والتركية، أنتم وفتيان اللغة الإفرنج ستبنون جسوراً هدمتها الحروب والإحن، ستكونون رياحاً ولواقح لحقول العقول، شرقاً وغرباً ولتكن الحروب بعد الآن حروب مداد وورق وجدال، لا دماء وساحات قتال، ولتتحاور الأديان على القراطيس بالحجج والبراهين لا بمبارزات الصناديد في الميادين، ولتتقاتل الأمم لا بالسيوف بل بالحروف”.
تجمع رواية “عشيق المترجم” روائح السرد الفضلى، ذات البعد المعطر بالحكايات والقصص والنوادر والحكم والأمثال، وقد تحرّك الشخوص الثانويون بدقة في مآوي السرد، ورسموا حركاتهم بعناية شعرية، ولغة سميرة، وصور أضفت على المَشاهد مذاهب من المتخيّل، والمتأوَّل من الشوارد التعبيرية التي لاحقت النص هذا، ووشّته ورصّعته بالفتن المحكية، وبضروب من الوقائع البعيدة، والتواريخ المدفونة في العمق الجمالي لمسيرة الأستانة، وخطوبها ومسرّاتها المجدولة ببعد عرفاني، ورؤى رومانتيكية، هي نتاج وإفرازات من روح الترحال والسفر في الأصقاع، والأمصار المتاخمة لسميرنا وحلب والأستانة، كقبرص وبلاد اليونان، وصولاً إلى البندقية وجنوا وتجار ذلك العالم الذي كان يبدو بعيداً، جراء السفر إليه عبر الماء، ولكنه كان قريباً بواسطة العقول والتلاقح الثقافي، والفكري والتجاري، هذا ناهيك عن البعد الميتافيزيقي الذي اخترق النص كونه نصاً تاريخياً إلى حد ما، ويعود بنا ثلاثة عقود إلى الوراء، ينضاف إلى ذلك التكنيك المحكم بنائياً، في تلافي الثغرات والإطالات الزائدة، ولكنه في النهاية رغم بنيته السردية النثرية الفاتنة والشعرية، يبقى العمل محكوماً بالبعد التاريخي رغم المتخيل الذي يلوح عليه، ورغم التقرّب أحياناً من الواقع اليومي في تصوير حالات الشيخ وتحولاته، وهو يملي على خادمه قصة رحيله لغرض العلم، وقصة عشقه الغارب.
جان دوست: “عشيق المترجم”
دار الساقي، بيروت 2019
222 صفحة.