رواية “صانست بارك” للأمريكي بول أوستر: اشتباك الشخصيات مع زيف الحياة المعاصرة

هاشم شفيق 
حجم الخط
0

الكاتب الأمريكي من أصل بولندي، بول أوستر، روائي متعدّد المواهب، فهو الشاعر والناقد والمترجم والسيناريست، وفضلاً عن كونه الروائي الأمثل والبارع، فهو كذلك مخرج وممثل ومنتج سينمائي، إنه شخصية واحدة، منشطرة على نفسها إبداعياً، لتتقمّص عدّة شخصيات جمالية وفنية في حياة شخص مبدع واحد، له عمر قصير لا غير، مثل أي كائن إنساني.

يجد المراقب والمتتبع والمهتم بأعمال بول أوستر الروائية، اهتمامه بالعوالم الغرائبية، والأجواء الغامضة والمثيرة، تلك التي تستدعي مزيجاً من الخلطة السحرية، غرابة وغموض وإثارة وعنف وحب ومتاهة، نكوص دائم، يصاحبه توثّب في سياق ما، موت واختفاء وسجن، وثمة ما يقابله من حياة وشغف وتوق بين شخصين، سحب سوداء، جو معتم كافكوي في الغالب، سايكولوجي متشابك، ومعقّد على الصيغة الديستوفسكية، أو صراع من أجل التوهّج والبقاء والمكابدة، وفق الأمثولة الهمنغواوية، ولكنه هنا تحديداً في رواية “صانست بارك” التي بين أيدينا، نحّى بول أوستر كل تلك الموتيفات والمواضعات والترسيمات التكنيكية، ليلجأ إلى الواقع هذه المرة، وما أغناه، الواقع المترع بالمواضيع والمناقب والخطوب الذي لا ينفك أن يكون النبع الأساس لمختبر الروائي، بالطبع دون أن يتناسى المؤلف والصانع نسج المتخيل حول هذ الواقع، واقع لا يفتأ يزوّدنا بالعطاء، والمِنَح والهدايا اليومية، إنها هدايا الواقع، على مرّ تاريخه الحي والإنساني.

تسرد رواية “صانست بارك” للروائي بول أوستر وقائع الأزمة المالية التي حلت في أمريكا عام 2008. فأحداثها تدور في مدينة نيويورك، وتحديداً في منطقة منهاتن، وفي جزء مهم من المدينة هو حي “صانست بارك”.

كان الروائي بول أوستر قبل كتابته الرواية، قد اطلع على كل مجريات الأزمة المالية، حيث تابعها بدقة الروائي الحاذق، والمتمكّن من التفاصيل، مما ساعده هذا في رسم الشخصيات، تلك التي تقاسمت الأدوار والمشاهد، وأثارت بتحرّكها مسار الحياة الراكدة، مالياً واجتماعياً وفنياً، من أجل أن تستمر العجلة في دورانها، في بلد واسع وكبير، ومتعدّد مثل أمريكا.

وبذا سعى الراوي المُلم والخبير والعليم، لتسليط الضوء على نسقَين مختلفين، غير متماثلين، أي الغوص في هذا الحي الصغير، الحي الذي يضم مقبرة غرينوود، وهي مقبرة تهيمن على مساحة شاسعة من هذا الحي، كما أنه الحي الذي يحتوي من ضمن ما يحتوي، على ذلك البيت الذي تسكن فيه مجموعة من الشباب المهمّشين والباحثين عن حياة بسيطة، وسط هذا الخضم من الصراع بين عالم الغنى وعالم القاع، صراع طبقي واضح بين مجموعة من الشباب الذين يحاولون رسم يومياتهم، ومستقبلهم كيفما كان، وعالم الرأسمال والبورصات وأسواق المال، والتنافس الحاد على ما هو ممكن ومعطى، وقابل للاقتناء والتدبّر، فالمقبرة استقبلت فيما مضى المئات من النجوم، أولئك الذين دفنوا بين أفيائها، نجوم أدب وفن وسياسة، وهي عبر شساعتها أضحت تتقاسم المكان والتاريخ والزمن، من خلال ضمّها للعديد من الراحلين. في هذا المكان ثمة شباب غاضب يستولي على بيت مهجور متخذاً منه مجالاً للسكنى، جرّاء ما آلت إليه الأمور في البلد، حيث مثول الأزمة الاقتصادية الحادة، تلك التي شلت مرافق الحياة، فشخص مثل مايلز هيلر يحاول أن يواصل العيش بطريقة ما، والحياة عبر التدبير الأقل، على ما هو متاح من عمل، حتى لو كان هذا العمل مدبّراً في منازل تركها ساكنوها مجبرين، بسبب عدم الوفاء بتسديد الرهن، ومستحقاته للمصارف، فخلت البيوت من ساكنيها، غير ان مايلز هيلر ينغمر في عمله هذا، فيبدأ بتنظيفها وتسليمها للمصارف التي هيأت له هذ العمل، وفي حمأة انشغاله يسعى مايلز إلى توثيق ما يراه، من المتروكات والمخلفات والأشياء المنسية في تلك المنازل فيوثقها عبر التصوير، بينما صديقه الأقرب بينغ ناثان، لديه دكان يحمل لافتة “متحف الأشياء المحطمة” والعمل هو ترميم وإصلاح الأشياء القديمة والمستهلكة، تلك التي لم يتم صنعها من جديد، أما الشخصية الثالثة والتي تسكن في هذا النزْل في” صانست بارك” فهي أليس برغستروم، المنشغلة بإعداد أطروحة عن فيلم “أحلى أيام عمرنا” الكلاسيكي الشهير.

إلى ذلك وفي السياق ذاته، يُخبره صديقه بينغ أنه يعيش في منطقة في بروكلين تدعى صانست بارك، في منتصف اب/أغسطس، قام ومجموعة من الناس بالاستيلاء بوضع اليد على منزل صغير مهجور في شارع يقع قبالة مقبرة غرينوود، وقد سكنوا البيت كمحتلين منذ ذلك الحين، لأسباب غير معلومة، لا تزال الكهرباء والتدفئة متوفّرتين في البيت. وهذا يمكن أن يتغير في أي لحظة بالطبع، ولكن في الوقت الحالي يبدو أن ثمة خللا في النظام …. صحيح أن الحياة مقلقلة، وصباح كل يوم يستيقظون على تهديد الإخلاء بالقوّة، ولكن مع رزوح المدينة تحت ضغط الأزمة الاقتصادية، فإن الكثيرين فقدوا وظائفهم الحكومية.

يقدم بول أوستر في هذه الرواية أمثولته في التعددية، وفي امتلاكه للتقنيات البوليفونية، ثمة أصوات متعددة تخترق الرواية وتحيلها إلى استعارة كبرى في توليف العوالم ورصد شخصياتها، ومن ثَمّ استيعاب المكوّنات المحيطة بالمدينة، من خلال نيويورك ككل، وعبر بروكلين، وصولاً إلى حي صانست بارك، ساعياً إلى رسم كل ما مرّ في تاريخها، من بروق لامعة، في مجال الفن، والطباعة، والكتابة، وتتبع رواد لعبة البيسبول المعروفة، وتمثّل أبعاد أبطالها المشهورين، بدءاً من مراحلهم الأولى، حتى نهاياتهم التراجيدية، ومعرفة مصائرهم، كيف آلت وانتهت، منذ زمن البزوغ، وحتى زمن التلاشي، من خلال القصص التي رافقت حياتهم وسيرهم الغريبة واللافتة.

ضمن هذا النسق يقدم بول أوستر وثيقته الجمالية، ليوثق تلك المرحلة، القريبة من زمننا وليست بالبعيدة، فعام الأزمة لم يمر عليه سوى عقد ونصف، والحوادث التي طرأت لم تزل طازجة، ونائمة في تلافيف المخيلة، لم تبرحها، قابعة بكل ثقلها وإرهاصاتها داخل أرشيف العقل والذاكرة.

 وفق هذا التشظي الحياتي، والانحراف البياني للخطوط العامة لمسار الشخصيات، نلمس دون شك ذلك الفقدان والخسائر والارتكاسات التي انعكست على حياة الشخصيات، ولهذا وجدنا القلق والهزائم والمصائر الضائعة هي ما يتجلى، ولكن الروائي المُلم بعالمه الآيل إلى تقهقر، وتفكك وانشطار، يجعل من شخصياته القلقة تتناغم مع واقعها، وتتقبله وتحاول السعي للتآلف مع هذه التخرّصات، تلك التي أنتجتها التجربة الواقعية، من تدهور الحالة الاقتصادية والكساد المالي الذي حل في البلد، كساد تمدّد ليشمل العالم أجمع .

تحت أفق هذه الرؤيا بنى بول أوستر شخصياته، وهم مدعومون ومسنودون دوماً بسيرتهم الذاتية، مثل شخصية مايلز على سبيل المثال، فهو يستغور أبعاد طفولته وعلاقته مع أمه المتزوجة، والمنفصلة عن والده والمتزوجة مرة أخرى من رجل آخر منتج أفلام، كان يقيم مآدب في منزله لكبار الفنانين، من ممثلين كبار ومخرجين ومشاهير، إلا أنه، أي مايلز، كان يعزل نفسه في غرفته، وينآى عنهم منشغلاً بالقراءة، والتأمل، والتفكير بمستقبله، وحياته القادمة.

إذاً هناك في الحي ذاته من بروكلين، في صانست بارك، تمضي السنوات بين الكاميرا والتصوير والأشياء المحطمة “ابتاع كتاباً مصوّراً صغيراً عن مقبرة غرينوود، وبدأ يزورها مع كاميرته، متجوّلاً بين القبور والأنصاب والأضرحة المنقوشة، تقريباً دائماً وحده، في هواء ديسمبر القارس، دارساً بإمعان العمارة المسرفة، شبه المتفاخرة لبعض الأضرحة، الأعمدة والمسلات الرخام، المعابد الإغريقية والأهرام المصرية، والتماثيل الضخمة التي تجسد نسوة مضطجعات باكيات”.

وفضلاً عن أليس وتعلقها بفيلم “أحلى أيام عمرنا” وهو المجال الوحيد الذي افنت وقتاً طويلاً في دراسته والكتابة عنه، والفيلم الذي كان مدار حديث الصحافة والناس في ذلك الزمن إبّان الحرب العالمية الثانية، واحتياج الناس إلى العواطف والحب، في ظل تصاعد الآلة الحربية، فضلا عن أليس هذه، هناك رينزو الكاتب الروائي، هذا الذي يكتب يومياً، ويصدّر رواية كل عام، وثمة الرسامة ألين برايس التي تهتم بالتشخيص، ورسم الأجساد والموديلات المُشخصنة، ذلك “أن جوهر العمل يكمن في يدها … فإنها يمكنها أن تجعل تلك اليد ترى” أما الروائي رينزو فهو يعرض لنا مدى ذلك القلق الذي ينتاب الكاتب أو الروائي أثناء الكتابة “كان كتاباً صغيراً، لا يتجاوز المئة وخمسين صفحة، ولكن يبدو انه أستخرج منه كل شيء، كتبه بنوع من السعار، في أقل من ثلاثة أشهر”. وهنا نتساءل هل رينزو هذا هو كناية عن بول أوستر نفسه الذي كتب رواية “صانست بارك” خلال ستة شهور، وبتفانٍ عالٍ إبّان تفاقم الأزمة المالية التي حلت بأمريكا مطلع الألفية الثانية؟

بول أوستر:  “صانست بارك”

ترجمة سامر أبو هواش

دار المتوسط، ميلانو 2018

276 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية