الروائي والكاتب النمساوي ستيفان تسفايج له أعمال روائية قليلة، لكنها في سياق السرد الروائي العالمي، تعد من عيون الأدب العالمي، لما تتضمنه من رؤى فلسفية وثيمات نفسية، وأسلوب رفيع يقع في سياق الأعمال النادرة والواضحة، التي تحمل مضامين إنسانية عالية، تستكشف حياة الإنسان الوحيد والمهدد بالعزلة، أو الواقع في الحب الملتبس والغامض، وما روايتاه الخالدتان «أربع وعشرون ساعة من حياة امرأة» و»رسالة من امرأة مجهولة» إلا الدليل على عظمة هذين العملين، المتسمين بالكتابة السلسة والمرهفة والمشوّقة. جمل قصيرة، رؤيا متسائلة، وشغف واضح بجمال التعبير، واستخدام اللغة الطازجة، غير المبتذلة والمستهلكة كثيراً، فضلاً عن كتابته لعمله الأبرز في حياته الروائية «حذارِ من الشفقة» الذي ينضاف إلى رواياته «أموك» و»الخوف» و»لاعب الشطرنج».
وإذا كان تسفايج روائياً من طينة خاصة، ويتمتع بسياق كتابي مشرق، فذلك أنه أيضاً يتوفر على مقدرة في استطلاع أنسقة النفس البشرية، بحبكة ماهرة، تدفع بالقارئ إلى مواصلة العمل، ثم سبر غور السطور من أجل الوصول إلى متعته الفنية، ونيل المبتغى والختام حتى آخر كلمة في الكتاب، ليقبض القارئ في النهاية على المحتوى وهدف الكتاب. فتسفايج هو كاتب سيرة متفرد ومدهش، وقد كتب سيرة كتاب مشهورين عديدين، بطريقة لافتة وممتعة، ككتابته لسيرة ماجلان. إنها سيرة جذابة وساحرة، وكتبت وفق سياق راق، وضعته كواحد من أهم كتّاب السيَر الذاتية، تلك التي صادف ومررنا بها وقرأناها. إن تسفايج يضعك مباشرة أمام خيط شفاف من اللهفة، لمرافقة العمل وتتبع الخيط حتى نهايته، وقد تجسّد ذلك في روايتيه المذكورتين أعلاه، فنسبة عامل التشويق المشرق للروايتين، وكذلك الشغف الفني البارع والمتدفق، قد أدى بهما إلى أن يكونا مادة سينمائية دسمة، ولهذا حوّلتا الى السينما، وأصبحتا من أجمل الأعمال الكلاسيكية السينمائية، وفي العربية أيضاً وجدتا طريقهما إلى السينما، فمثلتا وأخرجتا على يد كبار كتاب السينما العربية في مصر، وقدّمتْ أعماله المسرحية أيضاً في بعض البلدان، وما زالت تُقدّم حتى الآن في كبرى المسارح العالمية، فهو من كتب سيرة ماري أنطوانيت وبلزاك وديكنز وتولستوي وسيغموند فرويد، الذي كان معجباً بأسلوب تسفايج نفسه، عبر تحليله لشخصياته الروائية، وكشف ملابساتهم السايكولوجية والأبعاد الأنطولوجية لها، وإفادته من هذا العالم الغريب في الكتابة الروائية، كتابة يتمتع بها ستيفان تسفايج وحده، بابتكار طرقه الخاصة في التحليل النفسي واستبطان أعماقها الداخلية.
إن عالم تسفايج ثري ومتنوع، فهو يكتب القصص والنوفيلا، الرواية القصيرة التي تعتمد الأحداث القليلة والشخصيات القليلة، وتتبنى نسق الكتابة الملخصة للوقائع والتواريخ، فضلاً عن اعتمادها على الكثافة والإيجاز والاقتصاد اللغوي، والتقشف التعبيري في بناء الجملة القصصية والروائية والمسرحية.
إن عالم تسفايج ثري ومتنوع، فهو يكتب القصص والنوفيلا، الرواية القصيرة التي تعتمد الأحداث القليلة والشخصيات القليلة، وتتبنى نسق الكتابة الملخصة للوقائع والتواريخ، فضلاً عن اعتمادها على الكثافة والإيجاز والاقتصاد اللغوي، والتقشف التعبيري في بناء الجملة القصصية والروائية والمسرحية. لقد كتب ستيفان تسفايج مذكراته ببراعة جمالية أخاذة، متحدثاً فيها عن نشأته وحديثه عن عائلته وأصدقائه والكتب والشخصيات التي أحبها، وسماها «عالم الأمس» وقد تسنت لي قراءتها حين صدرت عن وزارة الثقافة السورية.
أما الكتاب الذي نحن بصدده الآن «ساعات القدر» فهو يقع ضمن نطاق الكتابة البيوغرافية، وهي كتابة سيرة الآخرين، سيرة لخّصها في كتاب «ساعات القدر» وهو شبيه بكتابه المهم «بناة العالم» الذي ضم سيرَ شخصيات عالمية أثّرت في تطوّر وتقدّم البشرية. أما في هذا الكتاب فهو يقدّم سيرة الحدث الذي ارتبط بشخصية ما، مازجاً سيرة الحدث بالسيرة الشخصية لمبتكره وصانعه وخائضه، في الزمان والمكان والموقع الذي تمّت ووقعت فيه الأحداث والمشاهد والأفعال الدرامية، والتراجيدية للإنسانية، وهي تصنع مصيرها وحياتها وكينونتها البشرية. تم طبع هذا الكتاب في زمن وحياة تسفايج، وعاينه وكتب للمحرر ملاحظاته حول الكتاب، من ناحية الحرف المستخدم ونوع الورق وتحديد المسافة بين الكلمات، وعن كل شيء فني يخص طباعة وإخراج هذا الكتاب، فطبعت منه أكثر من أربعين طبعة، وبيع منه الكثير في الطبعات المتوالية، وهي تربو على السبعة ملايين نسخة، وترجم الى لغات عالمية عدة، رغم أن الكتاب ليس رواية أو مسرحية أو قصة، بل هو عبارة عن مقالات مصبوبة في قالب فكري وفلسفي ورؤيوي، تدور حول صاحب الإبداع المعني، أو ثيمة العمل نفسه، إنه يشبه ديباجة ومقدمة عامة لسيرة شخصية ما، أدبية، موسيقية، غنائية، أو علماء بحار وجغرافيين وقادة غيّروا مسار العالم، في الحروب التي خاضوها، أو في مضمار السلام الذي استتب على أيديهم. فكل مقال من هذا الكتاب يتحول لدى قارئه في لحظة من اللحظات إلى كتاب كامل، مليء بالمعلومات وغني بمادة غزيرة، تجعلك تدخل مستكشفاً بفضول عالم إحدى هذه الشخصيات المثالية، واللافتة للتاريخ والزمن في لحظة انبثاقها وقتذاك، مثل كتابته عن الموسيقار هيندل، أو تولستوي، وشيشرون ولينين ونيلسون، أو في مواضيع تخص البشرية ولحظة تحوّلها من حال إلى حال، في اكتشاف المحيط الأخير مثلاً، أو اكتشاف إلدورادو، حيث حلم كل مغامر وباحث ومستكشف ومستطلع هائم بسحر العثور على أرض الذهب، أو في وصف حالة حربية لواقعة دولية عظمى كواقعة واترلو، وكذلك هو الحال في موضوع فتح القسطنطينية، وموضوع اكتشاف القطب الجنوبي، الذي يصف لحظة اكتشافه بدقة ولمعان ودراية، ولكأنك وأنت تقرأ المقال تحس بأنك تخطو مع فريق الاكتشاف هذا، وهو يقتحم القطب الجنوبي الذي لم يره بشر قبلهم، ومنذ آلاف السنين، وهم يتقدمون في عالم من البياض المرعب، ويسيرون لياليَ في عمى الثلج والصقيع، مع خيلهم وطعامهم وزحّافاتهم وكلابهم، ثمة من يموت في الطريق وينفق، حتى الأحصنة تعيى وتمرض وتنتهي في عواصف ثلجية، ومثل هذا نجده أيضاً في لحظة اكتشاف آخر محيط، كيف ستكون تلك اللحظة الأبدية، إنها أوقات من المتعة والدهشة، وكذلك ستتوجها حالات من الخوف والرعب والنهايات التي لا تؤدي إلى غير الموت المحتّم. ليس هناك شيء سهل في الحياة، كل شيء مكتشف يبدو لنا الآن عادياً وطبيعياً، بينما يكون الإنسان المكتشف هو من ضحّى وأعطى ووهب الكثير من وقته، وحياته في سبيل الوصول إلى اكتشاف الدهشة الأولى، اكتشاف مدن جديدة، وبحار جديدة، وعوالم أخرى زاخرة بحياة مختلفة لا تشبه الحياة العادية، من جهة التقاليد، والأزياء والأحوال والأشكال والهيئات والبنيات البدنية لإنسان بعيد، مختلف عنك في طعامه وملبسه وهيئته، لكنه بشر مثلك، يسعى في مكان آخر.
ترجمة محمد جديد ـ المدى
كاتب عراقي