يستدعي الروائي المصري نعيم صبري في روايته الجديدة “صافيني مرة” أوقات الزمن الجميل، نابشاً التفاصيل الدقيقة للزمن المتواري، القريب والذي لم يزل يحيا بين حنايانا، إنه الزمن الرومانسي، المُبهج، المُترع بالأشواق والحميميات، وبهاء اللحظات الباهرة، في ثنايا تلك الأيام، أيام الغناء الموحي والمترع بالنغم والبراءات الموسيقية اللافتة، أيام السيدة كوكب الشرق أم كلثوم، ومحمد عبد الوهاب، وأسمهان، وفريد الأطرش وعبد الحليم حافظ، والأخير مثال الرومانسية، والشغف المتمثل بالحب، والعاطفة المنثالة كشلال يموج بالتردّدات النغمية والموسيقية، وعبد الحليم كان خير مجسِّد لتلك السوانح الزمنية، وهي تهدر لتقدم الاجتراح الجمالي والفني لنا.

يمكننا أن نعزو عمل الروائي نعيم صبري إلى سحر تلك الأيام التي تزامنت مع بزوغ فتوّته ومراهقته، وفترة شبابه، وتدفقها بالحيوية المنسابة كظل على أفياء تلك الأزمنة الفضية .
جل أعمال الروائي نعيم صبري يتكئ على خطوط ومنحنيات وتفرّعات السيرة الذاتية. حتى الآن لم أقرأ له رواية تقع في نطاق المتخيَّل البحت، أو تقع خارج البعد السيرَوي، بل هي في الغالب تشظيات حياته الجميلة والبسيطة والخالية من الادعاء والفبركة، يلملمها بعناية ودقة وتحسُّب، ليدرجها بعدئذ في رواية، تنشغل بالأفق الشخصي للفرد، بهمومه وتفاصيله اليومية، مكابداته وتهدجاته ولوعته، وهو يخوض غمار الحياة العجيبة، تلك التي تجمع أصنافاً من حيوات، ومعيوشات، وتمظهرات وتجليات الكائنات التي لا تحصى، إنها مستمدة دون شك، من كينونات، وتدابير حياة الآخر الشريك، إنْ كان حبيباً، أو صديقاً، أو كائناً عابراً، مثله، فوق جسر الحياة القصير.
وبذا نجد الروائي نعيم صبري يبني بمهارة بناء حاذق، كل هذه التفاصيل الكثيرة مرتقياً بعمله إلى الذروة، ليحقق هندسة عمارته اللغوية والفنية، عبر تكنيك نقي، ومدروس في شأن التفاصيل اليومية للبطل، تتخلل السرد سطور شيقة وسلسة، لتظل محافظة حتى السطور الأخيرة، على سياق عناصر الإبهار، والألق الموحي، وهو يُقدّم سرده الحكائي الحافل بالمفاجآت، من خلال الاتساق المشهدي والتناغم الصوري للعمل .
إن اللغة التي يستخدمها في تقنياته الكتابية، صافية، خالية من الخلائط، إنها لغة سائلة، وتقع في بؤرة الشفافية، وقد مسنا ذلك جلياً في كل من أعماله الروائية السابقة، وأغلبها ينحصر في نطاق السيرة، مثل رواية “شبرا” وهي تتحدث عن المكان وجمالياته، وأزمنته الأليفة، وكذلك هو الأمر مع الرواية اللاحقة “المُهرّج” المبنية على الزمن المستمر، والمستوحى من زمن الثورة المصرية التي أزاحت أزمنة الحكم الماضي، لتبدأ مرحلة أخرى، وهي رواية تقدم الثورة بكل بتفاصيلها اليومية، على شكل ريبورتاج صحافي ـ روائي .
عمل نعيم صبري الجديد، وهو الأكثر متانة وبناءً وولوغاً في عوالم التفاصيل اليومية، يحكي قصة شاب يدرس الهندسة في مطلع الستينيات من القرن المنصرم، حيث يُقدِّم الراوي عبر ضمير المتكلم، صورة متكاملة عن الشخصية المركزية في الرواية، وهو نبيل البطل الخائب في دراسته، والمتورِّط في علاقات نسائية، وحبية مع زميلته في الدراسة، تلك التي تشاركه المقعد الدراسي ذاته، وتدرس الهندسة مثله، أنها فترة جميلة، ورومانسية، كما يرسمها الراوي المُتحدِّث بلسان المتكلم، الأمين للسيرة، وللخط المتصاعد والمتعرِّج منها، السارد همومه لصديقه، أو لجدّته، أو المختلي في أغلب الحالات، أثناء انكساره، ليحدث نفسه، مصغياً إلى تفاصيل أناه، وذواته المنشطرة بين السيئ والجيد، بين الحب والجفاء، بين الانغماس بالدراسة، والإشاحة عنها في حالات كثيرة، أو بين الالتفات إلى عالم السياسة، والانخراط في مشاغلها اليومية، وما أكثرها في أزمنة جمال عبد الناصر، إبّان صعود المد القومي والعروبي، والبطل، أو نبيل الراوي العليم، فهو مواطن يتمتع بحس المواطنة الحقيقية، المواطن الذي يعي الاحتلال ويعي ماذا يخبئ وراءه من مصائب ومصائد وكوارث قومية، ستبتلي بها الأمة، فسيرته بيضاء، وليس بمستطاعه، وهو الشاب المصري الفتي، أن يحيد عن هذه السيرة، ويلطخها بلون غير محبّب إليه، فهو واضح في تعامله اليومي، السياسي والثقافي والعلمي، وهو مثله مثل غيره من الزملاء والأصدقاء، كائن طموح، وله مواهبه الفنية وتطلعاته الجمالية، ورؤاه الإبداعية، إنه يهوى التمثيل، ويحلم بالبطولة المسرحية، والسينمائية، وهو مستغرق أحياناً، في تأليف المسرحيات، وكتابة القصص، علاوة على دراسة الهندسة التي ابتلي بها، وعليه الامتثال اليها، رغبة بالحصول على شهادة تؤهله دخول الحياة والعيش بواسطتها، فضلاً عن تلبية رغبة كامنة في نفوس أهله، ولا سيما والده الذي يعيل عائلة براتب موظف متوسط الحال، تتكون من أخ وأخت وأم وجد وجدة، عائلة ملتمة على نفسها، تسير وفق إرادة ومشيئة الحياة، وتقلباتها السوداء والبيضاء إزاء الإنسان حيثما كان.
ينخرط البطل في سرد تفاصيل نشأته في منطقة “شبرا” حيث المدرسة الابتدائية، ثم المتوسطة والإعدادية. يروي تفاصيل كثيرة عن حياته هناك وعن تحوّلات العائلة، وهي تتدرج في الزمن، وتوغل فيه، فالجدّة التي كان يأنس إليها نبيل ويشرب معها القهوة، أو يدخن سيجارة بصحبتها، يرى فيها صورة العذراء، فهي المرأة البسيطة، والمُحبَّة للغير وله، والتي ترى في وجهه صورة القمر، تنتهي مثل أي إنسان يتقدّم في العمر، ليلحقها أخوه الذي لم يكمل الدراسة، بعد أن انكفأ حينها على تأدية الخدمة العسكرية، حتى إذا ما جُرح في حرب اليمن التي جرّت الويلات على الشعب المصري، يحال إلى العناية الصحية، لتتدهور صحته بالتدريج، وينتهي نهاية تهز أركان البيت.
بعد هذه النهاية المفجعة، يأتي دور الأب الذي سيغيب ذات يوم، وتكتب نهايته الطبيعية، بعد سلسلة من الأمراض، حدثٌ خلخل كيان نبيل الذي انتقل من بيت الأهل، إلى مكان آخر، ليعيل نفسه بنفسه، متخلياً عن مساعدة الوالد، التي رآها تقلل من قيمة شخصيته، ولهذا اعتبر ذلك هو الجواب الشافي لشخص لا يتقدّم في عِلمِه، بل كان يرسب في الدراسة الهندسية، العام تلو الآخر، لكن عزاءه الوحيد كان يكمن في حبّه للمسرح والتمثيل والتأليف، هذا دون أن يتخلى نبيل وهو دائر في هذه الدوامة، عن حياته المستهترة مع أم صديقته، وانغماسه في الجنس معها، دون أي وازع من ضمير، كان يرى في هذه السيدة، ذات الجمال الرفيع، على أنها أم لصديقته وزميلته في الكلية هالة، وهي بمقام والدته، غير أن نبيل المندفع، يمضي في لهوه الشبقي، وفي مشروعه الإيروتيكي بعد رؤيته لأم صديقته، تلك المرأة الجذابة التي لم تصل الأربعين، بهيئتها الأخاذة وقامتها الممشوقة وسحر عطرها، وجاذبيتها الواضحة للعيان، فيقع في وتيرتها الأنثوية، هي المتزوجة، المفصولة عن زوجها الذي يعمل في ليبيا، إنها ملكة الغواية، طانط شويكار أو شوشو كما يسميها الراوي، بينما كانت هالة غائبة عن ذلك، في زيارة إلى ليبيا عند والدها. الابنة تحب والدها أكثر من أمها، وتقول عن الوالدة إنها هي السبب الرئيس في الانفصال والفرقة لعائلتها الصغيرة، فشوشو الظمأى إلى الضم، تدعو نبيل صديق هالة التي يدْرس معها، مراجعاً دروس الهندسة في بيتها، وبحضور أو غياب هالة، ستدعوه حال تكون ابنتها في ليبيا، إلى منزلها الصيفي قرب الاسكندرية، هناك ستتم الوقيعة بينهما “داعبت جسدها فانتفضت بالرغبة، كانت ترتدي قميص نوم … تحسست جسدها فازدادت انتفاضات الرغبة فيها .. استلقينا على فراشها وفي لحظات كنا عاريين من كل ملابسنا ومشتبكين في امتزاج كامل مفعم بالرغبة المتبادلة والارتواء العارم بين صرخاتها المكتومة وضحكاتها الهستيرية، لم نشعر بالوقت ونحن نتماوج ما بين الرغبات المتتالية والإشباعات العبقرية.. دخلنا في عالم سحري ممتد حتى تقطعت أنفاسنا وهدنا الإنهاك” .
يمزج نعيم صبري في روايته هذه، وكما حدث في روايته السابقة “المهرج” الخاص بالعام، الذاتي بالموضوعي، والمأساة بالملهاة، ساعياً في الوقت ذاته إلى توريط عمله بنزعة ديونيسية ـ أبولونية، وهذه الثنائية وكما في ثنائياته التي أشرنا اليها أعلاه، يحاول أن يستغرق في بعد سبينوزي إنْ صحّت العبارة (نسبة إلى الفيلسوف الألماني سبينوزا) في انجراف لا طائل من ورائه سوى الحلول في الأمثولة الديونيسية، مالكاً التهتك الفاضح، والتلطخ بماء الإيروس، ثم الابتعاد قدر الإمكان، عن ذاته الحقيقية التي انجرفت بتيار لا نهائي من الشبق المحموم، مع الأم وابنتها، لكن الأمور لن تستمرّ طويلاً على هذا المنوال، فالشبق الثنائي أيضاً مسيره قصير، والفضيحة لا بد أن تتجلى، وتكشف عن سياقها المتهافت وتظهر بطريقة ما، واضحة كوضوح أبولو الورع .
بيد أن الرواية المنخرطة في عالم من أجواء رومانتيكية، والتي تميل لتتآخى مع الأجواء الحميمة الحمراء والمتخطية للمنطق التقليدي، لا بل تتحداه بأن يكون ديونيس لعوباً، وماكراً في حمّاه اليومية، تشذ في الجهة الثانية، لتمزج وكما قلت أعلاه الخاص بالعام، فهي أيضاً لا تنأى عن واقع البطل الذي يستعيد بطولات بلده وانكساراته، مستذكراً أيام صباه ومراهقته وشبابه الثوري، وما تركته تلك الحوادث من شروخ سايكولوجية على مسار حياته عامة.
نعيم صبري: “صافيني مرة”
دار الشروق، القاهرة 2018
232 صفحة.