عباس بيضون في عمله النثري “شهران لرُلى”: ذكريات مستعادة في أفق السيرة الذاتية

هاشم شفيق
حجم الخط
0

تشكل الذكريات مادة أولية للكاتب، الذكريات وتوابعها من يوميات تسجيلية، قامت الذاكرة في يوم ما بتسجيلها وتخزينها في بواطن اللاوعي، كعلامات لحوادث قد حصلت ووقائع قد مرّت، وشواهد تفصيلية قد حدثت لشخص ما، في يوم ما، في زمان ووقت معيّنين، والذاكرة تكون الحافظ لتلك المجريات، تكمن في العقل البشري، وتغور وربما تتراكم حوادث أخرى فوقها لتشكل طبقات من الزمن المنسي، الزمن الموجود في داخلنا، ذلك الذي يبلور تاريخنا الراقد في الماضي، الكامن في البعيد من وعينا، وبمرور الأزمنة وتقادمها وتكاثر الاحداثيات تكون قد تبلورت لترقد في عمق اللاوعي، وما علينا لو أردنا استعادتها سوى جسّها، لتتململ وتتحرك، حتى تكون شبه ماثلة أمامك، هنا الروائي والكاتب والمؤلف سيجمع هذه الخيوط الزمنية المتباعدة والموغلة في النأي، ليعيد ربطها من جديد، ليعيد نسجها وحبك أهم ما يحتويه داخلها، من تفاصيل زمنية وقعت في الماضي، وشكلت جزءاً مهماً من حياتنا الشخصية وتاريخنا المنطوي على واقع كان حياً وفاعلا فينا، ثم صار فيما بعد ماضياً، يسكن في الأمس، يسكن في جزء كبير من ذاكرتنا الإنسانية .

الشاعر والكاتب عباس بيضون، يقدم لنا في عمله النثري الجديد، هذه الذكريات المستعادة كمادة واقعية كأنها تحدث الآن، لتتشارك في لحظاتها مع راهننا، مع زمننا الحالي المستمر، لتعيش معنا، لنتبادل وإياها لحظات العيش المشترك، وجماليات ماضيها الغابر، هذا الماضي الذي يطل علينا عبر ذكريات قد دُوِّنت بفعل الذاكرة، وها هو عباس بيضون يستجير بالماضي، ينتخيه، كي يجود عليه بما خزّنه العقل الباطن من يوميات دُفنتْ في زاوية من مشاعره وأحاسيسه، ليستردَّها هنا جمالياً، وعبر مخيِّلة شاعرية، لا تخونه بالتأكيد، فالشعر ينهض هنا في هذه اليوميات كعامل مساعد، يشحن النص المكتوب المسمّى “شهران لرُلى” ليكون نوعاً من الذكريات المشعورة، إنها تفاصيل مشعرنة لزمن عبر، وهنا يتم استرجاعه كذكرى قوية، ذكرى بارعة لا يمكن أن تختفي أو تمحى مثل “الإصبع الزائدة” مثل “أغنية لنفسي” ومثل “الصاحب” أو “البدانة الرائعة”  .

يرصد عباس بيضون في نصه الجديد، أو في عمله الأحدث “شهران لرُلى” شذرات وتمتمات من سيرته الذاتية. فالعمل يقوم ويعتمد على مقوّمات السيرة الذاتية، لشخصه ولشخوص عبروا حياته، وتركوا في أفقه الشاعري، مزاياهم وخصالهم وشظايا من سيرتهم وذكرياتهم ويومياتهم العابرة، تلك التي تبقى منها الكثير في ذاكرة عباس بيضون، الذي سعى إلى تسجيلها كشواهد، لعالم مضى وانطوى، وها هو يعيدها لنا كما رآها، وأحسّها حينها، أي في لحظة وقوع الواقعة .

تنتسب مجمل أعماله النثرية، غير الشعرية، تلك التي صدرت في السنوات الأخيرة، إلى أفق السيرة الذاتية، وجزء كبير منها يقع في خانة الذكريات الشخصية التي تجمعه مع الآخرين، كـ “خريف البراءة ” و”الشافيات” و”ساعة التخلي” و”مرايا فرانكنشتاين”، وأيضاً “شهران لرُلى” نصه الجديد، لا يشذ عن هذه القاعدة. ويبقى جل هذه الأعمال يدور في هذا الفلك اليومياتي، ألا وهو يوميات شخوص مروا في حياته، أو عاشوا الحياة، وخلفوا له هذه الذكرى التي تسعى لأن تكون بمجموعها حزمة من شظايا السيرة الذاتية، حزمة من اليوميات الراسخة في الذاكرة، ومن هنا ينكص أفق التخييل، ويبتعد المُتخيَّل الروائي، لنكون مثله مشاركين بمسلمات السرد، ممتثلين لنتف من الحكايا، وقانعين بما تقدّمه الذاكرة المكينة، من خيال يستغني عن التقنيات الروائية وبنائها الملتوي، ذي الحبكة الدائرية والشخوص النادرين، وبنائهم المُكْلف داخل الرواية الحديثة، ليقدم لنا في المآل شخوصه هو، شخوصه المؤثرة والعاملة في نطاق الموحيات والإلهام الذي تبدع فيه، فتنشط الذاكرة الشاعرية، حيث الذكريات تينع من جديد، وتستوحى من فيوضات السيرة الذاتية وما تتكرّم به من مقامات وأحوال واستذكارات .

يبدأ عباس بيضون فصله الأول، به هو، وهو اليوم الذي صدمته فيه سيارة عابرة حين كان يقطع الشارع في بيروت، فرقد وقتذاك في المستشفى، يتعالج من الكسور التي خلفها حادث الاصطدام ذاك ليقول لنا: “كنت إثر الحادث قريباً جداً من الموت، ولما خرجتُ منه لم أجد نفسي أبعد بكثير، ففي سني السادسة والستين، لسنا بعيدين جداً عن موتنا”.

وبذا نجد أنفسنا أمام ذكرى قريبة جداً، فالحادث الذي تعرض له المؤلف حدث بالفعل، وكان ذلك قبل تسع سنوات تقريباً، وها هو المؤلف يستعيده حرفياً، مستنداً إلى ما تولده تداعيات الذاكرة من ربط حادثه بحادثة زميلة له في العمل، هي رلى التي تصاب بمرض خبيث، ولم يتبق أمامها للعيش في الحياة سوى شهرين، ليتساءل حينها طارحاً هذه الآراء الحائرة “ماذا ستفعل ر. أ في شهريها الأخيرين، هل ستكون حالها، حال الرجل الذي بعد أن قرر الانتحار أمضى أسبوعه الأخير وهو يبذر ماله على ما تشتهيه نفسه، هل تستطيع أن تتمهما، هل تقدر على احتمالهما، وهل سيكون كل صباح جنازاً جديداً وحداداً على نفسها، هل تمضيهما في الصلاة لكل شجرة، وكل مطلع فجر وكل رأس جبل، الصلاة لكل ما يخيفها ويعكرها”.

في هذا الفصل يحضر الموت، وطعمه وشكله وروائحه، الموت الذي يكون نتيجة مرض، أو حادث مفاجئ كالذي حصل للمؤلف، أو حضور الموت وهو يرفرف فوق ما تبقى من حياة رلى، زميلته في العمل الصحافي في مبنى صحيفة “السفير” الذي يذكره بالتفصيل، أيام اعلان الجريدة عن توقفها، وذهابه لأخذ أغراضه وأوراقه الشخصية، قبل إغلاق المبنى نهائياً، أو الموت الذي يحضر في هيئة مرض عضال، كما حدث لصديقه الشاعر بسام حجار، الذي يرد ذكره في هذا الفصل، والذي يتحول الكحول في فمه إلى ماء، والطعام إلى رمل، وأنه عاش شَهْري رلى على ما يبدو من حديث المؤلف الذي يستحضر الحكايات التي ترد إليه، أو التي عاشها كتجربة ماثلة كتجربته الشخصية في حادث الاصطدام .

يرد في سياقات النصوص التي يكتبها بيضون هنا وهناك، بعض الخبايا الجنسية التي مرت في حياته، حين كان شاباً، مستذكراً صوراً ولقطات ومواقف ذات إيحاءات وموحيات وذبذبات عاطفية، عبرت فضاء حياته الفتية، مع بنات الجيران أو مع قريباته اللواتي كن يزرن بيتهم الجديد، أيام حياة الوالدين، وسرد ما كان يدور في تلك الأيام من حكايا وتمثلات لتلك الأزمنة، وفتيات ذلك الوقت، مثل زهور وفاطمة وزينب وجميلة، وأخريات ممن صادفهن خلال مشوار حياته الطويل .

لعل فصل “أغنية نفسي” وهو عنوان مستعار من الشاعر الأمريكي والت ويتمان، سيتجسد في فصل إيروتيكي آخر هو “البدانة الرائعة”، ليستعيد به مرة أخرى، تفاصيل بعض الحكايا العشقية، وتهجّداتها المصحوبة بالشغف والتوله بالآخر، ذلك الذي يحضر ثم يغيب، لأسباب شخصية كثيرة، منها العادات والتقاليد الاجتماعية، وغيرها من الحالات النفسية التي تصاحب الكائن العاشق والمتردد في مثل هذه الحالات والمواقف الوجدانية “في هذه الفترة، قلما تخطر لي عواطف قوية، تفكيري بالموت يجعلها تنتكس وتتحول إلى انقباض، رغم ذلك أفكر في آمال، تلفنت لها فقالت إنها ستأتي إلى بيروت في الأسبوعين القادمين وستراني، لم أصدق فهذا دأبها منذ وقت طويل، تعدني وتراوغ في آخر لحظة” .

يلتفت عباس بيضون وهو الشاعر واليساري المبكر، إلى أيام عمله وانخراطه في الحزب الشيوعي، فيستدرج إليه أيام نهاية الستينيات، بدءاً من نكسة عام 1967 وأيام الخامس من حزيران فما فوق، ناهلاً قدر الإمكان من تجربته السياسية، فهو حسب حكايته قد بدأ باكراً يبرع في الكلام والقول وتفنيد عالمه السياسي والاقتصادي، تلك العوالم الماركسية اللينينية، وصعود نجم الشيوعية في العالم كله حينذاك، ثم انهيارها بالتدريج. يحكي عباس عن تلك الأيام الحمراء، أيام توزيع المنشورات، ثم التوقيف والاعتقال، والتعذيب والضرب وتلقي الإهانات والمذلة والتركيع من قبل الأجهزة البوليسية، ثم الخروج من السجون إلى العمل السري مرة أخرى، مع الشلة والأصدقاء الحزبيين الذين يديرهم الصاحب، أو المسؤول الكبير، أو الأمين العام للحزب، إذ “في المؤتمر الأول، قُدم تقرير سياسي وآخر تنظيمي، كتب التقرير السياسي بالطبع رفيق كان أثناء كتابته هو التنظيم وهو الحزب، ولم يكن بأي حال فرداً من أفراد، أو عضواً من أعضاء. التقرير السياسي اعتمد على تجارب التنظيم التي كانت حتى حينه قليلة: إضراب في معمل العاصمة، حراك في معمل بالأقاليم، وأمور أخرى أقل أهمية”.

ولعل هذه القضايا الموغلة في الماضي والتي أصبحت جزءاً من السيرة الذاتية، كالعمل السياسي، وذكريات الصبا والفتوة والشباب، وأحلام الذكورة ومنعطفاتها العاطفية، هذه كلها شكلت عوالم نص “شهران لرُلى” المائل إلى التوفير من جهة السرد، والمقتصد في نواحي التأليف والروي، والملموم على نفسه كقصص قصيرة، والمكشوف من جهة التدليل على الأسماء من أصدقائه، وتحركه في الأماكن المعروفة من العاصمة بيروت، كمقاهي “الكوستا” و”الروضة” و”النجمة” ومبنى صحيفة “السفير” وشارع الحمرا، والتوليف الثنائي بين شخصين، ذكر وأنثى، وتوظيف السفر إلى ألمانيا ضمن النسيج الكتابي، إنها كتابة تترسم الفعل الروائي، محاولة التقرّب منه بكل محتواها المبذول في ثنايا النص .

عباس بيضون: “شهران لرُلى”

دار الساقي، بيروت 2018

207 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية