مجموعة الشاعر المصري فريد أبو سعدة “عفواً هذا الرقم غير موجود في الخدمة”: شعر طفولي حالم ودعابة بيضاء مرّة

هاشم شفيق
حجم الخط
1

انغمس الشاعر المصري فريد أبو سعدة بالشعر وكتابته منذ وقت بعيد، منخرطاً في آفاقه وتحولاته وتبدلاته الفنية والتعبيرية واللغوية، مذ كان شاباً وفتى عشرينياً في مطلع السبعينيات، أيام كان يشكل الشعراء مجموعات وتكتلات جمالية، تتحيز لفن معيَّن، وطريقة ما، وأسلوب بعينه، أيام تشكّل مجموعتي “إضاءة” و”أصوات” الشعريتين المصريتين، حيث كان التنافس التعبيري بصيغته الشعرية على أشده، بين المجموعتين اللتين تركتا أثرهما، على الساحة المصرية من خلال بياناتهما وتصريحاتهما وإصدار منشوراتهما التي كانوا هم يتكفّلون بتنسيقها، ونشرها، وتوزيعها، حتى تخطت الحدود، لتصل بعض النسخ إلى هذا البلد العربي أو ذاك .

كان الشاعر فريد أبو سعدة يتحرك ضمن هاتين المجموعتين، ولكن بحذر ودراية وحسبان، كان صديقاً حميماً لجميع الشعراء، وبالأخص الشاعر الراحل حلمي سالم. وكان صديقاً للمسرحيين، كونه الشاعر المسرحي الحاني على فنه، النزّاع للشعر والدراما، والديالوغ، وكذلك المونولوغ الداخلي، فالمسرح أيضاً له عالمه ومساره وجهده الفني الخاص به، ذلك أنه يجعله أكثر حرية، وطلاقة، وتبصراً في فَهم الفن عموماً، ومن ضمنه الشعر، والصداقات الشعرية، والفنية، فضلاً عن رصد الهُويات المجازية للشعر، تلك التي برزت أثناء فترة الثمانينيات، وتمثلتْ في انخراط الشعراء في تيارات نخبوية، تعنى بجماليات الفن وتمظهراته الرؤيوية والبنيوية وحتى الشكلية .

اللافت في شعر فريد أبو سعدة هو العفوية في كتابة القصيدة، أو الترسّل الطبيعي، الصوري المنحاز إلى القول الأبيض، المُطعّم بالفطرة الأوليّة للفن الشعري، فالشعر رغم التطوّر الذي طرأ عليه، منذ بدايات الحداثة الأولى وحتى الآن، يحتاج إلى ذلك التداعي الفطري، ذي الشغف البدئي، غير الملوّث بما تنتجه الحداثة وما بعد الحداثة من تشاكيل هندسية، وتوصيفات سفسطائية، تغترف من اللغو والثرثرة والمجانيّة .

لعل عالم الطفولة ومسرحها الكبير، والواسع، المتكئ على تهدُّجات المخيّلة، وإرهاصاتها وبوحها، هو ما يميّز شعر أبو سعدة، فشعره طفولي حالم، ومُتخيَّل، ومتطامن مع عالم الأطفال، والعشاق، والهائمين في براري الوجد والتوله والعشق، أكثر من انتمائه إلى عالم الكبار، والطاعنين في التفاصيل الدارجة، والمألوفة للسياق اليومي، سياق السياسة والمجتمع ووساوسه الكثيرة .

وحيث أن شعره يحفل بالحنوّ والشفافية والتقاسيم الحبيّة، فهاهو ذا يقول للشعر :

“أيها الشعرُ المراوغُ

ها أنا أندفع معكَ

مثل قشة في التيار

بلا شهادة ضمان،

وبلا تأمين

ضد مخاطر الجنون والهذيان”.

يميل الديوان الجديد للشاعر فريد أبو سعدة “عفواً … هذا الرقم غير موجود في الخدمة” إلى توظيف الحكاية والتغريدات الخيالية، والمشاهدات الحياتية لفنه الشعري، ساعياً إلى تأكيد النبرة التفصيلية لسيرته اليومية، ولحياته التي تتقلب بين التوجّسات والتشوّفات، والتبصّر الباطني لمسار ما يعتريه من تبدّلات نفسية، ففريد ابو سعدة الذي قطع شوطاً طويلاً مع الشعر، وكتب للمسرح، وعمل في دار كبرى ناشرة للكتب الأدبية والفكرية، ينأى الآن صوب مناطق التأمل والهدأة، وتدريب المهجة، والخيال، والحدوس على التحليق والطيران في آفاق غير معلومة، آفاق مفتوحة على ما لا يرى، هذا دون أن يترك أو يتناسى واقعه الأليم، والفوار بالحادثات، والخطوب، والتقلبات، والنكوص اليومي الذي يتركه الواقع، والمحيط على الإنسان العادي :

“بين زحمة المهرولين على الرصيف

التقيته فجأةً

وقف يبتسمُ لي

استغربتُ ألمْ تمتْ يا صديقي؟

قرأتُ نعيكَ من شهرين

وحضرتُ تأبينكَ،

ضحك: الم تسمعْ بالشهيد الحي،

وضع يده على كتفي

تعال هناك مقهى الشهداء” .

يوحي عنوان الديوان والذي يشكل العتبة والتمهيد إلى دخول عوالم الديوان، بالمرح الشعري، وحس المفاكهة المائلة إلى النسق السريالي. فانتازيا فريد أبو سعدة تعمل هنا بقوة المخيال، وبدافع الاستبطان الذي يحفر في مدوّنات أهل المدينة، كاشفاً الأستار، ومزيلاً العوائق، عمّا هو غير مرئي ومحجوب، في طريق ملتوية وحافلة بالمطبّات والمآزق، ومن هنا يتوّلد حسّ السخرية السوداء، فتنهض الدعابة المرة، لتحاكي الواقع تارة، وتارة تزيّنه لكي يستمر الكائن في تواصله مع الحياة، وتفاصيلها المؤسية، تفاصيل لا تنتهي بمسرات، بل بمسيرة طويلة من الآلام، هذه الآلام يحوّلها أبو سعدة إلى مرويات فانتازية، تحتمل المزاح الأسود، والتأويل، والمكاشفة الشعرية، المحمولة على التوريات والبدائل :

“ضبط الكاميرا على البث المباشر

وراح يتخيّر الأماكن والبوزات

لانتحار يليق بشاعر عجوز ووحيد،

إذ رغم هيامه بحبيبته، لم تلق له بالاً

كم من مرة قال لها: إنه بالونة بيدها خيطها الطويل،

وإن يدها هذه، هي ما تمنعها من الضياع في الفراغ

ها هو ذا يقف بجانب المرآة، حيث كتب بإصبع الروج الذي فقدته،

ووجده صدفة: أنا قبلة تبحثُ عن شفتيك في المدينة”.

يمزج الشاعر في هذا الديوان خفيف الدم، بين الشعر والنثر، بين الحكاية والقصيدة، بين الروي والغناء المتباطئ، وبين السرد والإيقاع. ثمة في الديوان قصائد موزونة، وثمة قصائد نثر مستغرقة في برهانها النثري، غير أن فريد أبو سعدة يجسّد هنا حقاً مصطلح “الشثر” أي محاولة المزج بين الشعر والنثر، وهو مصطلح خاص، نحته كاتب هذه السطور، بعيداً عن توليفات قصيدة النثر ومزالقها الكثيرة، وتسميتها الخطأ، ونصوصها المستوفاة حقّها من المادة الشعرية الغربية، وغير المحتكمة إلى واقعها المرير، وهنا يمكن استثناء الماغوط في طريقة تعبيره الشعرية، فهو ابن الواقع المعبّأ بالمرارة، وابن الشارع العربي الحافل بالخسارات والانكسارات والمنغّصات المتوالية، على الصعيد الثقافي، والاجتماعي، والسياسي، والأخلاقي .

ومن قصائده الموزونة نختار :

“انظري في دمي

هل تغيَّرْ

وهل صار أخضرْ

وهل يتحوّلُ شيئاً فشيئاً

إلى فرسٍ تحملُ الأنبياءْ

وتفردُ أجنحةً من عقيقٍ

يضيءُ السماءْ

وتصهلُ حتى يرقَّ

وينشقَّ عن مدن الفقراءْ”.

ينفرد الديوان كله بعدم وضع عناوين للقصائد، بل كل قصيدة منه تقريباً تشكل صفحة، أو تمتد إلى أكثر من صفحة، معتمداً في ذلك على إشراك القارئ  في التحول الفني والتعبيري الذي يحدث بين قصيدة وأخرى، أي على القارئ أن يعتمد على تمييزه للمبنى ومعناه، وللصور والرموز، والعناصر البنائية، وللمفردات التي تحفل بها كل قصيدة، وصولاً إلى اختلاف نبرتها عن الأخرى، المجانبة لها أو التي تليها في الصفحة التالية، والصفة الاخرى التي تحلّى بها الديوان، هو استخدامه لتجليات الحياة بكل تفاصيلها، ومشتقاتها، ودروبها، وحيلها اليومي. كذلك سعى الشاعر إلى تأكيد فاعلية الموت كحق إنساني، يمر به الجميع، وعليه بات الشاعر يردّد صيغه الكثيرة في هذا الديوان، ولكن وهنا الأهمية الفنية تتجلى، عندما يعطي للموت صيغاً وأنساقاً، ومفاهيمَ، ورؤى طوباوية، ساخرة، تحمل المزحة والمُلحة والدعابة الكابية، تلك التي تتزيّا بحس كوميدي، ميّاس بين المأساة والملهاة، وهذه هي الميّزة الأخرى التي يتميّز بها الديوان الجديد للشاعر المصري أبو سعدة المعروف حتى في حياته اليومية، بحس الدعابة والسخرية من الموت، والحياة معاً، وبطريقة مماثلة ومتكافئة، فيها الكثير من التفاني الشعري .

فريد أبو سعدة: “عفواً ..هذا الرقم غير موجود في الخدمة”

دار النابغة للنشر والتوزيع، القاهرة 2019

 136 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية