رام الله- “القدس العربي”: في رواية الكاتب الفلسطيني وليد الهودلي «مدافن الأحياء» المشهد التالي: «وبعد أن اجتاحتني الصورة المخيفة في مشعوذة السجن، “العيادة” التي أمضيت فيها أربعة عشر يوماً وأنا أتقلّب بين مشاهدها المرعبة، كنت حبيس غرفة مظلمة، رطبة، مكتظة بالروائح العفنة، تشمُّ منها رائحة الموت، تُطبق على أنفاسي من كلّ جوانبها. الهواء راكد، ساكنٌ لا حياة فيه. الباب مغلق والشبّاك مفقود. فتحة صغيرة في الباب، تفتح وتغلق كلّما أرادوا أن يتفقّدوا أرواح هذه الأجساد؛ إن كانت لا تزال متعلّقة أم صعدت إلى بارئها في السماء. كانت قبراً يوضَع فيه الأحياء، حالة من الضّياع، رماديّة اللون، وتستطيع أن تقول لا لون لها. ماذا سيجري لك في هذه الغرفة السحيقة، فالداخل فيها مفقود والخارج منها مولود، هذا إن قُدِّر له الخروج».
يعتبر ذلك المشهد وصفاً مكثفاً لواقع عيادة سجن الرملة الإسرائيلي، حيث ينقل للقارئ رؤية ومعاينة مريض، بطريقة عميقة تكشف عن جانب كبير من الوجع الألم الذي يوضع فيه الأسرى المرضى.
ويكمل الروائي، الذي تخصص في الحديث عن الأسرى وتجربة السجون: «حظْر تجوّلٍ طويلٍ فرضته “المشعوذة” على حركاتي وسكناتي، وذاك النطّاس البارع استأصلني من السجن، كما يستأصل الزائدة الدودية، ثم ألقى بي في أدغال طِبّه الأسود. كنت في حالة صعبة، داهمني ضيق النفس فأفرغَ صدري من الهواء وجعلني كمن يغرق تحت الماء. كان الطبيب لي بالمرصاد، أحاطني بعنايته الفائقة فوضعني تحت الإشراف المباشر، بعيداً عن الشمس وبعيداً عن أعين الحسّاد. تمنّيت العودة إلى غرفتي في السجن. وجدت أنه أرحم من هذه الحجرة اللّعينة القابعة في طرف هذه “المشعوذة”. وقّعت على أوراق الخروج من “مدفن” العيادة على مسؤوليّتي الخاصة فموتي عند أخوة النضال ورفاق الأسر أفضل ألف مرّةٍ من كلّ لحظة موتٍ أعيشها حبيساً في ما يسمّى بالعيادة عند هؤلاء المشعوذين المهرة».
سيعود فلسطينيون كثر إلى هذه الرواية، وغيرها من الأعمال الأدبية التي تحدثت عن تجربة الأسرى في عيادات السجون الإسرائيلي، وهي عودة مرتبطة بما أثارته تجربة الأسير ناصر أبو حميد، منذ لحظات مرضه وحتى نبأ استشهاده، حيث فجرت تلك التجربة المؤلمة كمية هائلة من الغضب، لكونها ترتبط بمئات الأسرى الذين ما زالوا يعانون من واقع السجون الطبي.
وتعتبر عيادة سجن الرملة إحدى مكونات منظومة العلاج التي يتيحها الاحتلال الإسرائيلي ودائرة مصلحة السجون للأسرى السجناء، حيث يصفها السجناء بـ”المسلخ”، وهي صفة تكاد تكون تعبيراً صادقاً ودقيقاً لما تقدمه للفلسطينيين الأسرى، فالمسلخ نقيض العيادة الصحية، وتعكس أنها تعتبر أسوأ من السجن ذاته لكونها تفتقد لكل المقومات الصحية في ظل أن من يجلب لها هم أسرى في أصعب ظروفهم الصحية.
ويقع سجن الرملة في منتصف الطريق بين مدينتي الرملة واللد داخل الخط الأخضر، وهو مجمعٌ أمنيٌ مترامي الأطراف شُيد في عام 1934 من قبل سلطات الاحتلال البريطاني، ومحاط بسور مرتفع.
ويقبع الأسرى المرضى من الحالات الصعبة في عيادة هذا السجن، حيث يعانون من سياسة الإهمال الطبي، ولا يقدم لهم العلاج اللازم، ولا يتم تشخيص الحالات المرضية، ويُكْتَفى بتقديم المسكنات، مما يفاقم الأوضاع الصحية للأسرى.
وبحسب تقرير صادر عن مؤسسة الضمير، فإنه يقبع في “عيادة سجن الرملة” ما بين 14 – 16 أسيراً بشكل دائم، يعانون من ظروف صحية ومعيشية قاسية، فهناك المصابون بالرصاص والمصابون بأمراض مزمنة وأورام خبيثة، وبعضهم مقعد والبعض الآخر يستخدم الكرسي المتحرك نتيجة لإصابته.
ويقيم مع الأسرى المرضى بشكل دائم أسير أو أسيران من الأصحاء، وذلك لمساعدة الأسرى المرضى على الحركة وتقديم العلاج الأولي والإسعافات الأولية، الأمر الذي يُظهر تنصّل مصلحة السجون من التزاماتها بتوفير الرعاية الصحية واحتياجات الأسرى المرضى. ولا يوجد طاقم طبي مهني متخصص، حيث يتم نقل الأسرى المرضى في حالات كثيرة للمستشفيات المدنية لإجراء الفحوصات أو معاينة الطبيب، وذلك بعد مماطلة كبيرة.
وبحسب “الضمير”، فإن “عيادة سجن الرملة” كما السجون الأخرى؛ تفتقر للحد الأدنى من مقومات المعيشة الإنسانية، حيث إن السجن هو سجن قديم وغير مهيأ لأسرى مرضى يستخدمون الكراسي المتحركة من حيث مكان الفورة والحمامات، كما لا يوجد مطبخ لطهي الطعام داخل الغرف. تفتقر عيادة سجن الرملة أيضاً للمعدات والأجهزة الحديثة، حيث إن المعدات والأجهزة المستخدمة بدائية ولا تصلح للاستخدام لحالات الأسرى القابعين في العيادة.
ويشير تقرير الضمير إلى أن العيادات الموجودة في سجون الاحتلال تفتقر لوجود طاقم طبي متخصص ومهني لمتابعة الحالات المرضية خاصة المستعصية منها، وهناك تباطؤ في تعيين مواعيد المراجعات الدورية الطبية والصحية، كما أن سجن الدامون المخصص للأسيرات يفتقر لوجود طبيبة نسائية تشرف على فحوصات دورية للنساء، على الرغم من جهود العديد من المؤسسات الحقوقية ومطالبتهن بضرورة وجود طبيبة نسائية بشكل دائم في عيادة السجن، إلا أن إدارة مصلحة السجون ما زالت ترفض حتى إدخال طبيبة نسائية من خارج السجن.
الروائي والأسير السابق وليد الهودلي، الذي أصدر عام 1999 رواية “مدفن الأحياء” ويروي فيها حكايات 28 أسيرًا مريضًا. وصف عيادة سجن الرملة قائلاً: “هو في الواقع كباقي السجون. حقل تجارب في الأسرى المرضى لصالح شركات الأدوية الإسرائيلية، وقد قالت ذلك ذات مرَّة داليا اتسك، عضو الكنيست الإسرائيلي”.
وأضاف الهودلي، في حديث مع الكاتب الفلسطيني يامن نوباني، أن الأسير الذي لا تستوعبه السجون الأخرى نظرًا لوضعه الصحي المتدهور، يوضع في سجن الرملة، موضحًا أن السجن فيه تفتيشٌ وقمعٌ وعزلٌ كبقية السجون، وما يميزه فقط الجولة التفقدية لممرض سجان يأتي بالمسكنات والأدوية للأسرى المرضى صباحًا ومساءً.
ويُبين الهودلي، أن خطأً يحدث دائمًا في تشخيص المرض يقود إلى تفاقم الوضع الصحي للأسرى، ثم يأتي الإهمال الطبي ليُجهز تدريجيًا على الأسير المريض، مشيرًا إلى أن صورة الأشعة -مثلاً- تحتاج إلى سنتين أو ثلاثة حتى إصدارها، بينما العمليات الجراحية المستعجلة تحتاج سنواتٍ لإجرائها.
ويسرد الهودلي جانباً من تجارب الأسرى المرضى بالقول إن الأسير علاء البازيان كان يُقيد في معتقل الرملة من قدميه ويديه رغم أنه ضرير، كما أن الأسير أنس شحادة أجريت له عملية استئصال الزائدة الدودية بدون تخدير “بنج”، إذ قيّدوه بكرسي ووضعوا خشبة في فمه وشقوا بطنه.
ويكمل: “معدات وماكينات غسيل الكلى قديمة جدًا تعود إلى ستينات وسبيعنات القرن الماضي، تقتل الأسير مئة مرة وهي تغسل كليتيه”.
يذكر أنّه، في شهر آب من عام 2021، تبين في تشخيص طبي إصابة أبو حميد بسرطان الرئة، جاء التشخيص بعد أعراض صحية خطيرة كانت قد بدأت تظهر عليه، وكعادتها، بحسب مؤسسة الضمير الفلسطينية، تعمدت سلطات الاحتلال المماطلة والتأخير في الفحوصات الطبية، إضافة إلى سياسة الإهمال الطبي المتعمدة والمتبعة من قبل إدارة السجون، وتنقله بين السجون والمستشفيات الإسرائيلية، أدى هذا كله تطور سريع في المرض لدى أبو حميد، وأخذت حالته الصحية تزداد سوءًا يومًا بعد يوم.
واستقر الحال بأبو حميد في عيادة سجن الرملة لمتابعة وضعه الصحي، ورغم أنها تعتبر للحالات المرضية الحرجة، حيث ينقل إليها الأسرى بعد تشخيصهم بأمراض صحية صعبة، إلا أنها تفتقر لأدنى المقومات الطبية والصحية، ولا ترقى لمستوى طبي مناسب لمتابعة الحالات الحرجة بين صفوف الأسرى في السجون، وهذا كله يندرج تحت سياسة الإهمال الطبي المتعمد من قبل دولة الاحتلال ضد الأسرى الفلسطينيين.
ورفضت سلطات الاحتلال، بحسب مؤسسة الضمير، كل المساعي والطلبات الإنسانية والقانونية التي تقدمت بها المؤسسات طالبة الإفراج عنه، حيث رفضت طلب منظمة الصليب الأحمر الدولي بالإفراج عنه، وعدة طلبات من قبل محاميه أيضًا.
وكان أبو حميد قد رفض تقديم طلب عفو لدولة الاحتلال، حيث عبّر عن رفضه الجذري لفكرة عفو الجلاد عن الضحية حينها، وهنا تجدر الإشارة إلى أن المؤسسات الحقوقية رصدت 600 حالة مرضية في صفوف الأسرى، منهم 24 أسيراً يعانون من أورام سرطانية مختلفة.
وباستشهاد أبو حميد فإن عدد شهداء الحركة الأسيرة ارتفع إلى (233) شهيداً، وذلك منذ عام 1967، منهم 74 استشهدوا نتيجة الإهمال الطبي، ليكون السؤال من هو الشهيد القادم طالما أن عيادة مثل عيادة سجن الرملة لا تقدم للأسرى سوى حبات الأكامول المسكنة، والمرضى ينامون فيها على أسرّة من حديد أو إسمنت.