للشعر المصري تقاليد جمالية، تعبيرية وشكلية وفنية، كما هو جارٍ في الشعر العراقي والسوري، في اجتراح الحقب والأجيال والجماعات الشعرية. ولعل هذا الحراك الجمالي هو ما أدى إلى توالد الكثير من الأسماء والأنساق والاتجاهات التي ظلت ترفد حركة الشعر العربي حيثما كان. من مشرق الشعر العربي حتى مغربه، أصوات جديدة تنبثق وتبتكر لها نهجاً وأسلوباً معيناً، يساعدها على تخطي السابق والمَقول والثابت في عالم الشعر عامةً، وبذا رأينا إلى تلك الأجيال كيف تنشأ، وتشقّ بقوة ما لديها من موهبة ورؤى وخيال العوالم السابقة للشعر، عوالم غارقة في التنميط والتقليد والتكرار، تخترقها الديناميات الجديدة للشبيبة الحديثة، ومن هنا كانت لدينا أجيال الخمسيني والستيني والسبعيني، وهناك من يشير إلى الثمانيني، وأنا هنا في حيّزي هذا اجترح الإشارة إلى جيل ألفين، الجيل الغريب عن كل الأجيال، ذلك أنه الجيل الذي لم يرث من السابقين سوى الرؤيا وهاجس المخيلة، وحس الاختراق، ثمّ المضيّ نحو تحقيق الجمال الذاتي للشعر، وتكريس طابع الهم الشخصي، والغوص في عالم النفس، واستبطان خفاياها، ثم النظر إلى الواقع بعين أخرى، عين ناقدة ومستبصرة، كما لمسنا ذلك في العديد من التجارب الشعرية المصرية الشابة، ونستطيع هنا الإشارة إلى تجربتين تقعان في هذا النسق المختلف، وهما تجربة الشاعر إبراهيم المصري في مجموعته الشعرية “ماكينة لصنع القصائد” والشاعر عيد عبد الحليم، في مجموعته الشعرية “حبر أبيض”.
يستثمر الشاعر عيد عبد الحليم عوالم الطفولة، والحب والشغف بالحياة وأبطالها الحقيقيين، والمهمّشين والمتوارين في الظل، تمرّ بهم الحياة وهم في أمكنتهم يطوّرون معناهم بدون أن يتحرّكوا، أو يروا أبعد من زاويتهم، كبائع الفل والخراط العامل في الحديد، والطالب الجامعي، والطفل في المدرسة، والحبيبة وفضائها الأنثوي المندّى بالمعاني الأثيرة، ثم يمضي مستنطقاً حياته في مطارح كثيرة، حيث العيش في الضواحي، كما بيّن ذلك في إحدى قصائده، كذلك تظهر الرموز الكثيرة عن طبيعة البحر والمنشغلين به، كالصيادين والعاملين في صناعة الشباك. إنه عالم ملوّن بالشعر، والصور، والاستعارات الذكية، المرهفة، كشعر عيد عبد الحليم الذي يتماهى مع الرقّة، والرهافة، والطبائع الحسية التي يحالفها النغم، ذلك المتأتي من جانب البعد الميلودي الذي تتمتع به قصيدته المكتوبة بحبر أبيض حقاً، لتخلصها من العوالق، والاستطالات والهذر الشعري السائد في بعض التجارب الشعرية الجديدة، لأن “الأغاني المعلقة في الهواء لم تصل إلى قلبي، كثير من الأمنيات أكتبها بحبر أبيض، حتى لا يقرأها غيري”.

يتحرك عيد عبد الحليم في فضاء ملوّن بحلم طفلي، مشفوع بالحب والحنين والمزايا الأليفة كقوله:
“طفل كحنين أبي
في سنوات الطفولة،
وخبز أمي الذي لا يجف،
طفلٌ لا يعرف العطش
لأنّ أنهار العالم ملك يديه،
لا يعرف الصمت،
لأنّ ترانيم الشعراء
وأحزان القديسين تحت شفتيه”.
ينأى عيد في شعره عن الإبهام والعسر والتعاضل الرؤيوي للمعاني، فهو في الغالب يشف المعنى لديه، وتندى الرموز عنده، ويهفو المجاز ليأنس إلى الظل والسياق الأنيس، وليغدو مصحوباً ببهاء الصورة، وجلاء المعنى، فالقصيدة بين يديّ عيد صافية، لا استطالات فيها، ولا رتوش وعوالق:
“سأقف أمام البحر،
وأشيرُ إليكِ وأنتِ هناك قرب الماء،
تغسلين خطايا الزمن الفائت،
تلوذين بتعويذة صياد عجوز،
كتبها فوق حطام سفينة”.
ينهض الحب وشواهده وعلاماته في مطارح عدة، ليكون غحدى الثيمات الفنية المؤسسة لمبنى المجموعة وقوامها، وليمسي الطابع الرمزي الذي يستبطن تضاعيف ودواخل المجموعة، آخذاً بجماعها وباصماً القصائد بصورته الوضيئة:
“في الصباح الذي لا يشبهنا
كلّ شيء جميل،
تحتاجين الآن
أنْ تملأي ثلاجتكِ
بالمربّى والجبن الأبيض
وسآتي بالخبز والقبلات”.

في المجموعة الشعرية “حبر أبيض” وهي تأتي بعد سبع مجموعات شعرية، حيث الأولى نشرتْ في عام ألفين، يحتفي الشاعر بالحياة، والحب والصداقة، ويجعل من فضاء قصائده سيرة له، يكتب فيها عن طفولته وشبابه وعيشه في الضواحي، ويكتب أيضاً عن المتوارين، أولئك الذين عركتهم الحياة بتفاصيلها وشؤونها اليومية.
إن الهاجس المتطامن مع الناس يكتنف جل أشعار هذه المجموعة، ولعل هذه الإناسة تأتي من الانسجام الفني بين موقف الشاعر الفكري، والفعل الشعري، فكلاهما ينزع نحو التجلي الفني والإنساني.
أما الشاعر إبراهيم المصري، فنراه ينحو نحواً مختلفاً، فهو يحتفي بالمخيلة، وبما تمنحه من استيحاءات ملونة، فمخيلته لديها “ماكنة صنع القصائد”، وهي مجموعته الجديدة السابعة، وهو صحافي وروائي أيضاً، عاش في العراق وخالط الشعراء العراقيين، وأصدر “الديوان العراقي” تأكيداً على وجوده هناك، وله كتاب “رصيف القتلى” مشاهدات صحافي عربي في العراق.
يتسم شعر إبراهيم المصري بالمفارقة والدعابة السوداء، وينضاف لهاتين الخاصتين البعد الفانتازي، والولع بألعاب المخيلة، وما تقدمه من طروحات دادائية، تصبو لتكون سريالية، محاولة وبجهدها المبذول من قبل مشغل الخيال إنتاج صور فيها شيء من الطابع الغرائبي، والطابع المُلفت في صيغ التعبير غير التقليدية، التي تقع خارج السياقات التنميطية، والأفكار الجاهزة، محاولاً من خلال ذلك رسم سياق مختلف لقصيدته، ينأى به عن شعراء قصيدة النثر الذين تزدحم بهم وسائل الإعلام، والتواصل الاجتماعي، وهو الشاعر الأقرب إلى هاجس الشعر العراقي الجديد منه إلى الشعر المصري والعربي، ولكنه بالرغم من ذلك، لا ينجو من الشاعر السوري محمد الماغوط، صاحب “حزن في ضوء القمر” الذي كرّسه شاعر المفارقة، والأسى والسخرية المعتمة، وشاعر الواقعية ـ السريالية المريرة.
ولكي يؤكد الشاعر على ذلك الحس العالي الذي تميزت به قصيدته، فإنه يعمل على توظيف النادرة وتحويلها إلى شعر، والعكس يصح أيضاً، أي توظيف الشعر ليكون أكثر مرحاً وليس ثقيل الدم كقوله:
“أنا إبراهيم المصري،
لا أريد من الشِّعر أن يصل الأرض بالسماء،
أريده فقط أنْ يقفَ إلى جواري في النافذة،
ويصفِّرُ معي بمرحٍ لامرأةٍ ودود تعبر الشارع،
وأن يذهب معي إلى البقال، وأن يكون ساخراً محترفاً …
أنا إبراهيم المصري
رأسي خبيئة أحلام
وحذائي مقاس 43″.
وفي مكان آخر يقول وهو يوضّح هدفه من الحياة والناس والكون، الذي هم فيه يأكلون، ويتناسلون ويعملون، ولكنهم في النهاية بحاجة إلى شاعر يوقظهم من سباتهم، ومما هم فيه:
“عملي أن أُفسدَ احتفالكم
خلقني الله هكذا،
إن لم تكن الكؤوس ممتلئة أحطّمها،
إن لم تكن النساء أنيقات،
أذمّ كحلهنَّ،
وإن لم يدخّن الرجال كثيراً،
ويتلصّصوا على صدور النساء
أعتبرهم شاحنات لنقل القمامة”.
تُفيد قصيدة المصري من تقنيات السرد الكثيرة، كون عالم قصيدة النثر، هو عالم مفتوح على السرود، وآليات عمل النثر المقنن بشاعرية، وبذا تصبح قصيدة المصري مترحلة بين فنون كثيرة، متساوقة مع النثر الشاعري في القصة، ومتناغمة مع الصيغ الموحية، والرمزية ذات البعد الدلالي، في المسرد الروائي، ولكأننا في القصيدة أحيانا نعثر على الحدث، والشخصية، والمكان، وقد نصادف مشهداً سينمائياً، يتبدّى مثل لقطة باهرة، من كاميرا دقيقة في التقاط الصورة، والمشهد كما سنلاحظ ههنا:
“الذئب الذي جاء به الشاعر إلى قصيدته
ليلعب دور الشرير، أصبح عبئاً،
بعد أنْ أدى دوره بمهارة
وأطلق كمّاً كافياً من العواء في القصيدة،
لكنه غادرها ولم يعد إلى الغابة
بل طلب من الشاعر غرفةً في البيت،
ولحوماً نيئةً وذئبة تؤنس وحدته”.
في مجموعة إبراهيم المصري الكثير من القصائد المرحة، والتي تنطوي في مظانها على اللوعة، والحزن الدفين في أعماق الشاعر، فهو يبدو مثل إسفنجة تمتصّ المشاهد والصور، والتداعيات الحياتية، والتفاصيل المشهدية والتعبيرية، ليخترع لها سطوراً ومواقف تناسبها، وكل ذلك يأتي عبر مخيلته النشطة في توليد وتوليف الصورة اليومية مما يلقاه في طريقه من لقى فنية، وعطايا بإمكانها أن تتحوّل إلى رؤى ومصائر شعرية، كقوله:
“أمسِ اشتريتُ ماكينة لصنع القصائد
تعمل باللمس وتشحن بالطاقة الشمسية
وتوفّر خط انتاجٍ على مدار الساعة
كأنْ أضبطها على خاصيّة النوم
وحين أصحو صباحاً
أجد الكثير من القصائد على فراشي”.
في المآل لقد كنا في نزهة تعبيرية مع شاعر عرف كيف يوقظ مخياله ويستعين بالرؤيا التي تساعد المخيال على انتاج صور واستعارات ومجازات في قصائد كثيرة، وطويلة في بعض الأحايين، تنتجها هذه الماكينة، القادرة على إنتاج قصائد خفيفة، تحمل نسقاً تهكّمياً، وبصيغة تستميل التفكه المُشعرَن، إلى أفق القصيدة.
عيد عبد الحليم: “حبر أبيض”
الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 2019
108 صفحة
إبراهيم المصري: “ماكينة صنع القصائد”
الهيئة العامة للكتاب، القاهرة 2018
200 صفحة