من منا لا يعرف عبادَ الشمس تلك النبتة الكبرى التي تدور مع الشمس وفي اتجاهها دورة غريبة. الأرض تدور حول الشمس هكذا قال العلماء دورة فلكية مقدارها يوم فلكي، لكن هذه النبتة التي تعلقت جذورها بتربة الأرض، لا تعبأ بأرضها وبدورانها حول الشمس، وتمضي وهي ثابتة في دوران محموم عشقا ترجمته التسمية إلى عبادة. يميل عنقها في كل يوم ولا يرتاح إلا إذا قطع وجمع حبه واستخرج منه الزيت أو اللب.
ما يعنينا في هذا المقال هو ما يعني اللساني من الأسماء: أن يبحث فيها لا فقط عن أصولها بل عن علاقة تلك الأصول بالثقافة التي سمتها وما تزال تستعملها. وما دمنا في ثقافة عربية إسلامية، فإن عبادَ الشمس اسم يثير في متلقيه المتريث شيئا من الفضول، له صلة بالعقيدة والعبادة، نحاول أن نبينه ونحن نشرح التسمية وأصولها اللغوية والثقافية.
ليست تسمية «عباد الشمس» التسمية الوحيدة التي يلقب بها هذا النبت، فمن أسمائه دوار الشمس وزهرة الشمس وميال الشمس؛ والاسم العلمي لهذا النبت هو Helianthus annuus وهي تسمية لاتينية مركبة تعني الوردة السنوية. وقد تكون التسمية تطويرا للتسمية اليونانية القديمة، التي تحيل فيها عبارة هليانثوس على هليوسhelios وهو إله الشمس فأصل الحكاية إذن أرباب وعبادة شمسية.
اسم الشمس ثابت في التسميات العربية وحتى في تسميات أخرى كالإنكليزية Sunflower (أي وردة الشمس) والفرنسية Tournesol (دوار الشمس)؛ غير أن هذه التسميات يمكن اعتبارها محايدة لأنها، وهي تحافظ على الأصل العلاقي بين الشمس والوردة، تركز على حركتها المتنقلة طيلة النهار الصيفي في الأراضي التي تنبت فيها هذه الزهرة العجيبة التي لا تتحول زهرتها إلى ثمرة، بل تسكن الثمرة الزهرةَ المتفتقة عبادة.
نحن نعتبر أن تركيب الاسم إلى الشمس في جميع التسميات نابع من تأمل الإنسان في سلوكها وهي تستدير بحركة الشمس. وهذا يصدق حتى على التسمية العلمية، التي هي نتاج لتأمل في حركة النبتة لا يختلف فيه الفلاح البسيط عن عالم النبات. والحق أن كثيرا من أسماء النبات أو الحيوان نابع من تدقيق في سلوكها، أو من مشابهة لها مع شيء آخر في الطبيعة أو في الكون. إلا أن ملاحظة سلوك هذا النبت والتركيز على تبعيته في استدارته للشمس فيه درجتان: درجة ملاحظة المعانية وهي التي نجدها في تسميات: دوار الشمس أو زهرة الشمس وميال الشمس، أما الدرجة الثانية من الملاحظة فهي ملاحظة التأويل، التي تترجم ميلان النبتة بحركة الشمس إلى فعل عبادة، ولذلك تسميها عباد الشمس. الفرق بين التسميات الأولى أنها تجريبية تبحث في حركة الوردة عما يميزها، فهي تسمية حسية حقيقية لأن الوردة تدور فعلا وتميل حقا؛ لكن التسمية الثانية (عباد الشمس) تسمية إيحائية لأنها ترجمت ارتباط الميل والدوران بحركة الشمس إلى عبادة.
لقد ذكرنا أعلاه أن أصل التسمية العلمية عند اليونان تربط النبتة بآلهة الشمس، ومن الممكن أن نقول إن مفهوم العبادة جاء إلى العبارة العربية من أصولها اليونانية لكن هذا تسرع في الاستنتاج لأمرين: أولهما أن لغات أخرى (بما في ذلك اللاتينية) لم تحفظ هذا المعنى، وثانيهما أن نسبة النبتة إلى آلهة الشمس هي نسبة عادية في اللغة، كنسبة أي كائن إلى آلهته لكن الحكم على نبتة بالعبادة هي انتقال من النسبة إلى الاستعارة. صيغة المبالغة في (عبّاد) تعني اتصاف المسمى بالعبادة على وجه الفاعلية والكثرة فيها؛ فالفرق بين العابد والعبّاد، أي بين الفاعل ومبالغته، أن الأول يأتي فعل عبادة عادية، بينما يبالغ الثاني في الإتيان بذلك الفعل، وهذا يعني كثيرا من الأشياء من بينها أن العابد لا يلازم معبوده في حركته التابعة مثلما يفعل العباد.
واضح أن الأرض مكان آني لا يحقق الخلود مثلما تحققه بقية الكواكب، التي على من ينشدها أن يتنقل في سرعتها وفي ملكوتها حتى يسلم أمره ووجدانه ووجوده إليها؛ كذلك يفعل عبّاد الشمس. تسمية عبّاد الشمس ليست إذن تسمية محايدة، هي تسمية قد تكون من آثار الصابئة الذين لا يعشقون الشمس، بل يعدونها لا لأجل ذاتها، بل كي توصل العابد العاشق لما يعبد إلى درجات عليا من المقامات الرفيعة.
المبالغة هنا تعني ملازمة حركة الانحناء وتغيير النبتة وجهتها بتغير الشمس حركتها: إن كان للمصلي العابد في الإسلام قبلة فواحدة (على الرغم من أنه يمكن أن ييمم وجهه حيثما أراد) لكن قِبلة هذا العبّاد متغيرة بتغير مكان معبوده المتنقل. كأنما العبادة ليست اتباعا لحركة المعبود، بل لتعاليمه لكن المبالغة فيها تقتضي هذه الملازمة لوجهة فيها بحث عن وجهه.
في النص القرآني (سورة الأنعام 74-81) حديث عن بحث إبراهيم الخليل عن الله، بعد أن زهد في آلهة أبيه آزر؛ وفي هذه الرحلة كان القمر والشمس مرحلتي شك سرعان ما تبددت بالبرهان التأملي، وبالتدخل الرباني الذي سمي هَدْيا. يقول تعالى: (فَلَما رَأَى الشمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَٰذَا رَبي هَٰذَا أَكْبَرُ فَلَما أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِني بَرِيءٌ مما تُشْرِكُونَ) (الآية 80). في حجاج إبراهيم قبل الهدي، وهو حجاج قائم على أن الأعظم هو الأجدر بالربوبية، فإن الشمس أكبر من القمر فهي أجدر منها بالعبادة، لكن الأفول كان برهانا آخر عن هذه الربوبية الزائفة، لكن عبّاد الشمس يظل يعبدها حضورا وينكفئ على نفسه غيابا في انتظار عودتها إنها عبادة على شاكلة الصابئة. الصابئة عبارة عربية قد تكون مأخوذة من الآرامية، التي تعني غطس وصبغ، وهذا المعنى يتماشى مع طائفة الصابئة المندائيين، الذين عاشوا على ضفاف دجلة والفرات، وهم صابئة مختلفون عن صابئة حران، الذين كانوا يعدون الكواكب والنجوم عبادة لم تكن لتخلو من علم بالأفلاك، على طريقة علماء الفلك اليونانيين. فالعبادة يعضدها العلم بالأفلاك والنجوم وتحركاتها. ليست عبادة الأصنام عند هذا الفريق من الصابئة عبادة بالمعنى الحديث للكلمة، بقدر ما كانت حركة روحية تشبه الحركة الصوفية، سيطلق عليها اسم «التصوف النجمي أو الكوكبي» الذي يدعي أن للنجوم قداسة، وأن المرء ينبغي أن يتأملها ويغيب فيها. ونحن نجد خارج الثقافة العربية الإسلامية وجودا لها في الشرق، مثل مصر على يد بعض الفلكيين الذين ربما قادهم علمهم بالأفلاك إلى تقديسها، وإلى الانجذاب الروحي إلى مساراها. أبرز مثال هو بطليموس (أو كلوديوس بطليموس) صاحب كتاب المجسطي يقول بطليموس: «أنا أعرفه، أعرف أني فانٍ ولن أعيش إلا يوما واحدا، لكن حين أتحرق شوقا إلى الانضمام إلى النجوم في سباقاتها الحثيثة من اتجاه في السماء إلى آخر، فإن أقدامي لن تلمس الأرض البتة، لكن مع زوس نفسه سوف أغدو على خمرة الآلهة».
واضح أن الأرض مكان آني لا يحقق الخلود مثلما تحققه بقية الكواكب، التي على من ينشدها أن يتنقل في سرعتها وفي ملكوتها حتى يسلم أمره ووجدانه ووجوده إليها؛ كذلك يفعل عبّاد الشمس. تسمية عبّاد الشمس ليست إذن تسمية محايدة، هي تسمية قد تكون من آثار الصابئة الذين لا يعشقون الشمس، بل يعدونها لا لأجل ذاتها، بل كي توصل العابد العاشق لما يعبد إلى درجات عليا من المقامات الرفيعة. عبّاد الشمس تسمية استعارية لم تكتف بأن تبحث في السمات التجريبية الحسية، سماتها المفيدة التي بها تلقب هذه النبتة، بل ووجدتها في السلوك الثقافي حين ترجمت الانحناء والميلان إلى عبادة مثالية ومبالغ فيها.
في ثقافتي المعاصرة لا يعنيني أن يعبد كيان نجما مثل الشمس، لكن يعنيني أن أعلم أن يكون ذلك النجم رمزا مركبا. فالشمس رمز للتوهج وهذا مألوف، ورمز للاحتراق وهذا مجرب، لكن حين يدخل عبّاد الشمس هذا الكون الرمزي صار لزاما علينا أن نجد له داخل إطار الترميز المركب معنى، فيمكن أن يكون رمزا للحبيب الذي لا يخون: يحترق حبا وينحني في عز اللهيب، ولا يشيح بوجهه عمن يحب. في هذا السياق الرمزي المثمر قال الأديب وعالم النبات الفرنسي فرنسوا روسطان: «عندما يتزحزح المثالي عن مكانه، علينا أن نوجه أنفسنا بشكل مختلف. فعبّاد الشمس يبقى وفيا للشمس». المثالي ليس ثابتا وحتى تكون مثاليا عليك أن تجعل وجهك لا على الشخص بل على المثال الأرقى.
أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية