يمنح السفر للذي يمتهنه كفلسفة روحية، ومذهب صوفي حافل بالتحول والعروج، الرياضة الذهنية، والولوج في عالم الفكر والسوانح والتأملات والمواجد، تلك التي سيعثر عليها مصادفة، فهي ستكون أمامه في الطريق، والسبيل المقطوع، والرصيف الذي مشاه في رحلات التواصل مع عالم مختلف وجديد ومغاير.
ذلكم هو السفر المنّاح والمُعطي والوهّاب، فالسفر هو الصديق المثالي للكائن، كل الفلاسفة سافروا في خيالهم ووصلوا إلى فكرتهم المُخلّدة، كل الشعراء رحلوا في الإلهام والهُيام والأشواق والحب، حتى اكتشفوا سرّ القصيدة الكامن في عالم الحركة، والانتقال، والتبدّل، ولأبي تمام الشاعر المسافر في عالم الحواس قوله: “سافر تتجدَّدِ” فالسفر حقا هو ما يَهَب ويُهيل علينا الكثير حين نخترقه، فكم من جوّاب ومرتاد للآفاق، والفضاءات، والبراري، والمتاهات، كان التيه قد منحه شيئاً من عالم الدهشة، والغرابة، ولذّة الاكتشاف، فالتيه نفسه يمنح الكثير ويعطي، التيه في المجاهل والرؤى، يكسب المرء رؤيا مختلفة، باهرة وجذابة، وقابلة للإبهار والإدهاش والتواصل مع عالم جديد، لم تكن قد رأيته من قبل، أو مررت به، ربما تكون قد حلمت به، حلمت أن تكون هنا في هذا المكان، كما حَلُم يوماً القاص والروائي المصري عزت القمحاوي بالريف الإنكليزي، وهو طفل، أو فتى، حيث كان يرى ريفاً ما، في صورة ما، في فيلم ما، فيحسّ أنه الريف البريطاني، الريف الناعس، والجذاب، والممتد كبساط من النسيم والهواء، والخضرة على مدّ البصر، وحقاً الريف الإنكليزي هو كذلك، هادئ وجميل ومدهش، سهول ومروج، وبحيرات، وأنهار صغيرة، وسواق، وجدوال، وشلالات، ومنحدرات مكسوة بالقطيفة الخضرا والذهبية على مدار السنة، حيث آلاف الأشجار هناك، عشرات من الهضبات، والملايين من الأزهار، والغصون، وأنصال الأعشاب.
لقد حلم القمحاوي صاحب كتاب “غرفة المسافرين” بالريف الإنكليزي، ولكنه في سفره الطويل، بين العوالم، والمدائن، والعواصم، والجزر، والقرى الماسية، كان قد رأى ما هو نسخة ثانية، أو قريبة من الريف الإنكليزي، فالريف في إيطاليا، وجزرها الشهيرة، ومدنها المتوسطية والبحرية، لا تقل جمالاً، وبذخاً، وإدهاشاً عن الريف الإنكليزي، ذاك الذي لم يره حتى هذه اللحظة، ولكنه قد يُقيّض له في يوم ما، زيارة هذه الجزيرة العظمى، ويكتشف سر الجمال المصبوب في هذا الريف الذي يدعو إلى الغبطة، والإدهاش، إن لم نقل السحر المجسد في هذا المكان المُلهِم والربّاني، الريف الذي يسكنه الشعراء والفلاسفة والمفكرون والرسامون الكبار.
لعل ما دفعنا إلى هذا الكلام هو كتاب “غرفة المسافرين” للأديب عزت القمحاوي الذي هو مدار حديثنا الآن.
ينطوي كتاب “غرفة المسافرين” وهو كتاب يأتي في سياق أدب الرحلة، على أربعة أبواب، وهي “في المعنى” و”عبرة الحقيبة” و”مكتوب على جدار القلب” و”زفرة السائح الأخير” ولكل من هذه الأبواب عناوين فرعية، وثانوية، تهتم بتفصيل الفكرة، والوجهة، والجهة المعنية في السفر وما يتركه على المسافر، من حالات، ومقامات، وتحوّلات في رؤاه، وذهنه، وذاكرته، وما يخلفه في الروح من معانٍ كثيرة، تُرمّم فيها الأدواء والشروخ، والعطب الجوّاني، وتُعيد من ناحية أخرى تجديد الجسد، وغسل الفكرة، وتنظيف ما اعترى الروح من هوام، وسُخام، وشجون خلال فترة الرقود، والاستتباب والحَجْر في مدار الروتين اليومي، والمواضعات السائدة.
ولهذا فـ”السفر اكتشاف لأنفسنا، أكثر مما هو اكتشاف للمكان المختلف، حيث نصبح أكثر قدرة على التقدير الصحيح لمشاعرنا بعد الانتقال إلى عالم آخر. وعلى قدر السطحية التي تصبغ العلاقة بالناس والأشياء في السفر على قدر العمق الذي ينشأ بين الإنسان وذاته، يكتشف نفسه، ويعرف ما هي عليه روحه حقيقة وليس ما تبدو عليه بين الآخرين، حيث يفرض علينا الواقع أدواراً نؤديها ونتلقى عليها المدح، فنتصوّر أنها أدوارنا لسنوات طوال، لكن السفر يحرّرنا من الرقابة الاجتماعية، بعبارة أوضح يحررنا ـ مما يعجب الجمهورـ فنكتشف أنّ هذه الأدوار لم تكن لنا، وأن استمرارنا في أدائها كان محكوماً بالنفاق والاستكانة للصورة التي رسمها لنا الآخرون”.

من هنا يبدو لنا السفر رحلة في أنفسنا، رحلة صوب الأعماق الخفية من الذات، ففي السفر سوف نرى إلينا جيداً، سنمحِّص أنفسنا، ونطيل النظر إلى واقعنا النفسي والفيزيولوجي، وإلى واقعنا الأركيولوجي أيضاً، فثمة رابط بين الواقع والأسطورة، بين الذات والموضوع، بين العين والمكان، بين الفكرة الرائية والعلامة، تلك التي تتجسّد في موقع أثري، مرتبط بزمن ميثولوجي، فالأفكار، والعلامات، والدلائل كثيرة مترامية الأطراف، ألم تكن الإهرامات فكرة أزلية، أسطورية سائدة في عالمنا؟ وينبغي علينا ارتيادها، واكتشاف مسارها التاريخي، والروحي، والواقعي الماثل في الأسطورة، فالأسطورة هي أيضاً كانت واقعاً في يوم ما، كانت حاضراً في زمن بعيد، ولكنها الآن قد تحولتْ لتكون أيقونة، لتكون مومياء، لتكون قبراً لملكة فرعونية وملك تليد.
ففي مصر مثلاً “لم تكن الملكة المعتزة بمفاتنها تعتمد كثيراً على دعم الآلهة، كما أن علاقتها بالحشمة لم تكن بالقوة التي تجعلها بحاجة إلى كهف يخفي جمالها، والمنطقي انّ ملكة استعراضية مثل كليوباترا لم تكن تستحم إلا على شاطئ مكشوف ومزدحم بحيث تخلب ألباب أكبر عدد ممكن من المصطافين، لكننا يمكن تقبل الأسطورة فقط من باب حب الملكة للمغامرة”.
يجول الكاتب عزت القمحاوي في أماكن محددة قريبة من مصر، ولكنها أخاذة وجميلة وقادرة على الإدهاش والسحر المتواصلين، مثل جزيرة سانتوريني اليونانية، ومدينة فينيسيا الإيطالية، ففيهما من الضوء المسفوح، والعمارة الباذخة، والفن القروسطي، وبالأخص فينيسيا “ولو كانت السياحة ديناً فمدينته المقدسة فينيسيا” هي مدينة العشاق والرومانسيين والشعراء والرسامين، وكم من فنان، وكاتب، وروائي، وشاعر استوطنها لينهل الإلهام من جنباتها، بدءاً بشكسبير وتاجرها الشهير، وليس انتهاءً بتوماس مان، وذلك الموت الحكائي في البندقية فـ “عمارة فينيسيا ليست باذخة فحسب، بل مهرطقة، في المدن الأخرى يتواضع البناء البشري، ويترك للبناء المنذور للرب تفوّقه من حيث الحجم واختلاف العناصر والموتيفات المعمارية من القباب والأبراج وتيجان الأعمدة وزخارف الواجهة وحجم الفضاء الذي يتمتع به البناء كحرم يمهّد الزائر لإدراك عظمته، لكنّ تجار فينيسيا الأثرياء كانوا يبنون لأنفسهم بيوتاً لها من الضخامة والفخامة ما للبيوت التي يبنونها للرب”.
يحوم الكاتب ويدرُج عبر أرصفة وشوارع وساحات روما، مستقصياً ومستنطقاً كل بناء، وبرج، ومُتحف، ومزار، جائباً هذا المكان ومتفحّصاً ذاك، ليصافحه ويُلقي عليه نظرته التي لا تخلو من الفن، والإدراك للعمل الفني، للمنحوتة وللتمثال، وللنصب الخالدة، والقصور الأمبراطورية، وبيوت أثرياء روما، ناهيك عن الكنائس، ودور العبادة، والفن الذي مسّ كل زاوية ومساحة وهيكل فيها، البصمة الخالدة تراها في كل مكان، على ما يبدو في روما “ستمضي في روما مرفوع الرأس، تتأمل التجاور البديع لمبان تفصلها قرون عديدة، لكنها بحالتها الراهنة تبدو من عمر واحد…. الأمبراطورية مترامية الأطراف، يجب أن تكون بناءاتها العامة بهذه الضخامة، لكن هذا لم يكن السبب الوحيد، فقد كان هناك كذلك أثرياء روما الذين عبّروا عن تنافسهم السياسي بتحويله إلى صراع جمالي ساهم في إكمال البناء السيمفوني لعمارة المدينة”.
هذا دون أنْ ينسى الكاتب الحديث عن مستلزمات السفر، مثل الحقيبة التي ترافق المسافر كصاحب أو صاحبة، أو كرفيق دائم، فهنا الكاتب يؤنسن الأشياء، ويمنحها روحاً، وطاقة، ومكانة عليا، من بين مهمات ومكملات ومستلزمات أدوات السفر، أو الحديث والإشارة إلى التفاصيل الصغيرة للسفر، مثل جواز السفر، والتذكرة، ومقعد السفر، والمضيّفة، وعمال النقل، والفنادق، والأكل والشراب داخل الطائرة، ومن ثم الانتباه إلى حمل الملابس الخفيفة، والكتب الخفيفة، وكذلك التنبّه إلى هيئة المسافر، أناقته، والملبس الخاص بالسفر، ذاك القابل إلى الدعك، والتحمّل، والتنقّل، والبسيط الذي لا يحتاج إلى ألوان مناسبة، مثل بنطال الجينز، فهو قابل لكل ملبوس يلبس عليه، وها هوذا الكاتب يتحدّث عن الحقيبة بطريقة أنسية، فهي صديقته التي ستزور معه بوخارست ومدريد، ذلك أن “المسافر الأقوى هو الذي يتحكم بلحظات غضبه، ويعامل حقيبته برفق، ولا يغتر بصمتها، فهي لا ترد على كل نأمة تذمر، لكنها تختزن مشاعر الضيق، وتُخرجها دفعة واحدة، كأن تتمزق وتكشف أسراره، أو تتخلف في مطار، ثم تعود متأخرة أو لا تعود أبداً، وهذا هو أسوأ انتقام ترتكبه حقيبة، خصوصاً مع الأنثى، لكن ذلك سيصبح بعد العودة مادة للغبطة والأسى والابتسام، عندما تستعيد المسافرة أحاسيس تلك الأوقات التي تخلفت فيها أشياءها عنها”.
يشكل كتاب “غرفة المسافرين” نوعاً من الرحلة الغنية، تلك التي سنجدها بين صفحاته المتنوعة، صفحات حملتنا أوراقها عبر جناح خفيف، باتجاه المدن الناطقة بالجمال والفن.
عزت القمحاوي:”غرفة المسافرين”
الدار المصرية اللبنانية، القاهرة 2020
239 صفحة.