فرانسواز ساغان في “ضحك لا يُكسر”: مخاطبات وأحاديث وأسرار

هاشم شفيق
حجم الخط
0

عرف الأدب العالمي الكثير من الأنساق والمسالك والاجتهادات في اجتراح الجديد والمختلف والمغاير، ليضيفه إلى عالم الأدب والفن عامة، مثل الشعر والرواية والقصة والمسرحية والرسم والنحت وغيرها من الآداب الإضافية، وليلحق به كالمذكرات الشخصية، والسِّيَر الذاتية، والمخاطبات والرسائل

وفنون التعبير المماثلة، تلك التي تتعلق بالبوح والمكاشفة والاستكناه، مما يؤدي إلى توسيع ميدان الأدب وفتح الآفاق الواسعة أمامه، لكي يتجدّد ويُضيف، ويبتكر، وييجترح الرؤى والمعاني المضافة إليه. ففن الخطاب الافتراضي، وكتابة الرسائل المفترضة، أو كتابة البيوغرافيا المفترضة، هي عوامل أدبية أخرى تساعد القارئ على فهم وإدراك ومعرفة الأديب والشاعر والروائي والكاتب الراحل، وبالأخص إذا جاء العمل من أديب وكاتب متمرّس وله شأن وعلو في عالم الكتابة، كما هو حاصل في الكتاب الذي بين أيدينا، للروائية والقاصة الفرنسية المحدثة فرانسواز ساغان، بترجمة من عباس المفرجي.

لعل بعض القراء والكتاب الباحثين والجادين، قد سبق له واطلع على بعض كتابات فرانسواز ساغان، ككتابها الذي تُرجم في مطلع السبعينيات إلى العربية “صباح الخير أيها الحزن”، وبعض الروايات وهي في أوج شهرتها، ولكن حبل الوصل قد انقطع معها، لأسباب عدة تعود أغلبها لفرانسواز ساغان نفسها، بعد دخولها في عالم الممنوعات والشرود إلى عالم آخر، عالم التحليق والابتعاد عن الواقع المعيش، وعيش عزلتها بطريقتها التي تبغي وتريد.

كتبت فرانسواز ساغان كتابها “ضحك لا يُكسَر” عن سيدة عاشت قبلها بأكثر من قرن، هي سارة برنار، التي ولدت عام 1844 في عائلة تتكون من أخواتها وخالاتها، والدها مجهول، ولكنه كان يساعدها ويرعاها مالياً، دون أن تراه وتتعرّف إليه، والدتها وخالتها كانتا بائعتي هوى، والبنات لكأنهنَّ تربّين وسط ماخور، ولكن دون أن يسقطن في عالم الأم والخالة، بعضهنّ واصل دراسته، والبعض الآخر انقطع وعاش حياة أخرى.

سارة برنار درستْ في دير للراهبات، كانت الأقوى بين الأخوات، والأجمل والأكثر بِنية من ناحية التكوين الجسدي، مشدودة، قوية، متحدية، ومندفعة وذكية، هوَت المسرح وهي صغيرة، فاخترقته بكل قواها، ووثبة جسدها الأخاذ والشهي، جميلة وطويلة، وذهبية الجسد والشعر، بعينين لعوبتين وجسد مغوٍ، لطالما أغوت به الرجال، كانت امرأة مثالية ونادرة وجبارة، تعشق الرجال الوسيمين، وتسقطهم في حبائلها، ودهائها، ومكرها، وألاعيبها المُغوية والمسرحية، اخترقت الفن المسرحي فتوجّهت الأنظار إليها، لم يكن سهلاً الاختراق آنذاك، بل بدأب وصبر وتضحيات ورويّة، جوبهت بالرفض في البداية، ولكنها أثبتت مكانتها، وموقفها، عبر موهبتها الكبرى، وعزيمتها التي لا تتراجع أو تلين، حتى علا نجمها، وصعد مخترقا الأجواء، والفضاءات لتكون هي المسرح كله، وهي النجمة اللامعة، والوحيدة، والمنافسة الشرسة، المثابرة والقوية والعنيدة، تتحدى الرجال والنساء، من أجل أن يكون المجد حليفها، والأخ المساند لها. لقد تذوقت الشهرة والعلو والسطوع، وهي شابة في العشرين، صاعدة كالصاروخ في سماء باريس، ثم فرنسا والعالم كله، لقد خطب ودّها الملوك والقادة والأمراء والرؤساء والأغنياء والسادة الأرستقراطيون، وهي الفتاة القادمة من القاع، والتي كانت تحوم حول تاريخها وشأنها الحياتي الشبهات وانحراف السمعة.

من هنا عرفت فرانسواز ساغان من تختار، اختارت النجمة اللاهبة التي ألهبت المسارح بحضورها، وأحرقت أفئدة العشاق والمُحبّين، وداست وهي تسير، على كبرياء الرجال المخادعين، والنساء اللواتي كن يحاولن المساس بها، عبر الدسيسة والخداع والتآمر والحسد، ولكنها كانت غير آبهة بكل ما كان يجري، ويحاك ضدها من دسائس ومؤامرات ومصائب، هي كانت الأقوى والأجمح والأغوى، تنطلق كفرس سريعة، لا تستطيع أن تنالها السهام الكثيرة، تلك التي كانت تُمطرها بها الصحافة والمجلات والكتابات الطاعنة.

كتبت ساغان خطاباتها للنجمة المسرحية الأولى، تلك التي كان ظهورها قبل ظهور هوليوود بنصف قرن، مسيرتها الأخاذة صنعت الآلاف من المُحبين، والمُريدين والمتمثلين خطوها، في كل من فرنسا وبريطانيا وأمريكا وبلدان أوروبا الشرقية، حيث العالم كله أحب هذه الفتاة المغامرة، والمتحدّية والتي لاحقتها الشهرة باكراً، ولقد تولّه بها العشرات من الكتاب والفنانين، وقد “ألهمت ألكساندر دوما في غادة الكاميليا، وأوسكار وايلد في سالومي. كانت الوجه الذي مثل الفن الحديث، متألقاً في عشرات البوسترات التي رسمها الفونس موشا، في شبابها، احتضنها مجتمع التو ـ باري بعد أن نجحتْ في المسرح، كما في السينما، فيما بعد شُغف بها هوغو، دوما الأب والابن، وايلد، كوكتو، وخلدها بروست في شخصية بيرما في “البحث عن الزمن المفقود”، كانت الممثلة الوحيدة التي نجحت في أداء أوفليا وهاملت على حد سواء”.

حين تكتب صاحبة “صباح الخير أيها الحزن” فرانسواز ساغان عن سارة برنار، وتخاطبها عبر مراسلات، هي هنا تكتب عن نفسها، عن أوجه الشبه بينها وبين برنار الثائرة، والمخترقة للحدود والتخوم، والنجمة المثالية البارعة، فساغان هي من الجبلّة ذاتها، من التركيبة الجمالية، والنفسية والفنية ذاتها، هي ايضاً تخطت المواضعات المعهودة، والتنميطات السائدة، وعبرت السائد بفنها القصصي والروائي، ورسمت لنفسها صورة لا تُمحى، من ذاكرة الستينيات والسبعينيات، فترة صعودها البارق كالنجم، هي هنا تستدرج البوح بسيرتها وذكرياتها وماضيها وأيامها ولحظات حزنها وفرحها، لغرض الإتيان بالبراعة المختلفة والجديدة، ومن هنا اختارت برنار، فهي الأقرب إليها حسّياً ، وساكولوجياً، وفيزيقياً، وفنياً، الأقرب إلى خصال التحدّي والتجاوز وتخطي المراسم الاجتماعية والأنطولوجية، لتقول وتأتي بما لم يقل، أو لم يؤت به في السابق. سارة برنار هي مرآة لساغان التي رأت فيها صورتها، وهي صبية طالعة في عالم الأدب المليء بالذكور، المبدعين، والنرجسيين، والمتشامخين، والذين كانوا يعدون أنفسهم الفاتحين في عالم الأدب، فجاءت فرانسواز ساغان الفتاة الناعمة والرقيقة، لتتسلق السور الطويل من الكلمات التي كتِبتْ قبلها، وتقول ما لديها، لكي تتميز، وتكون مختلفة بين جموع من الكتاب غير المتشابهين.ذلك أنّ خطابات فرانسواز ساغان هي إيقاظ للفيمنيست عالي القيمة، ففنها ورؤيتها، يتناغمان مع رؤى وأفكار سارة برنار، سيدة عصرها من دون منازع، لذا باحت لها، وخاطبتها، ولكأننا بها تكتب سيرة جديدة لبرنار الني أذهلت عصرها، بشخصيتها الفنية الفذة.

كتبت لها ساغان قائلة في أول وقفة لها على المسرح، وهي في سن الخامسة عشرة: “بلا ريب كنت مدهوشة قليلاً باكتشاف المسرح، على الأقل بروايتك كيف فعلت ذلك، كنت أتوقع الابتهاج بمثل هذه الصدمة الساحقة، فأعتقد أن هذا مدهش تماماً أنك تحاشيت شطحات الخيال في روايتها، واقتصرت على ما جرى حقاً، إلى حد جعلتها عادية، أن فاجأ هذا قراءك، فإنه في أفضل معنى للكلمة حسب تقديري”.

فتجيبها برنار: “في اليوم التالي لم أفعل شيئاً البتة، بقيت مكتئبة في فراشي، تاركة نفسي مجتاحة بذكريات أمسيتي في المسرح، أزينها وأوشحها لأن الأمر يحدث على الفور كما تعرفين. بالمناسبة لو تأملت في الأمر، لو تفكرت في صعقات الحب التي كانت لك في حياتكِ، كما آمل ذلك، أيّ ذكريات تحتفظين عنها، انطباع عن شمس، عن مشهد طبيعي فسيح، عن مجد مفاجئ، عن سماء ملأى بالنجوم، عن موسيقى سماوية”.

كان لسارة برنار صوت ساحر في الأداء المسرحي، صوت يغني ويؤدي ويتفنّن مسرحياً على الخشبة “لديّ صوت مدهش، ومهيب.. أستطيع بلوغ أوكتافين، استطيع الانتقال من الجهير إلى الحاد، من غير جهد، وأستخدمه على أحسن وجه، وأنا أستخدمه في الحال غريزياً، وأنزلق فيه من طبقة إلى أخرى، وهو ما لم يفعله أحد في ذلك العصر”.

وفي رسالة مرسلة من ساغان وهي بالطبع افتراضية، من متيّمة شغوفة، مطلعة على كل ما مرّ بحياة سارة برنار، وكل ما كتب عنها من سِيّر وكتب أدبية وفنية ومذكرات، ساغان تكتب، وتستغور، وتبحث في الطوايا المجهولة من سيرة حياتها وبرنار تجيب “عملت بعزم على التراجيديا والكوميديا، اكتشفت راسين، اكتشفت الأدب، وحيث أن قراءاتي في الدير لم تكن واسعة صرت أكنّ حباً كبيراً لعدّة كتاب لم أتم بعد قراءتهم كلهم، حيث تفصلني عنهم الآن، وا حسرتاه كل هذه التربة.. أحب الكتاب، أحب الاحتفاظ به في يدي … بسرعة كنت حدست بالغريزة كيف يجب أن يكون فن المسرح، لكن الأداء تعلمته ببطء أكثر بكثير، بين الاستجابة لرغبات البعض، وإشباع حاجات الآخرين… في الأيام التي تلت، عشت في جوّ من التهاني والمدائح أفعمني بالنشوة، كنت غير متعوّدة على ذلك، كنت حتى ذلك الحين عبئاً، صرتُ أملاً”.

هنا نرى الروائية فرانسواز ساغان، عبر هذه الخطابات المدروسة، والباحثة والدقيقة لحياة الممثلة الموهوبة سارة برنار، التي هزت العالم بشخصيتها المسرحية وبأدوارها المثيرة، تكتب سيرتها وسيرة برنار، فهي هنا تجمع سيرتين في سيرة واحدة، سيرة تلك المرأة التي شغلت الصحافة في تمثيلها، وأسفارها، وعشاقها، ورحلاتها حول العالم، وسيرتها الأدبية هي، ناقلة لنا هذا الاتساق الجمالي، والفني والتعبيري المتماهي مع حياة وتجربة الفنانة سارة برنار، ذائعة الشهرة، في عالم المسرح والسينما والأدب والصحافة.

فرانسواز ساغان: “ضحك لا يُكْسر”

ترجمة عباس المفرجي

دار المدى، بيروت 2018

204 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية