يعد الروائي النمساوي ستيفان تسفايج أحد أهم الروائيين، الأكثر إثارة ومتعة وتشويقاً في رواياته، وهي قليلة قياساً بنتاجات الآخرين، هذا فضلاً عن كتبه الأدبية البحثية والبيوغرافية التي تناولت سِيَر بعض عباقرة العالم المشهورين، والذين قدّموا للعالم تجارب إنسانية، ومبتكرات علمية، وكشوفات تاريخية، ككتبه السيرَوية عن حياة ماري أنطوانيت، وماري استيوارت ملكة أسكتلندا، وغاري بالدي، وحياة ماجلان التي سطرها في هذا الكتاب النادر، بينما رواياته وهي غاية في التصوير، والتفصيل والدقة الروائية، فإنها تنطوي كذلك على عناصر استثنائية في رسم الحبكة، وجدْل عناصر التشويق الدائمة، تلك التي سيجدها القارئ في كل كتبه الأدبية، وحتى مذكراته، هي كذلك تنطوي على عوالم مختلفة، مثيرة وتراجيدية، وحافلة بالعناء، والجمال، والغنى الفني والفكري والأدبي.
كان تسفايج مثل عالم نفس، قد عكف طويلاً على سبر غور الأحوال السايكولوجية للإنسان، ليرسم بدقّة الروائي الحاذق والمتمكن، تفاصيل شخصياته المتقلبة والحائرة، والمستهدفة أيضاً من القوى الغامضة والخفية، والمطاردة من قبل الشخصيات السياسية الشمولية، كالديكتاتورية والنازية، فهو على سبيل المثال قد عانى كثيراً على يد النازيين، لقد طاردوه، وحاربوه وحرقوا كتبه، ففرّ منهم إلى بريطانيا التي مكث فيها قليلاً، بعد أن لقي الكثير من الترحاب فيها، ولكنه في النهاية غادرها فجأة إلى البرازيل، ليموت هناك وحيداً وغريباً هو وزوجته. وفي الحقيقة فقد دفعتهما الحياة الصعبة، والخائرة والسوداء، إلى وضع حد لحياتهما، لتكون تلك النهاية المأسوية الحزينة لكليهما في بلد المنفى البعيد.
الكتاب الذي بين أيدينا يتناول على نحو بالغ الفتنة والإدهاش حياة ماجلان الذي اكتشف العالم الجديد، وأثبت للعلماء كروية الأرض، كونه قطعها كلها شرقاً وغرباً، وحقق نصراً تاريخياً وعلمياً برحلته التاريخية من خلال سفنه المبحرة على حساب ملك إسبانيا، فهو برتغالي الأصل، ولكن ملكه طرده ولم يثق بحملته التي كانت ستكلف الكثير، فضلاً عن عدم إيمانه به وبشخصيته الفذة، العنيدة، فهو شخصية طاغية، علمي وعليم، وباحث مؤثر في علم البحار وشأنها العالمي، كان دافعه وراء اكتشاف العالم هو العلم أولاً، أي العلم المُتبَّل بالبهارات، فالغزو والقرصنة، والاستعمار العالمي الذي بدأ قبل خمسمئة سنة، كان سببه روح الشرق، بغية السيطرة على نوره، وعطره وتوابله وروحه، ومن ثم احتوائه وضمِّه، والهيمنة على مقدراته وثرواته، فثروة الشرق في ذلك الزمن كانت البهارات والتوابل والعطر، حيث أوروبا والغرب البعيد حينذاك، لم يكن يعرف شكل وطعم التوابل التي ستضاف للأطعمة والأشربة فيما بعد، لتصبح التجارة الأولى الرابحة حينذاك، ولصبح من يمتلك مفاتيحها وبلدانها يمتلك العالم كله، ومن هنا كان زمن ذلك العالم القديم هو زمن ماجلان وكولومبوس ودي جاما، ذلك العالم الذي كان مقسماً إلى عالمين، يوم قسّمه البابا حينذاك، عالم بحوزة إسبانيا، وعالم بحوزة البرتغال، وسيصبح بلد صغير ومنسي مثل البرتغال مالكا لنصف العالم، وذلك كله بجهد بحارته الاستثنائيين والمثاليين، وبسبب سفنهم وأساطيلهم وأيضاً بسبب أفكارهم، وفلسفتهم، ورؤاهم البحرية التي لا يعلى عليها في فَهم خرائط العالم، وفهم بحاره ومحيطاته، وأنهاره الصغيرة والكبيرة.
“كانت التوابل هي الهدف الأول للرحلات الشاقة الطويلة التي يقوم بها التجار الغربيون إلى الشرق، فمنذ أن ذاق الرومانيون في أثناء غزواتهم طعم التوابل الشرقية، أخذ استعمال هذه التوابل في إعداد الطعام ينتشر بين أهل الغرب، وكان كبارهم وأغنياؤهم يرون أن لذة الطعام في الإكثار منه، ثم تبيّن لهم أن نزْراً يسيراً من البهار أو القرفة أو الزنجبيل أو غيرها من التوابل يكفي لإكساب الطعام نكهة لذيذة، لا عهد لهم بها من قبل … وكان ثمة هدف لتلك الرحلات هو الحصول إلى جانب تلك التوابل اللازمة للطعام، على أنواع العطور العربية الجديدة من المسك والعنبر وماء الورد وغيرها”.
يُبحر كتاب تسفايج في عالم البحر ورؤاه المتعددة، البحر الذي يخبئ الأسرار، والأهوال والجمال والعواصف والبروق والكنوز واللآلئ والخبايا التاريخية، فهو والمحيطات من ربط العالم ببعض، وتعرفت البشرية على بعضها، بعد أن كانت معزولة وبعيدة، ووحيدة تعيش عزلتها وغربتها في العالم الذي كان يتصور سكانه البعيدون أنهم العالم، وهم أناس هذا الكوكب، وليس هناك أحد غيرهم، ولولا البحار، والمحيطات، والدابات البحرية التي هي السفن والبواخر، ولولا البحارة المغامرون والمكتشفون من أمثال ماجلان وكولومبوس لبقيت أمريكا تعيش عالمها لوحدها، ولبقيت الجزر الهندية، وغيرها من الجزر عذراء غير مكتشفة، ولم تطأها قدم أوروبية، لكن تطور علم البحار، واكتشاف كروية الأرض، كانا الدافع الأساس لهذه الاكتشافات التي أعادت اللحمة إلى الطبيعة البشرية، وأعادت ربط الأرض ببعضها، وربط الشرق بالغرب والشمال بالجنوب، ليغدو العالم متكاملاً، وبالغ الكمال في التسوية الربانية.
لقد بدأ ماجلان من الصفر، من جندي بسيط في البحرية البرتغالية، إلى أن تدرّج في الرتب العسكرية، جرّاء طموحه غير المحدود، ولكن رغم هذا الطموح العالي، والنبوغ الفائق، والذكاء غير الطبيعي، لم يُقنع ملك البرتغال بمشروع رحلته وما ينوي فعله، من اكتشاف للطريق الجديدة، تلك التي ستؤدي إلى العالم الجديد، فتحوّل عبر صداقاته الكثيرة إلى ملك إسبانيا، ذاك الذي سمع به، فوفّر له كل مستلزمات الرحيل، المال والسفن والجنود، لرحلة ستسمر ثلاث سنوات تقريباً، سيلاقي عبرها المتاعب الرهيبة والأهوال والعجائب المذهلة، البرد والصقيع والمطر والعواصف والزوابع البحرية، ولكنه بعناده المعروف وصبره وجَلده سيتخطى المصاعب الجُلى، الواحدة تلو الأخرى، بإرادة لا تلين، وعزم جبار ومثالي لا يقهر.
“ولهذا فإنّ ماجلان لم يترك لأحد مهمة إعداد مشروعه، فهو يراقب بنفسه جميع التدابير ويناقش بيت الهند والموظفين والتجار والموردين والعمال، ويشعر بالمسؤولية الملقاة على عاتقه نحو الرجال الذين وضعوا مصيرهم بين يديه، وأنه يفحص البضائع وقوائم الحساب والحبال والأسلحة، ويعرف السفن الخمس معرفة دقيقة، وهو في الوقت نفسه يقاوم الدسائس التي يحوكها له خصومه خفية لعرقلة رحلته الرائعة، وقد ارتفع نبوغه إلى الأوج، فتغلب على كل شيء”.
لقد جهز ماجلان لرحلته التاريخية الخالدة، كلّ شيء، من الإبرة حتى المدافع والإطلاقات والأسلحة لمواجهة أي طارئ، وحسب حساب الأشياء جميعها، فهناك مسؤولون على المال، والطعام، والطبابة، والحمل، والتخزين، وعلماء جوّيون، وخبراء ريح وثلوج ومطر، فلكيون ومتنبئون، وكاتب ومؤرخ سيرة الرحلة، وإلا لما كنا قد اطلعنا على كل تلك الصغائر والكبائر التي واجهت رحلة ماجلان العظيمة في سفره المخلد، ومن هنا حسب حساب الخبز المجفف الذي سوف يكفي لعامين، والنبيذ والسمك واللحم المقدد، حسب حساب الدواء والمواد العلاجية، والوقود والحبال، فهو معه شبه أسطول من السلاح والبشر، وهم سيكونون على الماء وليس على الأرض، ماء محفوف بالأخطار، والمصاعب، والجوائح التي قد تحدث وتلمّ برواد وجنود وعاملي السفن الخمس، أو السبع التي انطلقت من الشواطئ الإسبانية، باتجاه ما فكر به، وخطط له، من حلم سيتحقق فيما بعد، ولكن بعد أن يدفع له حياته ثمناً، وهو في نهاية المهمة وتحقيق الحلم، نهاية ما كانت لتكون لو تصرّف الحكيم ماجلان بعقلانية مع نهايته في إحدى الجزر الجديدة التي مرّ بها، فكانت النهاية الأليمة له على يد ملك صغير لجزيرة صغيرة.
كان ماجلان قد استخف بما سوف يحدث، وهو الذي تجرّع المرارة تلو المرارة، في رحلته العصيبة، وتخطى الصعاب والمؤامرات، من تمرّد مساعديه ومنافسيه وبعض ضباطه،، ممن صاحبوه، ورأوا فيه شخصاً يخوض في المجهول، ويبحث عن قناة وممر ومجرى غير موجود، يربط الشرق بالغرب، وقد تصوروا أن ما يدور في رأسه هو عبارة عن وهم وخيالات، موجودة في ذهنه، وعقليته العنيدة ، أي ماجلان الصامت، والحزين، والمليء بالأسرار الخفية، أسراره هو وحده، ولا يعرف بها أحد غيره من المساعدين، وكاتب السيرة والضباط وخبراء الأجواء، وبذا وبعد لأي تحقق حلم ماجلان في العثور على القناة المنشودة، بعد عامين تقريباً من الإبحار، والبحث، والدوران في البحار، والمحيطات، ذلك البحث الذي أدى إلى الموت من البرد، والصقيع، والجوع، حين أخذت المؤونة بالنفاد، فمات من مات وبقي من بقي، مات كثيرون وتفككت عظامهم، وسقط شعرهم، وأسنانهم، وفسد دمهم، فصار الجوعى يأكلون الفئران، والجلود، والأقمشة، حتى تلفت رئاتهم وكُلاهم وتمزقت أوردتهم، وشاخت قلوبهم، ولم يبق مع ماجلان سوى نفر قليل، كان يؤمن به، وبمشروعه الخيالي، ولكن العلمي والحقيقي، ذلك أنه حين اقترب من تحقيق الحلم وتحققت المفاجأة، ووجد القناة، أو المجرى التاريخي الذي كان يبحث عنه، في مدونته العلمية، ارتاح قليلاً، وتحققت الأمنية العظمى، وارتاح جنوده ونالوا قسطاً من الضوء، والشمس، والطعام، والماء الصافي العذب، غير ماء البحر المالح الذي كانوا يشربونه. آنذاك وصلت أخباره السارة إلى الملك الذي احتفل، واحتفلت البلاد بمنجزه، بعد أن تراجع الشك أمام اليقين المحتم.
ستيفان تسفايج: “ماجلان قاهر البحار”
ترجمة: حبيب جاماتي
دار المدى، بغداد 2020
167 صفحة.