يظل الشعراء النادرون دائماً مدار حديث الزمن والأوقات والأيام الجديدة التي تحمل تاريخهم وفنهم ورؤاهم، وتحمل في العمق إبداعهم الشعري، الجمالي والفني والرؤيوي، إكسيرا خالداً للشعوب والأجيال التي تتعاقب، متداولة فن هذه العبقريات الاستثنائية، كالشاعر الإسكندري قسطنطين كافافيس، الذي لا يزال فنه الشعري في المتداول، قراءة ودراسة وفحصاً، ومدار بحث لطلاب العلم والأدب والفن، مثله مثل غوتة الألماني، ورامبو الفرنسي، وإليوت الأنكلو سكسوني، وويتمان الأمريكي، وغيرهم من الشعراء المثاليين والخالدين.
هؤلاء المبدعون الأيقونات، تبقى البحوث والدراسات والرسائل الجامعية، الأدبية والجمالية والدراسية، تستهدفهم لذيوع فنهم وشهرته، ولعمقه التعبيري، والإنساني لدى الشعوب التي قرأته، وتأثّرت برؤاه، ومعانيه، وتعابيره الفنية، وأساليبه، وأشكاله البيانية تلك التي جاءت بالجديد والمختلف والمغاير.
إن شاعرنا كافافيس هو من هذه الجبلّة، أعطت لتاريخ الشعر اليوناني، والعربي، والعالمي، إضافة حقيقية لمسيرة هذا الفن، المتعلق بالحياة، والكون، وبالطبيعة، البشرية حيثما كانت.
ظل الشاعر كافافيس مدار ملاحقة من قبل المترجمين والشعراء العرب الذين قدّموه، كلّ من خلال حساسيّته الترجمية والشعرية والفنية، ينضاف إليها أفق معرفته، واطلاعه الثقافي على بقية الفنون والآداب، كتاريخ الأساطير اليونانية والفينيقية والرومانية، والمصرية والرافدينية. فشاعر مثل كافافيس لم يكن من الشعراء العابرين في تاريخ الشعر، بل هو شاعر موسوعي، ومطلع على التواريخ والمحطات الفنية للشعوب، ولا سيّما الميثولوجيا التي تعد مفتاحا لدخول وفَهم عالم كل مجتمع، وشعب، وكيانات إنسانية عاشت وتعيش على هذا الكوكب، ولها تقاليدها وتاريخها وأساطيرها، كتاريخ الأغارقة على سبيل المثال، هؤلاء الذين دخلوا قصائد كافافيس بكل تجلياتهم الماضوية، وحمولاتهم الميثولوجية، وظلوا يحيون فيها حتى اللحظة.

ترجم كفافي إلى العربية الكثيرون، لكن أبرز من ترجمه في بدء سنوات الستينيات والسبعينيات هو المصري نعيم عطية، في كراس صغير، ما زلت أتذكر لون غلافه، صدر في مصر عن دار حكومية، ومرت السنوات، ليظل المترجم عطية يشتغل على هذا الشاعر المثالي الكبير طوال سِنيّ حياته، يبحث هنا وهناك عن قصائد كافافيس، وفي كل مكان، فهو الأقرب إلى حساسيته الشعرية، وإلى هواجسه، ومضانه، ويعرف تاريخ كل قصيدة له، منشأها، وظروف كتابتها، ورموزها، ومعانيها، وتاريخها، ولماذا كتبت، وما هو الدافع الذي كان وراء ذلك، باحثاً، ومتفحّصاً، ومُطارداً بحس المترجم اللبيب، والحصيف والدقيق، كل نأمة وإشارة وهمسة همس بها كافافيس، ولم يدع أي بيت شعري، أو مقطع ما، إلا وكشفه، وسلط عليه ضوء معرفته وبحثه، وتفسيره الأخاذ له.
لماذا نعيم عطية هو الأبرز والأقرب والأوثق؟ الجواب لكونه يتقن اليونانية، متخصّصاً في آدابها، مدوّنا ومترجماً، وباحثاً في الشأن الشعري والأدبي واللغوي.
ولد الشاعر قسطنطين كافافيس، في الإسكندرية عام 1863، وتوفّي فيها عام 1933 بعد حياة شبه منعزلة، متفرّغاً فيها لتأملاته الشعرية، والفكرية، وإبحاره في التاريخ اليوناني القديم، أسطورة وواقعاً، ناحتاً قصائده من دفائن ذلك التاريخ، وماتحاً النور الميثولوجي، من عمق حياة الأغارقة القدامى. فكل قصيدة لدى كافافيس تحتاج إلى دراسة، مهما كان ما تحتويه من سطور قليلة، ولكن محتواها تكتنفه الرؤى، والمنحنيات، والتحوّلات الزمنية لليونان، التي ظل لفترات طويلة تحت ربقة الاحتلال التركي، فعائلة كافافيس سبق لها النزوح من الأستانة إلى الإسكندرية، ومن ثم عادت إليها إبان الاحتلال البريطاني لمصر، هاربة من أفاعيل الإنكليز، ومن سطوة امبراطوريتهم الممتدة شرقاً وغرباً، فمكثت العائلة هناك لسنوات حتى جلاء البريطانيين، وعودة أفرادها إلى الإسكندرية المكان الذي يحبونه كوطن لا غنى عنه، ولا سيّما كافافيس الذي تعلق بالمدينة، وعاش جل حياته فيها، وكتب أعظم القصائد في مدينته التي عشقها، وتغنّى بها، وأبى أن يرحل عنها، ويتركها، فهي قد صارت جزءاً من حياته الشخصية، حتى أن الإسكندرية ذاتها عُرفت كذلك بإسكندرية كافافيس، وكيف لا، وهناك عشرات القصائد التي أرّخت سر هذه المدينة المتوسطية الساحرة، المدينة المخلدة في كل سطر، ومفردة، وهمسة همسها كافافيس، ومن سوف ينسى من القراء المتابعين، والمهتمّين بشعر كافافيس أو بتاريخ الإسكندرية قصيدة «المدينة» الشهيرة التي أصبحت رمزاً خالداً للشعر الرؤيوي اللابث في الذاكرة، وفي تاريخ الشعر العالمي ومساره الجمالي، وهي القصيدة التي ترجمت إلى لغات عدة، وغدتْ أيقونة شعرية، وقصيدة متفرّدة في بنيتها، من بين قصائد العالم المتميزة والنادرة، تنضاف إليها قصائد مثل «بانتظار البرابرة» و «أسوار» و»ملل» وغيرها من القصائد التي تُعد من عيون الشعر العالمي.
بالقرب من محلة «كوم الدكة» في شارع لبيسيوس المتفرع من طريق «الحرية» هناك سيرى الزائر منزلاً قديماً يحمل الرقم 4 ثبتت على بابه لوحة رخامية تحمل عبارة «في هذا المنزل قضى السنوات الخمس والعشرين الأخيرة من حياته الشاعر السكندري ق . ب . كافافيس».
في هذا السياق تقص إحدى الزائرات من الشاعرات اليونانيات حين زارت كافافيس في بيته هذا قائلة: «لما نزلت في بيته بالإسكندرية سألت عن داره، فقيل لي إنه لا يحب الاختلاط بالناس، وعندما دخلت غرفة استقباله كان الضوء خافتاً شحيحاً .. كان يحب الضوء الخافت، ضوء شمعة أو مصباح غازي، ولا يستخدم الكهرباء .. ولما ألفت عيناي الظلمة رحت أتأمل كافافيس .. كان نحيفاً.. شاحب اللون.. ضعيف البصر .. أشعث الشعر.. أنيق اللبس.. على وجهه مسحة من الحزن .. وفي عينيه جاذبية عميقة، تلمع في عينيه أسرار قديمة.. ويأتي صوته من بعيد.. من أغوار الزمن السحيق، ولما ودعته وانصرفت، أضحيت وأنا أنزل الدرج الرخامي غير متأكدة من أني رأيته وجلستُ إليه .. خيل إليَّ أن كل شيء كان حلماً .. فصوته وشكله ولقاؤه كان أشبه بحلم ولّى».
سيظل كافافيس دائماً محط أقلام الكتاب، والنقاد، والمترجمين، والباحثين، والدارسين لنصوصه الشعرية المتعددة، ذات الأنساق الثقافية المتباينة. لقد ترجمه الكثيرون، وسيظل هناك من يترجمه، ويضيف من خصوصياته ظلالاً من المعاني، والضوء على مسيرة شاعر لا يضارع، كقسطنطين كافافيس الذي أنجبته اليونان، إلى جانب الشعراء اليونانيين الخالدين، سيفيرس وبالماس والعظيم يانيس ريتسوس، ولسوف تبقى ترجمة عطية ذات النسق النثري، المتمسّحة بالشعرية المخفية، وغير الظاهرة، تبقى الأهم، كونها تأتي منقولة من اليونانية مباشرة بدون وسيط، وثانياً لكونها تحتوي على كمية وافرة من الاستدلالات، والبراهين، والأدلة ذات السمة الوثائقية، والمعلومات الثمينة، وحملها لمصداقية التفاصيل، والشروح، ودلالاتها الكفائية، فالتفسير الكفائي الذي جاءت به القرائن الكثيرة، يجعلك أسير هذه الترجمة دون غيرها.
ومن القصائد التي عرفت لكافافيس وحملت شهرتها العالمية سنستعين ببعضها، وهي من القصائد العيون التي أصبحت مناراً ومعلماً بين قصائد الشعر العالمي.
وهنا قصيدته الشهيرة «المدينة»:
قلت: سأذهبُ إلى أرض أُخرى،
إلى بحر آخر، مدينة أخرى ستوجد أفضل من هذه،
كلُّ محاولاتي مقضيٌّ عليها بالفشل،
وقلبي مدفون كالميت،
إلى متى سيبقى فكري حزيناً؟
أينما جلتُ بعينيّ، أينما نظرتُ حولي،
رأيتُ خرائبَ سوداء من حياتي حيث العديد من السنين
قضّيتُ وهدمتُ وبدّدتُ.
لن تجد بلداناً ولا بحوراً أُخرى
ستلاحقك المدينة وستهيم في الشوارع ذاتها،
وستدركك الشيخوخة في هذه الأحياء بعينها،
وفي الأحياء ذاتها سيدبُّ الشيبُ في رأسك،
ستصل على الدوام إلى هذه المدينة.
لا تأمل في بقاع أُخرى، ما من سفين لأجلكَ،
وما من سبيل، وما دمت قد خرّبت حياتك هنا
في هذا الركن الصغير، فهي خراب أينما كنت».
وهناك القصائد العلامات مثل «إيثاكا» وهي أخت في بنائها ودراميتها ومأساتها لقصيدة «المدينة» وكذلك قصائد «الأسوار» و»ملل» و»النوافذ» وهي قصائد تلخص حياة الإنسان على الأرض، وترفده بالمعاني الوفيرة، وكذلك قصائد مثل «ملوك الإسكندرية» التي يُعدّد فيها بطريقة فنية وتاريخية، وتعبيرية نادرة، ووفق مفهوم كافافيس للشعر، المنسوج حول شخصيات كبيرة وتاريخية، يعدّد صفات، وحياة، ونهايات ملوك الإسكندرية:
تجمّع أهل الاسكندرية
يشاهدون أبناء كليوباترا،
قيصرون وأخويه الصغيرين،
بليموس والكسندروس،
يُصحبون إلى الحلبة لأول مرة،
كي ينادى بهم ملوكاً هناك
وسط مواكب الجند المتألقة،
لُقّب الكسندروس ملكاً على أرمينيا
وميدياس وبارثون،
ولقب بطليموس ملكاً
على كلكيليا، وسوريا، وفينيقيا
أما قيصرون فكان يقف في المقدمة،
يرتدي ثوباً من حرير وردي
وفي صدره علق من الزنابق باقة زرقاء».
«قصائد من كافافيس»
ترجمة نعيم عطية
الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة 2019
345 صفحة.